قضايا سينمائية.. الرواية والسينما علاقة صعبة ومعقدة

قضايا سينمائية.. الرواية والسينما علاقة صعبة ومعقدة

لا يمكن أن تستمر السينما دون وجود الرواية، وليس التذرع بتطور فن الكتابة المباشرة للشاشة وتطوير تقنيات السيناريو والأفكار التي تقدمها السينما والتحرر الذي أخذت تحققه على مستوى الشكل ليمثل قوة تزيح الرواية عن مكانتها في عالم الفن السابع، فكما تطورت السينما تتطور الرواية، والحالة الجديدة هي دخول تقنيات السينما بشكل جوهري في كتابة الرواية الحديثة، وذلك يوطد العلاقة بين الفنين المختلفين في طبيعتهما وأدواتهما وطبيعة عملية التلقي والوسائط المستخدمة في تحقيق التواصل مع الجمهور.
ويدرك القراء النهمون للرواية الذين يشاهدون العمل السينمائي لاحقا لقراءة الرواية مدى الديكتاتورية التي تمارسها السينما على عملية التلقي، فالشخص عندما يقرأ رواية ما يقوم في عملية ذهنية خالصة تتداخل فيه خبرته الشخصية في الحياة وبيئته وطبيعة مجتمعه في تشكيل مجموعة من الصور التي تقابل الرواية، وكأنها فيلم سينمائي يدور في مخيلته الشخصية وفق حريته وثقافته الشخصيتين، فمثلا يقوم القارئ برسم أو تجسيد الشخصيات الروائية في ذهنه وغالبا من صور قابلها أو شاهدها في حياته.
على سبيل المثال قد تختلف شخصية روائية تحمل أوصاف ضخامة الجسد بين قارئين من اليابان والأردن وفق متوسطي الطول والوزن في المجتمعين، وكذلك يمكن أن يقرن أي قارئ أشخاص شخصية حادة أو شريرة أو متسلطة بشخصيات قابلها هو حصرا في حياته كمعلم في المدرسة أو زميل في العمل أو سائق سيارة أجرة وغير ذلك، المهم أن الرواية هي ملكية كاملة للقارئ الذي تختلف قراءته وتتفرد عن أي قراءة أخرى.
الموضوع يختلف في السينما فالمتفرج يدخل ليجد الشخصيات والمكان والمؤثرات التي تمثل رؤية مخرج الفيلم وفريقه، ويواجه صورا جاهزة ليست وظيفتها في الغالب أن تحرك مخيلته أو تستفزها ولكن أن تجتذبها وتحصل على إعجابه، ولدى مشاهدة المتفرج لرواية سبق أن تعامل معها كقارئ تزيد حساسيته تجاه الصورة التي فرضها عليه الفيلم السينمائي، وتصبح أحكامه تميل إلى الحدية والقطعية معتمدا على الانطباع الأول للمشاهدة ومدى مطابقته لمجموعة الصور التي سبق أن شكلها في ذهنه، وفي ضوء استحالة حدوث المطابقة الكاملة وحتى القريبة من ذلك فإنه يحكم بأنه تخيل أفضل أو أقل مما يشاهد.
توجد أيضا أحكام نقدية متخصصة يمكن أن تحكم على مدى تعبير الفيلم السينمائي عن الرواية المكتوبة، فيجمع النقاد والمشاهدون أن الفيلم كان دون الرواية أو تفوق عليها - وهذه حالات نادرة للغاية- ولكن ذلك لا ينفي شخصنة المتفرج لهذه القضية، والتعامل معها كأنها مسألة تمسه أحيانا شخصيا وقدرته على الإبداع المكبوت في فضائه الفكري.
المشكلة الثانية تتمثل في الجانب الذي لا تستطيع السينما أن تقدمه، فالسينما تنقل الحدث الروائي وتتغاضى عن مئات القطع السردية التي تتناول جوانب معرفية ونفسية ورؤى الكاتب وأفكاره، وفي هذه الحالة تكون روح الفيلم ككل هي المسئولة عن التعامل مع هذا الجانب السردي والتقاطه من خلال الصورة وهذه أصعب ما يمكن أن يواجهه المخرج عند تعامله مع الرواية، بالإضافة إلى مدى قناعته بضرورته وسؤاله لنفسه أولا عن دوره في التعبير عن تجربة الروائي أو الاستقلال عنها ومحاولة إعادة صياغتها وتقديمها من جديد، وربما السعي للاستيلاء على الأفكار الجوهرية والتغيير في الأحداث وفق رؤيته أو ما يتخيله كمسئولية اجتماعية، وبذلك يتطلع المخرج إلى الدخول في صراع مبطن مع المبدع الأصلي لقصة الفيلم.
حالات قليلة يمكن أن يتوازى الروائي والمخرج ويعملان سوية وكفريق في تقديم الرواية إلى السينما، ولكن هذه الحالات التي تصل أحيانا باستيعاب المخرج للرواية بصورة متقنة أو رضوخ المؤلف لمتطلبات السينما لا تمثل أي شيء بالنسبة للمتفرج الذي حصل على الرواية كمنتج فكري وإبداعي مستقل، وبنى في ذهنه نسخته الخاصة التي له وحده أن يدعي ملكيتها.
السينما الأمريكية قدمت عددا هائلا من الروايات، وفي حالات قليلة تقدمت الرؤية السينمائية على النص المكتوب وحققت قدرا أكبر من المتعة للمتفرج الذي وجد في السينما القدرة على مخاطبته وأصبحت الصورة تمثلا نصا في حد ذاتها، ومن الحالات التي قدمت فيها السينما عملا روائيا بطريقة متميزة جعلت الرواية تقف وراء الفيلم، ومن هذه المرات ما قدمه المخرج مارتن سيكورسيزي في الأب الروحي وخاصة في جزئيه الأول والثاني، ولكن الأمر يختلف تماما بمقارنه فيلم مثل المريض الإنجليزي مع الرواية المكتوبة.
أحيانا يتوجب الفصل تماما بين الرواية والفيلم المأخوذ عنها، لأن كل من الفيلم والرواية يمثل تجربة متميزة ومستقلة تشبع جوانب مختلفة لدى المتلقي، ويحدث ذلك مع التناول المتقن لروايات كبيرة ومتشعبة بابتسار جزء من أحداث الرواية وأجوائها، أو إعادة تشذيب الأطراف الملحمية والمداخلات المعرفية ويمكن أن يكون فيلم دكتور زيفاغو الذي قدمه المخرج الكبير ديفيد لين عن رواية الروسي بوريس باسترناك وقام ببطولته عمر الشريف في أحد أفضل أدواره وأيضا فيلم زوربا اليوناني الذي قدمه المخرج مايكل كوكيانس عن رواية نيكوس كازينتاكس، وأفلام قليلة أخرى.
توجد بعض الروايات التي تفرض نفسها على السينما، فأمام رواية مثل اسم الوردة للكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو أو أمام رواية مثل عمارة يعقوبيان تتحرك ماكينة الإنتاج السينمائي لاستثمار الذي حققته الرواية المقروءة في السينما، ولأن التركيز يكون منصبا على ناحية تجارية تفلت الرواية من صناع السينما، فهم وسط حالة تأثر جماهيري عالية وتضعهم توقعات الجمهور أمام أفكار مسبقة كثيرة تقيد حريتهم في التعاطي مع الرواية.
أحد الأمثلة التي تبين هذه الفكرة هي فيلم العطر الذي استند على رواية حملت نفس الاسم للروائي الألماني باتريك زوسكيند والتي حققت الكثير من النجاح منذ صدورها سنة 1985 في جميع أنحاء العالم، وأمام أرقام التوزيع الكبيرة والإقبال الشديد على قراءة الرواية حتى ممن لا تقع القراءة ضمن هواياتهم أو اهتماماتهم، وجدت الرواية طريقها إلى الشاشة الكبيرة في سنة 2006 في الفيلم الذي قام ببطولته الشاب الإنجليزي بين ويتشاو والممثل المقتدر داستن هوفمان، وكانت التوقعات تجعل المشاهدين في حالة ترقب لوجبة سينمائية دسمة لم تحدث للأسف في الفيلم الذي حاول أن يحيط بالرواية وأن ينقلها بحرفية غير مبررة ومزعجة أيضا، لم تمثل ضيقا بالنسبة لمن قرأ الرواية ولكنها مثلت اعتداء على ذائقته الشخصية، وكان يفضل بالنسبة للمؤلف أن يضع على روايته ملاحظة هذه الرواية غير صالحة للاستخدام السينمائي.
القضية الأولى التي تواجه المخرج هي شخصية القاتل جان باتيست غرنوي الذي ولد بحاسة شم خارقة وأصبحت الروائح تشكل كل العالم الذي أتاه كضيف ثقيل بعد أن حاولت أمه بائعة السمك في أقذر أسواق باريس أن تتخلص منه عند والدته ليذهب بعد ذلك إلى سيدة قاسية ترعى الأيتام مقابل أجر مادي هو كل ما يعنيها في هذه العملية، وشخصية غرنوي تتسم بقدر من البلاهة والسذاجة والتأخر العقلي وعدم القدرة على الربط بين المقدمات والنتائج أن لم تتوسط الرائحة في عملية الفهم لديه، وفوق ذلك هو منبوذ لغرابة شكله وأطواره، وإن يكن الاختيار مناسبا للممثل الإنجليزي الشاب القادم من عالم المسرح، إلا أن ذلك وضعه في مواجهة أمام داستن هوفمان الذي أدى باستهتار لا يليق حتى بالأدوار الصغيرة التي قدمها في أفلام عدة مثل النيام، ولم يستطع المخرج أمام تركيزه على الحدث الروائي الممتلئ بالتشويق، وكان على المخرج أن يبقى أسيرا للرواية وأن يخضع لحرفية الوصف المكاني لموضوعها، ويستسلم بذلك إلى الكثير من البذاءة والقبح.
لم يستطع الفيلم أن يستوعب موضوع الرواية المتفرد ودخولها إلى منقطة منسية في عالم الحواس، ففي الوقت الذي تصاعدت فيه الجوانب الحسية في العالم الروائي كان البصر والسمع والتذوق واللمس تحضر دائما، أما أن يكون الشم والرائحة هو الموضوع الأساسي للرواية، فذلك يمثل تحديا فليست المسألة هي استخدام الصورة لخدمة موضوع يتعلق بما لا تستطيع السينما أن تعبر عنه، فالرائحة تحضر بالانفعالات التي يؤديها الممثلون والتي كانت غائبة في وسط كل التقزز الذي قدمه الفيلم بصريا.
لم ينجح الفيلم مع أنه كان مشروعا لفيلم مختلف يقدم عالما جديدا في السينما، وكانت أجواء الرواية الباريسية في العصور الوسطى يمكن أن تخدم الصورة حتى النهاية، وفرط صناع الفيلم في كل ذلك بتمسكهم بالرواية وتفاصيلها برغم نجاحهم في جمع العديد من المتطلبات الأساسية لنجاح الفيلم من حيث الممثلين والديكور والملابس والتصوير، الذي حدث هو غياب شخصية المخرج والاستسلام التام للنص الذي نجح في صورته الخام التي تركت الحرية للقارئ، وفشل أمام المتفرج الذي لم يجد فيه شيئا يلاقي مخيلته أو يحترمها.
بنفس الطريقة لم تنجح رواية شفرة دافنشي عندما تحولت إلى فيلم، فالرواية التي لقيت نجاحا مدويا وتصدرت أخبارها وسائل الإعلام ما بين محتج على مضمونها ومتحمس لرحلتها في مجاهل غامضة من المعرفة، تحولت إلى فيلم لم يحقق أي نجاح وخالف كل التوقعات ليتحول إلى مجرد حلقة وحيدة من مسلسل تلفزيوني عائلي كأية سلسلة تلفزيونية تلاقي الرواج في محلات الدي في دي.
الرواية كانت تحفل بسرعة الإيقاع وينتهي كل فصل منها بظروف غامضة تؤدي إلى مزيد من المفاجآت المشوقة والمثيرة التي دفعت القراء إلى مغالبة النوم للتقدم مع الأحداث والكشف عن الأسرار المختبئة والتي تتناسل في رشاقة عبر فصولها، وفي المقابل أتي الفيلم في صورة رتيبة خاصة وأن معظم من شاهدوا الفيلم قرءوا الرواية أو اطلعوا على حبكتها بصورة أو بأخرى، مما كان يلقي بكثير من التحدي أمام المخرج الذي كان يتوجب عليه أن يقدم شيئا مختلفا عن الرواية، أو أن يضيف جديدا ولكنه ومنذ البداية كشف عن الاختيارات الخاطئة.
توم هانكس في البداية في شخصية روبرت العالم الأمريكي الذي يتمتع بثقافة واسعة في التاريخ تمكنه من فك الألغاز المتتابعة أتى اختيارا باهتا برغم أستاذية هانكس في التمثيل، ولكنه لم يعرف أبدا في أدوار يمكن تقنع المتفرج بدوره في شفرة دافنشي، وكان يمكن أن يتم اختيار ممثل آخر حتى وإن لم يتمتع بشعبية هانكس مثل روبرت دي نيرو أو ممثل كبير في السن مثل أنتوني هوبكنز أو شون كونري أو نجم آخر مثل راسل كرو، الاختيار في البداية لم يكن موفقا للشخصية الأساسية وتزايد الخطأ مع اختيار الفرنسية أودري توتو في دور صوفيا، وربما كانت الفرنسية إيمانويل بارت أكثر إقناعا في الدور هذا إن كان ضروريا الاستعانة بممثلة فرنسية وليس مجرد الانصياع للرواية ونقلها كما وردت في النص تماما.
في رواية شفرة دافنشي لم يكن خيال القارئ يعمل بصورة مستقلة، فالقارئ لم ينعم بالاسترخاء مع هذه الرواية ليرسم ملامح تصوره الخاص فبقي يطارد التفاصيل والمفاجآت، وبقيت مسألة الصورة تتراجع أمام إيقاع دان براون المعرفي المتشكك والذي امتلك ناصية الدهشة لدى القارئ.
العمل على تقديم الرواية للسينما يجب أن يكون نتيجة مبادرة إبداعية مبنية على فهم مكتمل عن العمل الروائي وليس مجرد الاستثمار في ذيوعه وشهرته، فما تقدمه الرواية يختلف عما تقدمه السينما، وقلة من يستطيعون أن يتفهموا الاختلاف بين الفنين، أما الكتابة للرواية بحساسية السينما فموضوع آخر ليس بريئا على الدوام.