نظراً لأنَّ الحج فريضة دينية وركن من أركان الإسلام، فإنَّ أغلب قوانين البلاد الإسلامية تسمح للموظَّفين بإجازة مدفوعة الأجر لمدة لا تتجاوز الشهر عادة لأداء مناسكه، وفي ذلك تطبيق سليم لمبدأ حرية ممَّارسة الشعائر الدينية خاصة في الدول التي تجعل الإسلام ديناً رسمياً لها كالأردن وأغلب الدول الإسلامية. ولا تسمح القوانين بهذه الإجازة عادة إلاَّ مرة واحدة طيلة الحياة الوظيفيّة، لأنَّ الحج المفروض إنَّما يكون مرة واحدة فقط، وما يجاوز ذلك ليس إلاَّ نافلة.
وتجعل بعض القوانين في الدول الأخرى والأنظمة الوظيفيّة الأردنيّة من إجازة الحج رخصة يجوز للإدارة منحها أو منعها، بينما تَعُدّها قوانين أخرى كقانون العاملين المدنيين المصري حقاً للموظَّف، بحيثُ يجب التصريح له بها عند طلبها، إلاَّ إذا اقتضت الضرورة غير ذلك. ونعتقد أن الإتجاه الأخير هو الأصوب والأقرب إلى أحكام الشريعة الإسلامية، حيثُ إنَّه ليس من المقبول أن يمنع الموظَّف من أداء فريضة الحج، ولا يضمن أحد أن يطول به العمر إلى أن يسمح له بها. ومن خلال الرجوع إلى الأنظمة الوظيفية في الجامعات الأردنية والمطبقة على العاملين فيها، نجد أن لرئيس الجامعة منح إجازة للعاملين في الجامعة لأداء فريضة الحج وبشرط ألاَّ تمنح هذه الإجازة إلاَّ مرة واحدة طيلة خدمته في الجامعة. ويلاحظ أنَّ أحكام إجازة الحج للعاملين في الجامعات الأردنيّة مختلفة من حيثُ المدة فبعضها تنص على مدة إجازة الحج بحيث لا تزيد عن خمسة عشر يوم وبعضها الأخر لا تزيد عن واحد وعشرين يوماً وهذا الأمر منتقد فيجب توحيد أنظمة العاملين في الجامعات بنص واحد، ويُلاحظ أنَّ مدة خمسة عشر يوماً غير كافية لأداء مناسك الحج، لأنَّ المسافة الطويلة البرية تأخذ وقتاً طويلاً، وأكثر التشريعات المقارنة تنصُّ على واحد وعشرين يوماً، ولذلك فإنني أقترح التعديل بحيث يصبح: للعاملين في الجامعات الحق في الحصول على إجازة براتب كامل لأداء فريضة الحج لمدة أقصاها واحد وعشرون يوماً، وتمنح هذه الإجازة مرة واحدة طيلة خدمة العامل في الجامعة، ويشترط أن يتقدَّم بطلبها خلال أوقات الحج. كما يلاحظ أنَّ صاحب الصلاحية ـ في هذه الأنظمة الوظيفية ـ في منحها أو رفضها هو رئيس الجامعة، فله السلطة التقديرية في ذلك، ولكن يوجد اختلاف من حيثُ إنَّ هذا الرئيس يمنحها لعضو هيئة التدريس بعد أخذ رأي عميد الكلية ورئيس القسم معاً، وله سلطة تقديرية بمنحها حتى ولو لم ينسب له عميد الكلية ورئيس القسم بذلك، وإنَّما عليه فقط أن يأخذ رأي عميد الكلية ورئيس القسم اللذين قد لا يوافقان على منحها. أمَّا بالنسبة إلى عضو الهيئة الإداريّة (الموظَّف) فلا يستطيع الرئيس منحها إلاَّ بتنسيب من عميد الكلية أو المدير المختص، وهذا موضع انتقاد، ويجب تعديل هذه الأنظمة بحيث تكون إلزامية على الإدارة دون أي تنسيب من أي جهة كانت.
كما أنَّ هذه الأنظمة لم تبين ما إذا كانت الإجازة براتب أو دون راتب، ومع ذلك فالاتجاه السائد أنها براتب، لأنَّ ذلك هو المطبق عملياً، وإن كان من الأفضل أن تنص هذه الأنظمة على أنَّ هذا النوع من أنواع الإجازات براتب كامل. كما يلاحظ أنَّ هذه الإجازة لا تمنح إلاَّ مرة واحدة خلال مدة خدمة العامل في الجامعة، والسبب في ذلك هو أنَّ فريضة الحج تجب على المسلم المستطيع مرة واحدة في العمر، ولكن إذا أراد الموظَّف أن يحج مرة ثانية، فإنَّه تطوع، ويمكن للسلطة المختصة منحه إجازة للحج للمرة الثانية وتكون الإجازة دون راتب. ولا بد من الإشارة هنا إلى إنَّ مختلف القوانين والأنظمة الوظيفيّة المعمول بها في كثير من الدول لم تنص على إجازة العمرة، وعلى الرغم إنَّ أداء مناسك العمرة لا يعتبر ركن من أركان الإسلام كالحج، إلا إنَّه إذا منح العامل في الجامعات ـ برأيي ـ مثل هذه الإجازة باجر كامل فسوف تدفع به إلى العمل الجاد بأكثر من المتوقع، ولذلك أرى ضرورة النص على هذه الإجازة في هذه الأنظمة ولمرة واحدة طيلة الخدمة وشريطه أن يكون هناك تباعد زمني بين الحصول على إجازة الحج وإجازة العمرة لا تقل عن أربع سنوات.
وفي النهاية ندعو الله أن يتقبل الإعمال الصالحة والمناسك والفرائض من المسلمين جميعاً، وفي الوقت نفسه نتمنى على مجلس التعليم العالي ورؤساء الجامعات الأردنيّة الرسمية والخاصة العمل على توحيد الأنظمة الوظيفية المعمول بها في الجامعات الأردنيّة .
محمد ''الشيخ ذيب'' - جامعة مؤتة