إلياس فركوح - لا أعرفُ، على وجه الدِقة، ما كنتُ سأقولُ في شهادةٍ على تجربتي في كتابة القصة القصيرة، لو أنَّ ذلك حدثَ قبل أربع سنوات مثلاً، أو ست سنوات تحديداً. غير أني على ثِقةٍ كاملة من غياب هذه الإفادات عن أوراقها:
(1)
يتعارضُ مفهومي للشهادة الأدبيّة، وعلى نحوٍ كبير، مع السائدِ المتعارَف على أنها ترصدُ البدايات، والعوامل المؤثرة في التأسيس، والقراءات ذات الخصوصيّة والحَفْر في الوجدان الأدبي الناشيء، ثم التدرج في النشر والانتشار، إلخ.
فتلك، بحسبي، ليست سوى القشور الخارجيّة لجميع التجارب. أما الاختلاف المعتاد فيما بينها؛ فلن يتعدى تاريخاً ما، وظَرفاً ما، وحفنةَ أسماءٍ أثيرة وشهيرة ربما يجمعُ بينها عَلَمٌ من هنا (يوسف إدريس حتماً) وآخر من هناك (غوغول وتشيكوف طبعاً)، ثم تتوالى البقيةُ مجرد تفاصيل وتنويعات تمّر مرورَ المألوفِ في المألوف، فيترجّعُ صداها هزّةً من الرأس الموافق! والموافق هنا يعني الاتفاق على مألوف ما جرت عليه العادة: إذ لا شيء يختلف! لا جديد!
لستُ معترضاً على شهاداتٍ كهذه إنْ هي كانت الأُولى لأصحابها. لكنني أتحفظُ عليها حين يتمُ استنساخها، رغم مضي السنوات، مع تغييرات هنا أو هناك، كلّما جاءت مناسبةٌ تقتضي من القاصّ أن يقصَّ سيرته الكتابيّة، أو مسيرته بالأحرى، على جَمْعٍ من أصحاب الاختصاص، والمَعنيين، والمتابعين.
ولأنَّ الأمرَ هكذا، فإنَّ مفهومي للشهادة يرى أنها رَصْدٌ للتحولات التي جرت، ولا تزال، على القصة القصيرة الخاصّة بكاتبها، لا بسواه. وإنْ كان ذلك كذلك؛ فمن الطبيعي والمنطقي أنَّ تلك التحولات إنما نتجت عن تغيّراتٍ أصابت الكاتبَ في كُلٍ من: وعيه على العالم وعلى ذاته، وعلى الكيفيّة التي باتت بِنية القصة لديه تختلفُ وتفارقُ سابقاتها، نتيجةً لازمةً لاختلافه هو عن سابقه الذي كانهُ قبل عقدٍ من السنين، أو أكثر.
فبقدر ما تكشفُ القصةُ عن العالمِ الذي تتحركُ الذاتُ الكاتبةُ فيه، فإنها تُصارِحُ العالمَ عنها، وعنه، وعن موقفها المتسائل منه أيضاً. فهل من الجائزِ أن تبقى القصةُ لدى كاتبٍ ما هي هي مثلما كانت، بينما لم يعُد هو هو ذاته كما كان؟! هل من المعقول أن تحدثَ تغيّراتٌ ما، أو تحولاتٌ ما في الصياغات القصصية لدى كاتبٍ ما دون أن يعيها، فيرصدها، ويحاولُ بالتالي أن يستوعبها بوضعها ضمن إطارٍ مفهوميٍّ يُعينهُ على إدراك ما يكتب، ولماذا؟
لم تَعُدْ العفويةُ المستندةُ إلى وهم الموهبة تكفي لأن تكونَ تفسيراً مقنعاً للقصةِ المتحوّلةِ عند قاصٍ معين، اللهم إلاّ إذا كُنا بصددِ معاينة نصوصٍ تولدُ هكذا، بلا بصيرةٍ واعية وناقدة. أو أُخرى تُبنى وفقَ مخطَطٍ مدروس ومُسْبَق! كأنما هو القالبُ نسكبُ فيه موقفنا المكتمل والجاهز، بإجاباتٍ استوفت شروطَ الحكمةِ المستريحةِ إلى نفسها والمستويّةِ على عرشها!
هل نحنُ حقاً هكذا؟ هل نحنُ، بما نحملُ من أسئلةٍ عنا وعن العالم، دون يقين العثورِ على إجاباتٍ تشفي غليلَ القَلَقِ فينا، بقادرين على كتابةِ نَصٍّ مُسْتَرْخٍ في فضائه الهندسي، ومطمئنٍ إلى لغته ذات الحواف الحادّة، القاطعة في وثوقها وتقريريتها؟
إنْ كُنا كذلك، فنحنُ، وبكل الصدق الصريح، لسنا بكُتّابٍ للفن، كما نزعم.
فالفنُ، كما نعرفُ، يعني المراجعة وعدم الرِضا. يعني الإدراك بأنَّ الاستقرارَ على شكلٍ واحد إنما يؤشرُ على جمودٍ في الرؤيةِ/ الرؤيا، أو هو غَباءُ التعصُّبِ المعاند، مثلما يفيدُ بالسهو عن متغيّرات الحياة وتحولاتها. فأيُّ قيمةٍ سأقدمها في شهادةٍ بُنيت على سردِ الخارج من قصتي، دون محاولة فهم ما أصابها في داخلها بسببٍ من معايشتي لعالمٍ تتغيّرُ العلاقاتُ بين مكوناته، كل يوم، فلا يتوقفُ عن الارتجاج؟ أيُّ معنىً سيكونُ لشهادةٍ تثرثرُ عن قصتي القديمة، ولا تُسائلُ جُوانيّةَ عناصرها المتغيرة وتستجوبُ حوافها المتمددة؟
(2)
مستنداً إلى منطق السؤال الذي لم ولن أبارحه، طرحتُ عليَّ المسكوتَ عنه عند غيري:
لماذا لم أكتب قصةً قصيرةً واحدةً منذ إصداري لمجموعة حقول الظِلال في العام 2002؟ وأتبعتُ هذا بالمكاشفة التالية: هل كانت كتابتي للرواية هي قطيعتي مع القصة القصيرة؟ ثم طلعَ مني صوتٌ متشككٌ ليواجهني باحتمالٍ ممكنٍ وجائز: أما زِلتَ قادراً على كتابة القصة القصيرة؟ أم أنتَ، مثلما يُشاعُ عن غيركَ، بِتَّ منجذباً للرواية لأنها موضة هذا الزمن والأكثر مقروئيّةً؟ أم بسببٍ من رهافة القصة القصيرة وهشاشتها حيال أيّ خَلَلٍ فيها، مهما صغر، فتنكسرُ بين يديكَ غير الحاذقتين؟
وهكذا وجدتني داخلَ شبكةٍ من الأسئلة تصديتُ لطرحها على نفسي أولاً. لم أنتظر أحداً أن يبادرني بها. هي أسئلتي عني وعن كتابتي، ولن أعثرَ على إجابةٍ واحدة خارجي وخارج تلك الكتابة. هذه قناعتي، وعليَّ أن أتسلّحَ بالمكاشفة والصِدق قبل الرجوع إلى آخر ما كتبتُ من قصص. وفعلتُ. أجريتُ قراءةً متفحصةً لقصص حقول الظِلال ، وقد بردت علاقتي بها، لتوفير قدرٍ من الموضوعيّة تُبعدني عن الهوى والانحياز لأخطائها. فماذا وجدت؟
لن أدّعي اكتمالاً، بأي معنىً، داخل ما عثرتُ عليه - فمسألةُ الاكتمال، في نظري، لا تزيدُ عن خرافةٍ باطلة. الاكتمالُ في الفن، كما أسلفتُ، هو الركونُ إلى المُنْجَز والرضا عنه، وبالتالي معارضةٌ غبيّة وسفيهة لجوهرهِ القائل برفض الاكتفاء. ثمّةَ حاجةٌ دائمةٌ للخروج والبحث عن جديد، لأنَّ ما تمَّ إنجازهُ فعلاً باتَ في حُكْم القديم الذي لم يَعُدْ يُرضي صاحبَ الإنجاز. إذَن: هو بحثٌ سببهُ الحاجةُ الشخصيّة، لا اللعب المجّاني أو العبث السكران. كما أنَّ الجديدَ والقديمَ، كمفردتين ومفهومين، إنما تتحليان بالنسبيّة، قياساً إلى تجربةٍ فرديّةٍ مخصوصة ومحددة. ليس ثمّة إطلاقٌ في حقل الكتابة والإبداع، مثلما ليس ثمّة تعميمٌ في النظرة المتفحصة للنصوص العائدة لكاتبٍ ما.
ولأنَّ المسألة بُنيَت داخل شبكة الأسئلة التي أدخْلتُ نفسي وقصصي فيها طوعاً؛ فلسوفَ أخرجُ منها باقتراحاتٍ (ليست إجابات) قد تُصيب وقد تطيش.
حين راجعتُ قصص حقول الظِلال عثرتُ، في ما تعثرتُ به، على السبب الكامن في حيرة الكثيرين أمامها، وسؤالهم المستريب في تجنيسها. أهي قصصٌ، أم كتابةٌ تَدّعيها وهي بعيدةٌ عنها؟ عندها؛ ذكّرتُ نفسي بتواريخ كتابتها، فكانت: أربع قصص في العام 1999، وقصة واحدة في العام 2000، وقصة واحدة طويلة في العام 2001.
غير أنَّ الجامعَ لها جميعاً تَمَثَّلَ في كونها كُتبت ضمن حالة وقوفٍ على حواف الأشياء، والتباس الأمكنة والأزمنة والأحداث الصغيرة، وشواش ما كانَ في الذِهن المتأمل والعين الرائية. ومع أن محطات الكتابة الفعليّة للقصص الست استغرقت ما يقرب من ثلاث سنوات، إلاّ أنَّ الحالة بَدَلاً من أن تنقطع (قصة واحدة عام 2000 مقابل أربع قصص في العام السابق)، كان أن اشتدَّ إوارها وتعاظمَ في السنة اللاحقة لتنكتبَ، هذه المرّة، نَصّاً ممتداً بحوافٍ وأطرافٍ كأنما بلا نهاية!
لدى تأمُلي بعموم هذه الحالة - الكاتبة/المكتوبة -، وبالامتداد غير المألوف لحواف النصّ القصصي وأطرافه، وبوعيي على أنَّ كل نَصٍّ إنما يبني نفسه بنفسه وفق منطقه الداخلي الخاص (بلغة المَجاز طبعاً)؛ أدركتُ أنَّ خروجاً ما على المتن المألوف للقصّةِ قد جرى. عَلّهُ الذهابُ إلى منطقةٍ للقصةِ لم تُسْكَن بعد (ثمّة شُبهة غرور وادّعاء تتبدّى هنا)، أو ربما تطبيقٌ كِتابيٌ لإفادةٍ مني قديمة أعلنتُ فيها عملي على توسيع المتن القصصي بمكنوز ما يُعْرَف بهوامشه، أو هو عدم الرضا والاكتفاء بما آلت إليه القصة القصيرة (ولا أقول أشكالها)!
أعدتُ سببَ انقطاعي عن كتابة القصة إلى أنَّ خَرقاً بائناً أحدثتُهُ فيها، ليس في القصة عموماُ؛ بل في القصة التي كتبتها: تلك التي لطالما وقَعَت أساساً في ظلال الريبةِ، أو الحيرةِ السلبيّة، إلاّ لِقِلّةٍ قليلة أمْسَكَت بسّر الزواج بين لغةٍ يراها بعضهم مبالِغةً في تنقيتها والاعتناء بها، ورؤية صاحبها البانية بها نَصّاً مغايراً عَرّضَ نفسَهُ لتهمة الغموض المتسرعة، فالإعراض عنه بالتالي، دون اللجوء إلى قراءة له جادة!
أجَل. لقد توقفتُ عن كتابة القصة القصيرة (حتّى الآن) لأنني، بناءً على ما سَلَف، قمتُ بكسرها. كسرتها لا بسبب ارتكابي لخللٍ فيها نتيجة قِلّة الدراية، بل لأنني أحدثتُ تخلخلاً في بِنيتها لتغيُّرٍ في رؤيتي للعالم الذي تخلخلَ فباتَ محل التباس، فتغيّرَت هي. لم أرْضَ بمواصلة تقليب القالب المقلوب على وجوهه مئات المرّات، وللأبد. لم أرْضَ بإعادة كتابة ما كتبته من قصصٍ، لأنني أرفضُ تحويلها إلى جثةٍ تتحللُ، فأكونُ وإيّاها داخل تابوتٍ نحمله فينا!
* تأسيساً على هذا، ربما مآلُ القصة كما كتبتها كان طريقي إلى الرواية، وخلال ذلك لا بعده. وبذلك؛ ليس ثمّة قطيعة وإنما، بحسب فهمي وتفسيري، هو الامتدادُ لها جرياً على منطق تحولاتها لديَّ.
نعم، ما زِلتُ قادراً على كتابة القصة القصيرة، لكنها قصتي أنا وبحسبي، وإنْ خَرَجَت على هيئة رواية قصيرة. (راجياً عدم تناول تصريحي هذا بسذاجة الفهم أني من القائلين بأنَّ الرواية حالة كتابيّة متقدمة على القصة!).
(3)
بمناسبة انتشار بعض المفردات الحاملة لمفاهيم باتت ساذجة، سأسمحُ لنفسي بالإشارة لواحدة كُرِرَت إلى حدّ البري: الإخلاص: لقد أخلصَ للقصة القصيرة فانقطعَ لها مُكّرساً لأجلها حياتَهُ ومسيرته الأدبيّة!
أعودُ إلى مَنهلي المرتاب، فأسأل:
* أنحنُ بصدد زواجٍ مسيحيّ كاثوليكيّ لا فَكاكَ منه، وباختيارنا النهائي وتصميمنا الذي لا مَحيدَ ولا رجعة عنه!
* أنحنُ في وضعيّة تَطَهُّرٍ دائم وحتّى الموت، لنتجّنبَ غوايةَ الرواية، أو غيرها، وإلاّ فالسقوطُ في الخطيئة الكبرى، فالتأبُد في الجحيم!
* أنحنُ سَطْحٌ واحدٌ، رقيقٌ، بلا مستويات ولا أعماق ولا أبعاد ولا انبعاجات؛ لا نكتبُ إلاّ نوعاً واحداً لأننا، يا للبشاعة، لا نعيشُ إلاّ نظاماً حياتياً واحداً رتيباً متصلاً من لحظة الولادة إلى لحظة الموت!
* أنحنُ بهذا التعصُّب والعَمى، فلا نرى أنَّ الجَمالَ يتوزعُ في كل مكان، تماماً مثلما هو القُبْح، ثم نعْرِضُ عنه ونتفاداه كأنما، حين نفعل ونتذوقه، نرتكبُ الخيانة!
***
أختمُ شهادتي: أوليست الخيانةُ تَوقُ الإنسان لمعرفة ما هو غريبٌ عنه، وكَسْرٌ لرتابة عيشه، وولوجٌ منه إلى حُجُرات الاكتشاف: اكتشاف ما فيها، واكتشاف ما فيه هو كذلك؟ إذَن: طوبى للخُطاةِ والخَوَنَة، بهذه المعاني، فإنهم مُعَمّرو الأرضَ بما لم نكن نعرف.
طوبى لكاتبي قصةَ السؤال حتّى منتهاه، مهما امتدَّ وتمددَ، أو حتّى منتهاهُم.
oشهادة قدمت لمؤتمر القصة القصيرة الذي نظمته جمعية النقاد الأردنيينa