د. نبيل حدّاد - تأسست مكانة حنا مينه في الأصل من كونه روائياً. وانطباع التلقي لدى جمهور القراء والكتاب قد لا يفلت بعيداً عن زمام الحقيقة. إذا ذُكر حنا مينه تتبادر ماهية الشخصية الأدبية: الروائي، وقد حاولت بضراوة التخلص من هذا الانطباع وأنا أكتب عن حنا مينه هذه المرة، ولم أفلح، ويبدو أنني كنت -جزئياً على الأقل- على شيء من الحق، ولكن نتاج حنا مينه القصصي يظل مخلصاً -كنهجه الروائي- لأصول النوع الأدبي، ولا بأس -بناء على هذه المعادلة- من أن نخلص إلى أن نتاج حنا مينه القصصي الذي يخلص لتقاليد النوع إلى حد العبادة، والرجل متعبد دوماً في محراب الفن، ظل من نصيب عدد قليل نسبياً من الأعمال، وأن عددا من الأعمال في مجموعة الأبنوسة البيضاء (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1976)، مثلاً، ظل أقرب إلى إطار النوع الذي ينتمي إليه، إطار النوفيلا، القصة الطويلة، أو الرواية القصيرة، واصطلاحياً -على الأقل- فالمسألة سيان، ولكن لا بأس من تأكيد الفكرة: أقرب إلى إطار، وليس ضمن إطار.
ماذا لو حاولنا تلمس بعض الفروق بين القصة القصيرة، بشكلها الذي بدأ تأصيله منذ إدغار ألن بو قبل أكثر من قرن ونصف، وبين النوفيلا بوصفها إطاراً روائياً أكثر من كونها نوعاً أدبياً قائماً (وأنا لا أنفي صفة النوع وإن تحرزت قليلاً نحو المفهوم).
لنتوقف عند الحجم. هل يمكن إهماله ونفي تأثيره في إحداث الفروق؟ لا أظن ذلك، فالحجم يظهر في العنوان، وهو ليس لافتة فحسب في هذا الموضع، بل إنه سمة أساسية: قصة قصيرة أو طويلة. ولكن مسألة الحجم لا يمكن أن تنفصل عن سائر العناصر الأخرى: الزمن ومدى خموله أو نشاطه، مما يترتب على هذا بدهيات سردية من قبيل التسريع والتبطيء، ثم الشخصية: تعددها أو واحديتها، والموقف وما يرتبط به من انطباع منفرد أو متعدد. إلى غير ذلك من الفروق التي تجعل من القصة قصة والرواية روايةً. لكن المسألة ليست بهذه الصرامة في الأبنوسة البيضاء .
@@@
هذا التلابس الجميل بين إطاري القصة القصيرة والرواية يتجلى في نصف قصص المجموعة على الأقل. يتجلى في الأبنوسة البيضاء و على الأكياس و مأساة ديمتريو (التي صدرت في ما بعد عنواناً لعمل بذاته) وفي رسالة من أمي ، ثم في علبة التبغ .
ربما كان الزمن قصيراً في الأبنوسة البيضاء (1970). بضع ساعات أو أكثر. زمن رحلة سياحية يقوم بها فنان (دليل) وسيدة جميلة ومهندس، وفي الطريق نحو البسيط والأقرع (في الشمال السوري) تتداعى تجربة نفسية مشتركة، بل حالة وجدانية متوحدة، قوامها الفن والجمال والطبيعة، ولكل قصته مع هذا الثالوث، ولكل علاقته التي تجمعه أو يتخيل أنها تجمعه مع الأقنومين الآخرين.
الفنان (الدليل) في حالة إفضاء. إنه مع امرأة جميلة يتمناها، ولكن هيهات أن تحقق تجربة ساعات أماني من اختصاص عمر بطوله. لا حل إذن إلا بالفن والطبيعة، الفن يمده بطاقة التشكيل... تشكيل اللوحة، وتشكيل تخيل تحقق الرغبة. وهكذا فإن التشكيل الأول مبذول لنا، للناس، لأنه ثمرة علاقة مع الطبيعة، مع الجبل والبحر والغابة. أما التشكيل الثالث فهو محبوس عند صاحبه، داخل النفس، فهو ثمرة رغبة لا تجربة. إنه تعويض لما يعجز الإنسان عن فعله في الخارج، أما اللوحة المتحققة، فإنها خلق لواقع مواز، وشتان الفرق بين الفعل أو اللافعل التعويضي، والخلق المتجسد عملاً فنياً من كل قيد، ومبذولاً لكل إنسان.
تحفل الأبنوسة البيضاء بالثنائيات المتفاعلة: الداخلي بالبراني، بل قل السري بالعلني؛ فما ينكشف من مساحة قليلة تكمله ريشة الفنان، ولكن أين؟ في المخيلة. وفي ثنائية أكبر فإن استكمال النقص في الطبيعة يجد تجلياته في اللوحة بتضافر سخي بين الطبيعة والفن. أما تشظي النفس الإنسانية فما من سبيل إلى لملمته إلا بالريشة. وثمة ثنائية أكبر: لماذا تكون الحكمة على حساب البهجة؟ مصيبتنا، في هذا الشرق، أننا جميعاً عقلاء، جميعنا حكماء، [...] وبودي أن أقول للحكمة بعيداً! (ص 39-40) وربما كانت ثنائية الماضي والحاضر أوسع وأعمق؛ فها هي بلقيس تترى أمام هذا الفنان الذي يضنيه الظمأ الدائم، شجيرة أبنوس أبيض، أغصانها فتائل قطن، وجذعها عاج مورد، وتاجه ضفائر شمس، لتطير به بين السحب، إذا لا لقاء إلا هناك (ص 42). على أن إيقاع التعالي في هذه الثنائيات يأخذ ذروته في اللقاء والفراق، وهي البنية الخالدة التي تسعد الإنسان، ولكنها تمضُّه كذلك: اذكرني، يا سيدي، إذا جئت يوماً إلى مملكتك.
الحق أقول لك إنك ستكونين فيها، بل أنت منذ الآن، وإلى نهاية الدهر كائنة (ص 44)، ولكنها كينونة في الوجدان فحسب. إنها ثنائية أخرى. متواليات جمالية تكاد لا تنتهي.
تنكبت القصة لجنسها قليلاً حين جنح إطارها إلى الاتساع بأكثر مما تحتمله وحدة الانطباع. تتضاعف المشكلة حين نعلم السبب: دفع الرؤى بالجملة، خصوصا حين تلملم القصة خيوطها في الصفحات الأخيرة. وربما ثقلت وطأة الشكوى حين نضيف سبب السبب من الشكوى: موقع الراوي الأنا. ليته اكتفى بتلابسه الفني المبرر بالشخصية، لكنه راح يتلابس بشخصية حنا مينه نفسه، بدليل سطوة هذا الراوي، وشموليته في السيطرة على كل صغيرة وكبيرة. إنها سطوة لا تستمد وجودها إلى مما هو خارج العمل، لا من داخله.
@@@
أما مأساة ديمتريو التي حملت عنواناً روائياً خاصاً في ما بعد. فإنها أقرب إلى حوارية بين الذات والذات، وأحياناً بين الذات والوجود بأكمله. فلا وجود للوجود -بالفيض الوجودي الذي تنضح به هذه القصة- خارج الذات. بل إن هذا العمل يشق طريقه ضمن نسق عالمي سواء في رؤيته الوجودية، أو في رموزه: أسماء ودلالات، أو في تصديه لقضايا إنسانية كبرى ومن ثم ارتكازه على ثيمات تجاوز الإطار المحلي لتحلق في بيئة إنسانية حقاً.
ويطرح النص العديد من الأسئلة: هل ثمة جدوى في اقتصار محاورة الذات لذاتها فحسب؟ تجيب القصة عن هذا التساؤل بطريقة فجائعية حين يقول ديمتريو (ولعله القلب هنا) لديمتريو الآخر (ولعله العقل): إذا فسد الرأس فسد الجسم. عالج رأسك أولاً، وإذا عجزت فاقطعه (ص 102-103).
وهل نستطيع مواجهة العالم بالدراية في الذات فحسب بمعزل عما يدور في الخارج ؟ والإجابة هنا مأساوية كذلك، لأنها ستقود ديمتريو (الإنسان) إلى أن يكون تارة هو تاو في قصته مع التنين، وتارة أخرى سيزيف في قصته مع الأولمب.
يأخذ التجريد في هذا العمل آماداً غير مألوفة في أدب مينه المجبول -عادة- بطين المستنقع والغائص ببحر العواصف، هل هي بداية لمرحلة تجريب اتخذت تجلياتها الأوسع في عمل أوسع إطاراً وبتجربة أكثر اكتمالاً؟ إننا نعني: النجوم تحاور القمر . سمة أخرى في هذا التجريب، إضافة إلى التجريد، فإن مأساة ديمتريو نص مفتوح العتبتين: عتبة الاستهلال وعتبة النهاية (حتى نتجنب تعبير الخاتمة) بمعنى أن القصة -بوصفها الحالي- قابلة لأن تستقبل المزيد من المحاورات، بل إنها تكاد تقول عن ذاتها إنها نص، ليس قصة وليس رواية، وليست قصة ورواية في الوقت نفسه. إنها مأساة ديمتريو فحسب، أليس هذا منحى تجريبياً؟.
@@@
بيد أن بطاقة توصية (1969) تسجل حالة فنية متقدمة جداً في إنجاز حنا مينه القصصي تكاد تلامس الشروط النموذجية في هذا الفن.
تنبجس القصة من رؤية واقعية اشتراكية خصبة. عالم الطبقة المسحوقة بكدها في سبيل توفير لقمة الخبز، ولا نقول لقمة العيش، كفاح هذه الطبقة بل قل سعيها لرفع سقف مطالبها الإنسانية بأقل القليل، لعل ذلك ينجح في إبعاد شبح فقر الدم عن الأطفال.
لا بأس بالنسبة إلى نوري بن فنور المجسد لعذابات الطبقة الكادحة وكفاحها (بالتنظيم الخائب للإضراب) والمعبر عن درجة وعي متقدم فيها من0 أن يطرق الأبواب -على مضض- بالوساطة. ولكن النتيجة كانت حسب أحد الضمائر المجهولة في القصة: فالصو. أجل، فالصو بالنسبة للموقف، أما المنظومة كلها فتوجز ثمرتها خطوة نوري بالوعي المتجدد نحو صندوق القمامة ليودعه بطاقة التوصية. إنها خاتمة تدل على أكثر من خطوة وعي؛ فالوعي ولكن وحده غير كاف ما لم ينطوِ على ما هو أبعد: التفاؤل. أجل، التفاؤل بغدٍ جديد يملؤه الأمل المقرون بالكفاح من أجل الحصول على فرصة قادمة، لنوري ولأسرته. رؤية واقعية اشتراكية تكاد تكون نموذجية بأبعادها ونتائجها.
معمار القصة هو الآخر يطمح، بل ينجز الهدف النفيس في القصة القصيرة (التقليدية؟ لا بأس) أعني تكامل الموقف الذي يثمر وحدة الانطباع.
والموقف غير المشهد، وعلى هذا فإن بطاقة توصية تتكون من سلسلة من المشاهد التي تقود إلى الموقف، موقف الشخصية، وموقف المنظومة الفنية حين قالت القصة كلمتها الجامعة بالخطوة نحو الصندوق.
من التطواف في الشوارع بين جُهمتين: جهمة النفس، وجهمة الأمطار، يبدأ سعي نوري نحو مكتب الوزير، وأمام المكتب يتكرر المشهد النموذجي بحوارات نابضة ناطقة بحجم المعاناة بين المراجعين ممن يحملون البطاقات، إلى محاولات الوزير الزوغان من جموح المراجعين؛ فالانتخابات التالية ما تزال بعيدة، وأثناء ذلك يضبط راوٍ حاذق إيقاع الحركات المحسوبة، فيتدخل لإنجاز بؤرات درامية صغيرة لم تلبث أن تكاملت وأدت إلى المشهد التنويري الأخير. والتعبير المشهد التنويري اسم على مسمى حقاً، أي من المرتكزين الفني في دوره البنائي، والموضوعي في استكماله لموقف الشخصية.
@@@
أما علبه التبغ (1974). فإنها تستعيد حجم النوفيلا، بآفاق مشهدية متعدد تصلها بذلك العالم البيروتي الذي أنجزته قبلها بخمس سنوات بطاقة توصية . كونها نوفيلا لا يؤكده حجمها فحسب الذي يجاوز الأربعين صفحة، بل يؤكده الطبيعة الفنية للنوفيلا، وهي طبيعة تكتسب شرعية النوع -مع الاعتذار عن هذا التعبير الصارم- من الإطار الفني للعمل. إنه إطار يقوم على وحدة التجربة وليس على وحدة الموقف فحسب؛ و علبة التبغ تقوم على سلسلة من المواقف يتكون كل منها -أو يؤدي إلى- عدد من المشاهد.
وهكذا فإن تجربة إبراهيم في هذه القصة أكبر من أن يستوعبها موقف واحد فحسب، سواء في موقفه من السلطة السياسية في بلده، أو في موقفه تجاه العوز الذي يضطره للسكنى في غرفة خشبية مع تعايش حربي وأحيانا سلمى مع البق وحشرات أخرى، أو في موقفه من الأسرة التي يسكن فيها: موقفه من الأب المهمش، ومن الأم التي تحوك الخطط للإيقاع به زوجاً لابنتها الدميمة، وموقفه من الفتاة نفسها، ومن شقيقتها الحسناء المتزوجة... وهكذا تفلح هذه المواقف في إنجاز منظومة روائية بفضاء مكاني وأفق اجتماعي يحقق شروط النوع.
والقصة غنية بالمشاعر والرغبات، حافلة بالآمال، ناطقة بإحباطات الفقر والخوف والقهر السياسي.
فضاء القصة المكاني بيروتي بامتياز. بأحيائها الشعبية ونماذجها الإنسانية التي تنجز للمكان وقعه الإنساني الخاص. أما الشخصية؛ فإنها أحد النماذج المألوفة في أدب مينه، حيث نلج تجربة التلقي وبيننا وبينها سابق معرفة تحققت منذ المصابيح الزرق روائياً ومروراً بنوري بن فنور قصةً قصيرةً، وها هي تتجلى في هذه النوفيلا بشخص إبراهيم البروليتاري المطارد من السلطة.
إنه المثقف الذي يتصعلك مضطراً بفعل البطالة والاضطهاد السياسي ساعياً -أو منتظراً- لحطة الفرج -بل قل لحظة التنوير- التي قد تأتي من داخل النفس الإنسانية، أو بتحالف مع الظروف الخارجية كما حدث في قصتنا هذه التي تنتهي متوافقة مع حدث تاريخي، سقوط عهد حسني الزعيم، مما يعني أن على البطل -أجل البطل، وليس الشخصية فحسب- أن يجمع أشياءه ليرحل إلى دمشق بعد أن انتهى مبرر وجوده في بيروت.
علبة التبغ تنويعة فنية رائقة لنموذج قصصي شيد برؤية فنية تنهل عروقها من بئر الواقعية الاشتراكية، ولكن دورة الحياة في العمل لا تأتسر بأيديولوجيتها.
@@@
وقد لا تكون الأيديولوجيا قوة ضاغطة في نار التي كتبها حنا مينه -حسب التذييل- سنة 1949، ولكن القصة تصدر ولا شك عن رؤية واقعية اشتراكية لا تخلو من التزام بالإطار الموضوعي المألوف لمفردات العمل القصصي الذي يمتح من رؤية كهذه؛ هذا ما تنطق به أحداث القصة، ومناخها (وهو صقيعي -موضوعياً- بالمناسبة)، وكذلك شخصياتها وثيماتها وتبشيراتها.
ولنبدأ بالحدث، وهو بأبسط مفاهيمه الشخصية وهي تعمل أو تفعل ، فإنه، حدث نضالي بمعنى من المعاني، نضال ضد البرد والصقيع وسعي وراء ملمس دفء، نضال لأجل قول كلمة في صالح المسحوقين، نضال من أجل اللقمة الحمراء (إشارة إلى خبر صحفي يحكي قصة مواطن انتحر لضيق ذات اليد)... أما المناخ (أو عالم هذه القصة) فهو مكون من الكادحين وأرباب العمل المستغلين، والمثقفين أصحاب المواقف التي قد تصمد أمام قوى الاستغلال وقد لا تصمد، إنه عالم الضحايا ممن يسعون إلى تغيب الوعي، بخديعة النفس أحياناً، وبالحشيش الرخيص أحياناً أخرى.
تدعو منظومة القصة إلى الفعل الثوري وسيلة للارتقاء بواقع البؤس ، ونتيجة هذا الفعل تنطوي بالضرورة على رسالة تبشيرية تتعلق بالحاضر وتتجه نحو المستقبل. إنه المشهد الختامي ما يقدم هذا الإنجاز. العمال يكادون يتجمدون من البرد، وعُدي الشخصية المعول عليها (ثورياً) يتحدى مراقب الحراسة الذي يشرف على سير العمل: أبو العز ظل صاحب الجريدة بين الشغيلة البائسين. لقد حمل كلب الحراسة قضيب حديد وراح يهدد به وعُدي إن أقدم على إشعال النار بوقود الصناديق المستعملة ليتدفأ بها وزملاؤه، لكن عُدي ومن ورائه الشغيلة يصمدون، ويظفرون بوجبة الدفء رغماً عن تهويشات كلب الحراسة، لينجلي المشهد عن إيقاع جديد يصدر عن ماكينة الطباعة، إنها تكتكة ساخرة، أو هكذا كان وقعها، ولعلها شامتة بما انجلت عنه هذه الجولة في الصراع الأزلي الكبير.
الفضاء بدوره يفعل سحره المشهدي: قاع المدينة، أو أحد الأزقة المتفرعة عن ساحة المرجة باتجاه قبو غائر في أسفل إحدى البنايات التي شيدت مع بدء مرحلة جديدة من النضال المتجدد.
@@@
إنه عالم حنا إذن تستجمعه مجموعة الأبنوسة البيضاء وتحوز أسراره فتحولها إلى الجماليات المعهودة في أدب هذا الفنان الكبير. وهي جماليات ارتكزت على آفاق إنسانية متكاملة، واتكأت على أدوات حصيفة متمرسة، وجالت بفضاءات رحبة رحابة البحر الذي خاض فيه حنا مينه وغاص في أعماقه ليعود محملاً بنفائس عز نظيرها في مسيرة السرد العربي المعاصر. ولئن كان للبحر حضوره المحدود في هذه المجموعة، فإن لفضائه اللامتناهي صدى وأي صدى تجسد في هذا الأفق اللامحدود الذي تروده كل قصة.
على أن في القصة عدداً من الأقانيم الموضوعية والظواهر الفنية المشتركة، تمكن الإشارة إلى بعضها بما يلي:.
1. يحضر في هذه المجموعة أكثر من نموذج بشري تكرر -والتكرار هنا يتلابس والتنوع- في العديد من رواياته؛ أبو علي الشاغوري، في جمرة السنديان مثلاً، ليس بعيداً في معطياته الإنسانية عن الطروسي في الشراع والعاصفة والأب والأم والأخت الغائبة في رسالة من أمي هم أنفسهم من عاينا في الثلاثية المجيدة، والشخصية الأساسية في علبة التبغ ترتبط بوشائج أكثر من لافتة ببطل المصابيح الزرق . وهل تبتعد شخصية اليازرلي في على الأكياس عما ألفناه من نماذج الميناء التي اشتبك معها مفيد الوحش في نهاية رجل شجاع ؟ وكذلك الأمر بالنسبة للشخصيات النضالية من الطبقة الكادحة، ألا تستحضر وشائج قوية مع العديد من أبطال روايات كاتبنا العظيم؟.
لا يقتصر الأمر على النماذج الإنسانية، فهناك نماذج المواقف، ولعل المثال الأقرب هنا نموذج ديمتريو الذي يقف على نفس الأرضية -فنياً وليس موضوعياً- التي يقف عليها سارد النجوم تحاكم القمر ؟ إنه عالم حنا نفسه الحميم المألوف ولكن بتنويعات خلاقة.
إن قصص حنا مينه، كما تجلت في هذه المجموعة، وبالصوت المنفرد الذي يبوح به هذا النوع السردي بمكنوناته الجوهرية، أقرب إلى فن الكونشيرتو في علاقاته الداخلية بين آلة وأخرى أو بين آلة ومجموع الأوركسترا.
2. إن حنا مينا من المبدعين العرب القلائل الذين نجحوا في صونهم للمسافة المضبوطة بين الموقف الفكري والاستحقاقات البنائية والجمالية. إذ يشهد العطاء الفكري لهذه المجموعة على انتماء مبدعها إلى الواقعية الاشتراكية في هذه المرحلة على الأقل ولكن دون الغرق في مستنقع الأيديولوجيا، وتجلى هذا بداية في المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه العملية الإبداعية: مبدأ العزل والاختبار. فمن الجلي هنا أن معظم النماذج البشرية التي انتقتها رؤية حنا مينه تنتمي -اجتماعياً- إلى الشريحة التي جاء منها المؤلف وخبر واقعها وعاش معاناته وصد -من ثم- مطامحها، بل شارك في كفاحها من موقع أعلى في درجات النهوض الإنساني، هذا ما تشهد عليه سبع على الأقل من قصص المجموعة: على الأكياس ، و بطاقة توصية ، و رسالة من أمي ، و علبة التبغ ، و كاتب ، و النار ، و جمرة السنديان . أما القصص الثلاث الأخرى: الأبنوسة البيضاء ، و مأساة ديمتريو ، و هذا ما بقي منه ، فإن الناس فيها -حتى لا نقول الشخصيات - من المثقفين الذين لا يحملون هموماً طبقية فحسب، بل ينشغلون بالهم الإنساني الذي -وإن استوعب هموم الطبقات كافة- يستنشق أنفاسه من منبع الألم الإنساني، وتضرب جذوره في الأرض التي يقف فوقها -في الأساس- المعذبون والمحرومون والمنافحون عن الحياة في وجه الحرمان والمرض والاستغلال وأعباء الوجود.
3. لم تسلم المجموعة من غواية الجنس الذي استولى على وجدان حنا مينه وقريحته، أعني الرواية. فكان هذا الاشتباك الجميل من ثم بين إطاري الرواية والقصة، وهو اشتباك ظل يميل باستمرار إلى جانب الجنس الأثير لدى مبدعنا: الرواية، بدليل هذا الاستحياء (بمعنى المحدود) الذي أطل به ركن من الأركان التي ينهض عليها بناء القصة القصيرة وأفقها الإنساني، أعني عنصر الاستيحاش (أو هيمنة الصوت المنفرد، حسب تعبير أوكونور)؛ فالأفق في قصص المجموعة أقرب إلى الانفتاح على الواقع الخارجي مما هو مألوف في القصة القصيرة حيث ترتد الحركة إيقاعياً ودلالياً نحو الداخل،وكما الأمركذلك في القصيدة.
لكن هذا لا يعني بأي حال أن الزمام يفلت من الأداة المشحوذة لدى أديبنا، بل إن الحركة الإبداعية انتهت بنا، في العديد من القصص، إلى إنجاز تشكيلي يرتكز على الشروط (ومعذرة على التعبير) المتعارف عليها للقصة من مثل التكثيف السردي ووحدة الانطباع وتكامل الموقف، ويأخذ من الرواية أفقها -ولا أقول إطارها- الإنساني وارتدادها نحو الهم الاجتماعي بأكثر مما تنشغل به من الهم الذاتي.
4. الأداء التعبيري ينسجم وتقاليد حنا مينه اللغوية، التزام بالفصحى بالحوار ولكن مع أخذ خصوصية الشخصية في الحسبان؛ فلا بأس من أن يقول البيروتي فالصو عوضاً عن عبث ، ولكن لا بد أن يقول الرجل المسن يا ابني عوضاً عن يا بني ليتلابس الأداء المحكي الفصيح مع طبيعة الشخصية، ولا بأس في أن تقول الشخصية المنتمية إلى عامة الشعب: الله لا يقطع بها بمعنى لن يتخلى الله عنها أي عن الأسرة الفقيرة. كل هذا في قصة بطاقة توصية .
لكنْ ثمة حرص على التعبير الأكثر فصاحة قد يعود إلى مرجعية المؤلف نفسه بأكثر مما يمكن أن يرد إلى الاحتياجات الدرامية للموقف، من ذلك مثلاً في مأساة ديمتريو : توقفت على العتبة لأخلع الواقي المبلل ، وربما جاءت بعض التعبيرات التي لم تعد متداولة اليوم، في مستوى المحكي على الأقل، من مثل ما ورد في علبة التبغ من قبيل كراءها أو النسمات الرهوة . وقد يكون هذا النزوع إلى الفصحى جزءاً من طبيعة الدور الذي يمارسه راوي حنا مينه، وهو دور تتسرب إليه -على ما يبدو- بعض عناصر الرسالة التنويرية أو النهضوية التي ينطوي عليها أدب هذا الرائد الكبير.