العمارة العربية وتجاوز ثقافة اللازمن

العمارة العربية وتجاوز ثقافة اللازمن

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 9-1-2009
No Image
العمارة العربية وتجاوز ثقافة اللازمن

رائد أرناؤوط - كانت العمارة العربية انعكاساً واضحاً لكل التغيرات التي أحدثها الغرب، فإذا نظرنا مثلاً إلى بدايات الاستعمار، نجد أن فكرة المعارض الدولية كانت تمثل صورة واضحة لعلاقة المستعمر الغربي مع الشعوب التي تم إخضاعها. لقد كانت عمارة الأجنحة العربية في معارض لندن وباريس وشيكاغو وغيرها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وما رافقها من إعلام غربي، تمثل غياب القدرة العربية عن رؤية ذاتها بشكل يخرج عما يرسمه الآخر.
عندما بدأت حركات التحرر الوطني والتطور المعرفي العربية تأخذ دورها في مطلع القرن العشرين، نجد أن هذه الصورة عن الذات العربية التابعة بقيت ضمن هذا الإطار حتى عند بعض المفكرين والأدباء الرواد، ولم تستطع أن تقدم طرحاً فكرياً بديلاً عن الغرب، فعلى سبيل المثال ما قاله توفيق الحكيم في رسالته التي وجهها إلى طه حسين في العام 1933 ويتحدث فيها عن الجمال العربي والجمال الفرعوني يقول: أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني .. عندما نقارنها مع الطرح المعماري الغربي السابق لذلك بما يسمى (Egyptian Revival)، نجد أن هناك تأثيراً واضحاً للفكر الغربي على الطرح الفكري العربي. حتى عندما أراد العرب صياغة رمز للتحرر خاص بهم في تصميم ضريح سعد زغلول، كان النموذج الذي تم اختياره ذا مرجعية فرعونية، حيث كان تصميم الضريح يشبه المعابد الفرعونية بأعمدتها الضخمة وأسقفها المتعددة المستويات.
إضافة إلى ما سبق، فإن طرزا معمارية مثل (neo-gothic, neo-classic)، التي انتشرت في المنطقة العربية كطرز بديلة عن التراث وكرمز للتحضر نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مثل ما نجده في مسجد الحسين بالقاهرة مثلا، لم تكن بإرادة غربية فقط، وإنما باستقبال عربي، ذلك أن أديبا ومفكراً مثل طه حسين عندما يدعو إلى تبني الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر في استلهام العقلانية اليونانية لا يمكن فهم طروحاته بمعزل عن هذه التأثيرات.
وبعد مرحلة التحرر من الاستعمار في منتصف القرن العشرين، كانت توجهات العالم العربي نحو الحرية والاستقلال تتزامن في غالبها مع تبني النموذج الغربي في العمارة والتحضر. كما أن بناء المؤسسات لم يكن نموذج الثقافة العربية الإسلامية يتجاوز فيه ملامح الخطاب الديني أو السياسي في بعض الأحيان، ولكن ليس كنموذج تطبيقي وعملي في الحياة، حيث كانت الطروحات الفكرية في غالبها امتداحية تبجيلية للماضي، أو أنها في المقابل متبنية للنموذج الغربي دون إدراك لفارق التجربة والمكان والزمان.
قدم بعض المفكرين الجدد من أمثال إدوارد سعيد ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري، قراءاتهم لحاجات العصر وعلاقة الأمة العربية بالآخر كمنطلق فكري تصحيحي، أقرب إلى التعامل مع جذور الإشكاليات الراهنة، في مقابل الخطاب الديني المثالي عند سيد قطب وحسن البنا من جهة التغيير الجوهري والمعتدل الوسطي كما يصفهم ريموند بيكر في كتابه إسلام بلا خوف ، وعند الغزالي وغيره من جهة أخرى.. رغم ذلك كله، إلا أنه لا يمكن أن نعزل تأثير المدرسة الغربية في بناء النمط الفكري الفلسفي عند كثير من هؤلاء المفكرين الجدد، وابتعادهم بشكل كبير عن طبيعة الثقافة التي يعيشها الشارع العربي في حياته اليومية والتي هي أقرب إلى العاطفة التي تستجيب إلى الخطاب الديني الكلاسيكي. وبالتالي فإن ما يُطرح من أفكار عند هؤلاء المفكرين الجدد وحتى الوسطيين الدينيين يبقى غالباً أسير كتبهم وندواتهم العلمية ومن يطّلع عليها، وهم قلل، ولا يحدث تغيراً يُذكر في النمط الفكري السائد للثقافة العربية المعاصرة التي تشعر بالاضطهاد ويغذّيها فكر الصراع مع الآخر الذي لا يجد ملاذا لاحتوائه إلا في الخطاب الديني الكلاسيكي، وهذا ما أشار اليه أركون في كتابه قضايا في نقد العقل الديني .
في موازاة هذه التوجهات الفكرية العربية وما يرافقها من حركات أدبية وفنية، تكاد الطروحات الفكرية ذات البعد الثقافي عند المعماريين العرب تنعدم، وكأنها في معزل عن الثقافة، وعليه فإننا إذا ما عددنا المعماري العربي - شأنه شأن أي معماري- فنان ومهندس في آن واحد، نجد أن هذا الفنان إذا ما قرنّاه مع غيره من الفنانين العرب في مجال الفنون الجميلة وغيرهم من الأدباء والشعراء، في بُعدٍ كبير عن التعامل مع قضايا الثقافة، وعمله في الغالب فردي تشكيلي يعبّر رؤية جمالية ذاتية، وهذا يعود إلى أسباب عدة أهمها طبيعة التدريس الجامعي للعمارة الذي يعمق مفاهيم الأنا والفردية.
من الناحية الهندسية التقنية، فإن مستوى التعليم الذي أصبح في تدهور مستمر من حيث الجودة مقابل التوسع في عدد الجامعات والخريجين، قد أوشك على القضاء على هذا الجانب التقني، مما انعكس سلبا على العمارة والإنسان، فعلى سبيل المثال لا الحصر: لماذا ازدادت نسبة الأمراض الجسدية الخطيرة والنفسية والمعقدة في المجتمعات العربية عنها في السابق، رغم تطور الصحة العامة والوعي؟ إن ذلك يعود إلى أسباب عدة منها تغير نوعية الغذاء، وزيادة نسبة التلوث، وطبيعة العمل، وتعقيدات الحياة، لكن لا يمكن أن نغفل نمط الحياة المعاصرة في عمائرنا ومدننا وعلاقة ذلك كله بالبيئة، من حيث الشمس والتهوية الطبيعية والمواد المستعملة في البناء، فلهذا أثره البالغ في كل ما سبق.
والمؤسف أن كل هذه الاعتبارات تكاد لا تدخل في الحسبان، في تدريس علم العمارة في معظم الجامعات العربية، كما أنها تغيب عن الممارسة المهنية.
إن عدم وجود رؤية ثقافية عربية ومشروع ثقافي عربي معاصر يدعمه توجه شعبي، هو ما نحتاج إلى إنتاجه وبلورته اليوم. فلا جدوى من أن نبني دون فكر أو ثقافة مرتبطة بالمجتمع، ودون أسس علمية تحترم البيئة والإنسان.
لا نريد مدناً بلا هوية كما حدث في بعض بلدان الخليج العربي التي سعت إلى التميز بخلق مدن بلا سكان، واستعارت أشكالا وأنماطا عمرانية لا ترتبط بثقافة المكان، ومن ثم استهلكت الموارد الطبيعة بلا رحمة لإعاشة هذه المدن التي أصبحت كلفتها التشغيلية هائلة، لأنها لا تستجيب للبيئة، بل تتعارض معها، مما أدى إلى مزيد من التلوث، وتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري، وظهور التفكك الاجتماعي والانعزال الثقافي، إلى غير ذلك من آثار سلبية أفرزتها مظاهر العولمة.
في ضوء ما سبق، لا بد من وضع استراتيجية جديدة للعمران في العالم العربي، تقوم على التواصل مع حاجات المجتمع وثقافته ومتطلبات البيئة المحيطة، وهنا يأتي دور التعليم في تعزيز مفاهيم الثقافة والبيئة حيث ينبغي على المفكرين والعلماء المجددين أن يأخذوا دورهم خارج كتبهم، ليشكّلوا فكراً ورأياً عاماً من خلال المؤسسات التعليمية ومن خلال الحوار مع المجتمع بكل فئاته على اختلافها، بحيث تُستثمر هذه الجهود العظيمة التي يبذلونها كلّ في مجاله، بهدف إعادة بناء الفكر على أسس علمية تحترم البيئة، وتتعامل مع الواقع برؤية نقدية واعية، كما تتعامل مع الآخر بإيجابية وحوار هادف، وتمتلك في ذلك كله فقه المرحلة وشروطها، وتميز بين ما هو واجب وما هو ممكن، وتحدد الأولويات ومنهجيات التطبيق.
فلا يبقى مجال بعد اليوم لجلد الذات بكاء على الأطلال، أو اللهاث وراء تجارب الآخرين البراقة دون إدراك كامل لخصوصيتها. هذا التوجه سيسهم في تطوير الخطاب الثقافي العربي، وسيفرز جيلا نخبويا في مختلف الفئات والتخصصات يضم معماريين ومخططين قادرين على تجاوز مشاكل المدينة العربية المعاصرة المختلفة، ومنها أزمة الهوية في البيئة العمرانية، كما يسهمون في تشكيل معالم مستقبل هذه المدينة بإرادة واعية وفاعلة.
هذا بالنسبة للمستقبل، أما اليوم، فإن إيجاد مؤسسة للنقد والفكر المعماري العربي من المطالب الملحّة جدا، بحيث يجب أن تضم هذه المؤسسة ليس معماريين فقط، بل مهندسين وأطباء وعلماء وفقهاء ومخططين وسياسيين ومعلمين وأدباء ومفكرين وفنانين، لأن اشتراك كل هؤلاء في متابعة وتقويم ما يتم إنتاجه في البيئة على مستوى البناء الواحد وعلى مستوى تخطيط المدن هو السبيل الأول لتكوين ثقافة عربية ترتبط فيها العوامل المختلفة التي تشكل بيئتنا وتحدد معالم ثقافتنا المعاشة.
بهذا يمكن لنا أن نتجاوز مشكلة الفردية في كل من نظر إلى الماضي وأراد إحياءه في غير زمنه، ومن نظر إلى الآخر وأراد تقليده دون إدراك لخصوصيته الثقافية مكانا وزمانا، ذلك أن كلاًّ منهما يبني ثقافة أمته كما يراها هو، لا كما يجب أن تكون ضمن رؤية جماعية واعية. كما نتجاوز حدود ثقافة اللازمن التي نعيش.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }