حاوره: جان-لويس إيزين - الترجمة من الإنجليزية: محمود عبد الغني - يحتل جان ماري - غوستاف لوكلوزيو مكانةً رفيعة في فرنسا، وفي الوسط الثقافي الغربي عموماً، ما مهّد له نيل جائزة نوبل للآداب قبل أيام، بعد منافسة شديدة مع أسماء أدبية كبيرة تحظى هي الأخرى بتقدير عالمي.
يتميز لوكلوزيو بغزارة إنتاجه، إلا أن النقاد يرون أن ذلك لم يؤثر في السوية الفنية العالية التي تشتمل عليها رواياته .
درس لوكلوزيو الإنجليزية في جامعة بريطانية، وعمل مدرّساً في بانكوك وبوسطن والمكسيك. وصدر له عمله الروائي الأول التحقيق وهو في الثالثة والعشرين من عمره (وُلد جنوب فرنسا في العام 1940).
اشتغل في رواياته التي زاد عددها على العشرين، على قضايا المجتمعات الهامشية، ونافح ضد ما أفرزته حضارة الغرب من قيم تهمّش الإنسان وتخدش وجه قيمه النبيلة. ومثلما تناول مأساة اللاجئين الفلسطينيين في روايته نجمة تائهة أواخر الثمانينيات، فقد توقف طويلاً عند قضية الهنود الحمر والمكسيكيين، وصدر له في هذا السياق عدد من الكتب كرّست حضوره كاتباً طليعياً ومتمرداً.
في الحوار التالي حول روايته حلم مكسيكي ، يرى الكاتب الفرنسي جان ماري - غوستاف لوكلوزيو، إن المجتمعات الأميركو هندية مطبوعة بإمكانية اللجوء إلى الحلم ، ويوضح أن هذه المجتمعات لا ترى أن الواقعي هو حل نهائي لكل المشاكل .
* نشرتَ حديثاً الحلم المكسيكي (le rêve mexicain)، وهو كتاب مليء بالسحر والذهب، ومليء أيضا بدم حضارة انقرضت، حضارة الأزتيك (Aztèques)، لماذا هذا الانجذاب نحو هذه الحضارة؟
- أعتقد أن المكسيك أغرتني عندما كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري. لقد أُهديت سلسلة، لم يعد لها وجود عنوانها كنوز الأرض (les trésors de la terre)، أو شيئا من هذا القبيل. كان كتابا عن الأزتيك . اندهشت على التو بأشكال الإبداعات الفنية التي كانت مصممة بشكل جيد وأحيانا كانت قوية جدا، وحتى عنيفة، في بعض الأحيان. أتذكر أنني تأثرت بقوة برسومات ذلك الكتاب وصوره. في ما بعد، قرأت التعليق، المنزوي شيئا ما، الذي قدم الحضارة الأزتيكية كما لو أنها تأسست من طرف النمل. أتذكر ذلك جيدا. لا أعرف بالضبط كيف فقدت الكتاب منذئذ. لكنه تضمن تفسيرا جديا حول تلك الحلقة التي كانت في أنوف التماثيل، والتي ما هي إلا حبة غذاء في فك النمل. أتذكر تلك العلاقة بين الأزتيك وبين النمل.
* هناك شيء يحيرني. هذه الحضارة قصيرة العمر والعظيمة التي أعلت من شأن الفن والرقص والدين والشعر - أعتقد أن الأزتيك كانوا يسمون الشعر القول المزهر - والغناء أيضا.. كانت رغم ذلك حضارة فظة، تعطي أهمية للحرب، بل وتلقنها لأطفالها. إنها حضارة كانت تمارس التضحية بالإنسان وطقوسا تعصبية أخرى، الشيء الذي قسم المجتمع إلى طبقات مغلقة وعنيدة..
- إنها حضارة لها سلبياتها وإيجابياتها. في ما يخص الحرب أعتقد أن الأزتيك كانوا أقل وحشية من الكثير من الشعوب التي جاءت بعدهم. فحروب الأزتيك كانت لا شيء أمام الحروب التي شهدناها فيما بعد. في كل الحالات لم تكن فظاظة الأزتيك شيئا كبيرا مقارنة مع تعامل الإسبان مع الأزتيك أنفسهم، إذا ما أردنا إجراء مقارنات في هذا المجال. إنها حضارة متناقضة، وربما هذا ما أيقظ فضولي. حضارة فيها فائض من القسوة، ولكنها كانت، عندما كنت طفلا - وهذا يزداد وضوحا كلما اكتشفت أكثر تاريخ العالم- تترجم لي نوعا من التناغم، رغم أنه يظهر من الصعب الحديث عن التناغم في حضور أحاسيس متناقضة. إنها حضارة إنسان عند اكتماله.
لقد كان مجتمعا لا يكتم قسوته. كان يدعها تظهر في واضحة النهار. وهذه القسوة، التي هي ضرورية، أقول إنها ملازمة لكل حركة اجتماعية، فتتصاعد في التضحيات، والرقصات. وهنا نجد جانبا مسرحيا، وبكل تأكيد، هذا ما أعجب أرتو (Artaud) في المكسيك. يبدو كما لو أن هذا المجتمع عثر على التوازن بين الوحشي والجميل، بين الناعم والحاد. أنا أجده مجتمعا مثاليا، ما دام أنه نجح في التوفيق بين الغرائز والأحاسيس المتناقضة. وقد سمح له كل ذلك في العيش داخل توازن حقيقي. ولكنه عندما انقرض كان قد اكتسب طابعا رائعا. لقد تحدثت قبل قليل عن الحضارة العابرة. غير أنها عابرة لأن هناك من قطع رأسها. لقد كانت حضارة في أوج نموها وتفتحها، لقد كانت في طريق اختراع شيء ما. شيء إضافي، من دون شك، له جانب باروكي إلى حد ما شبيه بما عرفناه تحديدا في المجتمعات الشرقية في المرحلة الآشورية. شيء ما بدائي جدا، بمعنى من المعاني، لكنه أيضا مرهف ومتقدم جدا. وهذا المجتمع، الذي لا يمكن أن لا يدفعك إلى الحلم - لأننا نحلم بإمبراطوريات مثله، نحلم بالإمبراطورية الآشورية، الأوروكية، أو المصرية - ذلك المجتمع اختفى فجأة، فأصبح مجتمعا إعجازيا: إنها تحفة اختفت.
* هناك تناقض ما. أفكر في ما قاله فاليري (Valéry): نحن أيضا تعرف حضاراتنا أننا سنموت . وهذا ما كتبتَهُ أنت بنفسك، المايا، التولتيك، التاراسك، الأزتيك كانوا يعرفون ذلك أيضا. المشترك بينهم أنهم كانوا يعيشون في انتظار، وبهاجس الكارثة، كما كتبت.
- وهذا ما ساعد على انقراضهم لكن، في الوقت نفسه، هذا ما ساعد على استمرارهم على قيد الحياة. لقد استطاعت تلك المجتمعات أن تترك أثرا. ولأنهم تنبأوا بكل شيء، فقد تنبأوا باختفائهم. لقد اتخذوا احتياطاتهم حتى يستمروا بعد انقراضهم.
أفكر في المايا، مثلا، الذين في كل قرن - أي بالنسبة لهم كل عشرين سنة - كانوا يضعون نصبا حتى نعرف أنهم عاشوا هنا. وتلك النصب لم تكن موجهة إلا للناجين المحتملين. لم تكن تحتوي سوى على تواريخ. وحتى فوق جسور باريس تقرأ أحيانا: إينتيل مر من هنا سنة 1958 . وبعيدا عن النقوش الأثرية الضخمة، هناك أشخاص لهم هاجس أن يخلفوا أثرا يشير إلى عبورهم. إذن، فهذه الحضارات كانت تتنبأ بنهايتها، فكانت تترك آثارا حتى نعرف أنها وُجدت.
وإنه شيء عجيب أن تتخيل مجتمعات فيها كل المعارف - أي علم الفلك، الحساب الرياضيات.. إلخ - كانت نهايتها هي تلك الآثار التي تركتها للأحياء المحتملين. لنفترض اليوم أن كل النشطة الإنسانية، في أوروبا وفي كل العالم الغربي، كانت نهايتها بعض الآثار، فنقول في كل مكان: سنقوم بجرد لكل ما تركناه، خصوصا أننا سنحدد أننا في سنة 1988 كنا هنا، في باريس... ، سيكون أمرا مدهشا، لكن لا أحد فكر فيه، وأنا على خلاف فاليري (valéry)، فالمجتمع الغربي يجهل تماما أنه سيزول. إنه يخاف من موته. وتحديدا بسبب هذا الخوف، فإنه يخاطر بأن يزول دون أن يترك أدنى أثر، مثلما أنه لا يتوقع أن يترك شهادة حقيقية، ما سيتركه سيكون مطلسما.
* وهل الكاتب هو ذلك الشخص الذي أيضا له هاجس أن يترك أثرا؟
- أظن أن الكاتب يتبع طريقا دائرية. إنه على تلك الطريق التي تدور، هو يتجه نحو نهايته، نحو نهاية ما يقوم به، يضطر إلى أن يعثر من جديد على ما ما بدأه بطريقة تجعله يضع شيئا متناغما، إلى درجة أنه هو نفسه يشعر بهذا التناغم. بعض الكتاب يتوصلون إلى إغلاق الحلقة قبل كتاب آخرين.
* هل تنوي إغلاقها ذات يوم؟
- ربما نعم. لا أعرف بعد.. لا أظن أنني وصلت تلك النقطة. يجب أن يكون ذلك الإحساس مخيفا ومحبطا. أفكر في خوان رولفو (Juan Rulfo)، مثلا، الذي أنهى عمله في كتابين، وفي آخرين، مثل الكاتب اليهودي الأميركي هنري روث (Henry Roth)، الذي كتب كتابا واحدا في حياته، وبذلك أغلق حلقته بكتاب واحد. إنه شيء رائع. إنه مدهش ومؤثر بالنسبة للآخرين.. غير أنه بالنسبة له سيكون امتحانا قاسيا جدا.
* هل نغلق أحيانا حلقة شخص آخر؟ مثلا، حتى نعود إلى المكسيك، لقد ذكرت قبل قليل أنتونان أرتو (Antonin Artaud) الذي هاجر إلى المكسيك فأصبح أسطورة أدبية، وقد خصصت له فصلا كاملا في الحلم المكسيكي (le rêve mexicain)، حيث تحدثت، طبعا عن أرتو وعن سنة 1936، وعن فقدانه للأمل الذي دفعه على الهروب من أوروبا والهجرة إلى المكسيك. أعرف جيدا أن الأمر يتعلق بدراسة، لكنني تساءلت أحيانا: ألم تكن تتحدث عن نفسك؟
- لا، ليس تماما. لكننا مع أرتو نكون أمام شخص حاد جدا، قوي جدا لا يمكن أن نكون في مستواه. ورغم أننا نحب ما يكتب فنحن لسنا متأكدين من فهم كل ما يقول. ما نقوم به هو التأويل. صحيح، كما قال بروتون (Breton)، كان أرتو رمزا. إنه شخص مهد الطريق وكشف عن مجالات تبدو اليوم مسلَّماً بها، لكنها كانت بالأمس جديدة. لقد كان مثالا للسوريالية خارج كل جماعة أو مدرسة. لقد بين أن المكسيك ليست أرضا للفولكلور، وليست أرضا تعيسة، بل بالعكس، هي فضاء له ثقافة عالية. في سنة 1936 كنا نجهل، وهذا شيء مدهش، الثقافات الأميركوهندية كلياً.
* لكن، دوافعك لا تشبه حتما دوافع أرتو عندما غادر أوروبا؟
- لا، هروبه لا يشبه هروبي.
* هذا شيء واضح. لم تكن لك مغامرة مع السوريالية. لم تكن مطرودا من جماعة معينة. لكن ربما تملك رؤية معينة لتشرذم الثقافة الأوروبية، أحاول أن أؤجل ما أمكن نطقَ كلمة انحطاط .
- صحيح أنه لا يمكن التشبه ب أرتو عندما جاء من أوروبا إلى المكسيك. على الأقل في حالة البحث عن شيء ما في المكسيك. لأن ما نبحث عنه هو عكس ما نجده في أوروبا. أي شيء ما أكثر التهابا، أكثر قوة. تحدثنا، قبل قليل، عن الأزتيك . هذا ما أردت قوله. ما أستشفه في تلك الحضارة هو عالم أكثر قوة وأكثر انتقادا من عالم النهضة الأوروبية. عالم لم يبنَ على العقل، ولا على الأفكار الإنسانية الكبرى، التي تتناقض مع نفسها باستمرار. بل بُني على أشياء أخرى. عالم يستمد حيويته بهذا الرقص، وهذا الاندفاع نحو السحر، والفرق طبيعي، مبني على تصور مختلف، تصور يدرك العالم بالحدس.
هذا ما كان يبحث عنه أرتو في المكسيك. لست متأكدا أنه وجده، لأن المكسيك لا يعطي حلولا، هكذا، بسهولة. لكن بكل تأكيد ذلك هو ما ذهب الناس يبحثون عنه في المكسيك بعد أرتو . وهذا ما يعطي تماثلا مع أرتو . في حالتي أنا، هذا شيء صحيح.
* أعتقد أن السبب الرئيسي لإقامتك في المكسيك، هو وجود آثار هذه الحضارة المنسية.
- عندما وصلت إلى المكسيك، أول نص قرأته هو (les trahumaras) لأرتو . إنه أول نص قرأته عن المكسيك بعيدا عن الكتاب الذي حدثتك عنه. وقد كان نصا نزويا إلى حد ما. أول نص أدهشني وأثر فيّ هو هذا. وانطلاقا من كتاب أرتو هذا رغبت في معرفة ما هي المكسيك، فبدأت أقرأ المؤرخين. قرأت كل الذين كانوا شهودا عن ماذا كان هذا العالم عند مجيء الإنسان.
* دييز ديل كاستيو مثلا...
- نعم، دييز ديل كاستيو ، هذا الجندي الأمي الذي رافق كورتيس (cortes) الذي غمرته العواطف في سن الرابعة والثمانين، فشرع في تحرير التاريخ الحقيقي لاكتشاف إسبانيا الجديدة . إنه شيء خيالي. لقد كان أعمى وأصم. كان منقطعا تماما عن العالم، فحاول النظر إلى ما كان عليه العالم الذي دخل إليه، والذي دمره الجنود الإسبان وقلبوه رأسا على عقب.
* كان أعمى، أصم وجاهلاً، وكتب هذا الكتاب في الرابعة والثمانين؟ لا ينبغي فقدان الأمل!.
- نعم، هذا هو الدرس. على كل حال، هذا يعطي لكتابه، لشهادته، ذلك البعد الخيالي واللاهب الذي ننتظره من المكسيك.
* إنه جهل، لكنه جهل تابع رغم ذلك. من جهة أخرى أنت تؤكد كثيرا على الإذعان الأعمى، الكلي، الذي كان للأزتيك لكل ما هو إلهي.
- إذعان ، هذه كلمة سلبية إلى حد ما. إننا نتصور أناسا أذلاء.. أعتقد أن الأمر كان مختلفا. ليس فقط عند الأزتيك، بل أيضا عند هنود ميشوهاكان ، عند هنود ناياريت ، عند المايا ، باختصار عند الثقافات الأميركوهندية في المكسيك، حيث كان الدين يعدّ بمثابة قوة فردية، فكل واحد كان مسؤولا عن عبادته للآلهة على طريقته، وحتى على اختيارها.
تقريبا كان هناك آلهة بعدد الناس. فكل واحد كان يخلق لنفسه إلهه ويمارس طقسه كما يتصوره. كما أن الدين أيضا كان بمثابة قوة تماسك تساعد الأمة الأزتيكية أو أمة المايا على الوجود. لقد كان الدين واجبا مدنيا. هذه مقولة قوية جدا، في النهاية، في إطار المسؤولية الجماعية ودلالة الفرد. أعتقد أن هذه الحضارات أوجدت هذا التوازن الذي لم تنجح الديانات السماوية، كالمسيحية، في امتلاكه. لقد كان هناك رجال دين (الإكليروس)، وأعتقد أنه لم يكن هناك إكراه. أما كلمة إذعان فإنها قوية شيئا ما.
* أنت تعطي أهمية للإشارة بأن الخضوع للقوانين، مثلا، لم يكن نوعا من العبودية. ألا تختلف ربما عن بعض المؤرخين بخصوص هذا التفسير؟
- فعلا. إن صورة المجتمع الأزتيكي هي، بشكل عام، صورة مجتمع يوجهه الطغاة الذين يمارسون سلطة الحرب. مثل آلهة الحرب إلى حد ما، في الصين، مع زيادة ذلك الجانب المرعب في التضحيات. غير أنني أعتقد أنها رؤية كاريكاتورية. لقد كان ذلك المجتمع في ذروة تطوره. كان يضم إثنيات مختلفة جدا تمتد على أرض شاسعة جدا، حوالي مساحة أوروبا. أعتقد أن هذا التوازن لم يكن ليدوم أكثر من جيل لولا أنه كان مؤسسا على الاستبداد. في حين أنه دام منذ ثلاثمائة سنة عند قدوم الإسبان.
* وتقول إنه كان قمة ازدهار العصر السحري؟
- نعم، قمة ازدهار العصر السحري مقارنة مع الخراب الذي جاء بعد مقدمة التكنولوجيا، خصوصا بالمقارنة مع الاستغلال الاستعماري.
* لكن ماذا بقي اليوم، في المكسيك، من هذه السعادة وهذا السحر؟
- بعض الآثار.
* مثلا؟
- بعض طرق العيش، أقول، ذات الطابع الفرداني. ذلك النوع من التراجع عن الواقع. أعتقد أن الحياة في المكسيك، في القرية على الخصوص، تجعلنا نرى أن للناس نوعا من الشكوكية تجاه كل شيء يظهر أنه ضروري ومحتم. الاستفادة، مثلا، هي على نحو ما، لا تتم إلا من العمل، العمل المنظم المنتج. وبالتالي أعتقد أنه من الخطأ أن نُرجع التخلف والفقر في المكسيك إلى هذا المظهر، أعتقد أن الفقر يأتي من أبعد من ذلك، من صدمة الاستعمار، أي من سوء توزيع الثروات.
* الفقر، حسب رأيك، ليس قَدَريا؟
- لا، أبدا. عند وصول الإسبان، كان المكسيك بلدا مزدهرا مثل بقية بلدان أوروبا. كان يعرف مشاكل المجاعة والجفاف نفسها التي كانت تعرفها أوروبا، وليس أكثر. كنا في المستوى الاقتصادي نفسه. وما الاختلاف إلا اختلاف تقني. التقنية في المكسيك متقادمة. لكني أعتقد أن ما يربط المكسيك القديم - ذلك المكسيك السحري - بالمكسيك الحديث، هو هذه الإمكانية للاستغراق في الحياة الواقعية، والأهم هو القبول، مثلا، بأن للأشجار أرواحا. عندما يتم زرع الذرة، وإذا ما كانت هناك شجرة في وسط الحقل، فإنه يتم اجتنابها، رغم أن ذلك مزعج، لنترك الشجرة في حالها. المهم هو أن تبقى الشجرة في مكانها أفضل من ربح حقل من الذرة.
* هل صحيح أن الثقافات الأميركوهندية تتغذى من الأحلام، وتستثمر الخيال، حتى في مزاولة التنجيم؟
- لقد بقيت حصة الحلم قوية جدا، سواء عند الإنكا أو عند الأزتيك . أعتقد أن كل المجتمعات الأميركوهندية مطبوعة بإمكانية اللجوء إلى الحلم. فهي لا ترى أن الواقعي هو حل نهائي لكل المشاكل.
* أنت أيضا كاتب تلجأ إلى الحلم.
- نعم، هذا صحيح، أعتقد أننا عندما نكتب - وسأعود إلى ذلك الطفل، في مقصورته، في غمرة سفر لا يراه - فنحن نتزود، في الحصة الكبرى، بتذكر مبهم لأحلامنا.
* لكن لكي يكون الحلم غنيا، متناغما وساميا يلزمه وسيط، وهذا الوسيط عند الأزتيك كان نوعا من المخدر المهلوس.
- أعتقد أنه، في حالة الكتاب، لا يجب المبالغة. أظن أن أجمل الأحلام، هو الحلم الذي لا فائدة منه، الحلم الذي نحلمه من أجل لا شيء. المهم هو أن نحلم، في السادسة صباحا، أننا كتبنا أجمل رواية في العالم، ثم نعود لننام، وننسى الأمر. إنه شيء رائع أن ننسى في ما بعد. إن مثالية الكتابة بالنسبة لي هي الوصول إلى هذا الأمر. إنه شيء متناقض، لكنه هكذا: الكتابة دون معرفة نقطة الوصول، ونترك الأشياء تصنع نفسها، دون خطة. وحتى المقالة، فهي وضع لعبارات، نرى كيف تنضاف بعضها إلى بعض، ثم نرى الصفحة، مع كل البياضات التي تركتها الكتابة في كل مكان. لأن صفحة مكتوبة تكون مليئة بالبياضات، هذا أمر عجيب جدا. إنه أمر جيد، أن ندع الخيط يزيغ.
* ورغم ذلك فأنا أتذكر أنك أجبت ذات مرة عن السؤال الشهير لماذا تكتب؟ الذي طرحته في استفتاء مجلةُ أدب (littérature)، في زمن أندريه بريتون (André Breton)، وأجبتَ: أكتب من أجل التأثير ، حتى إنك كتبت كلمة تأثير بأحرف كبيرة.
- لكن التأثير لا يعني حتما أننا نعرف ما نفعل. فإذا كان الحلم يعني أن تكون نائما، نعم، بكل تأكيد، يمكن أن نضع الحلم مقابل الفعل، لكننا أيضا يمكن أن نقوم بأفعال ونحن في حالة زوغان. إن الأنشطة العقلية هي موزعة بشكل غريب. أعتقد أن هناك نسبة ضعيفة جدا - ولن أعطيك الرقم بدقة - من الأنشطة العقلية الواعية، بل والفاعلة. وهنا نعود ربما إلى مفهوم العالم المكسيكي. من بين كل الأنشطة الإنسانية، ربما هناك نسبة 1 بالمئة% هي بالفعل أنشطة واعية. والبقية مجرد محاولات وتجارب مجهضة ولا تسفر عن شيء. إنها طرق مسدودة نسقط فيها حركات غير فاعلة. وهو الشيء نفسه بالنسبة للحيوانات، إذا ما راقبتها عن قرب. تظهر كما لو أنها تآلفت مع مملكة الأرض، لكنها هي الأخرى تقوم بالكثير من الأفعال غير المجدية. رأيت قططا تسقط إثر حركة غير موفقة... نستطيع أن نرى أشياء غريبة جدا في هذا المجال. حتى النمل، يخطئ، من حين لآخر، فيذهب في الاتجاه المعاكس لمملكة النمل. هناك نمل مفقود. والكاتب هو ذلك الشخص الذي يملك الترف والحظ أكثر من الآخرين! وأحيانا يفقد الأمل في قدرته على تسجيل هذه الحركات غير المجدية، وهذه الأفكار غير المجدية، وأحيانا لا يستطيع أن يصنع شيئا قائما على أسس.
* الفكر، هل هو أيضا شيء تؤمن به اليوم؟
- نعم، لماذا؟ كيف لا يمكن الإيمان بالأفكار؟ هناك فكر من يتعب عقله، طبعا. وأيضا إشعال سيجارة وهو، بطريقة ما، تعبير عن الفكر. كتب سارتر (Sartre) أشياء جميلة جدا عن السيجارة. فكل الحركات التي نقوم بها بغرض ما هي حركات مفكَّر فيها. إضافة إلى أن الكائن البشري نادرا ما تجرد من التفكير. وإذا كان الأمر يتعلق الآن بفكر منسجم، لا بد بالطبع من التمييز بين الشيء النافع وبين كومة الأشياء غير النافعة. انظر، في اللغة، كل هذا التضخم وهذه الأجزاء، هذه الجزيئات غير المجدية، كل هذه ال أوه ، وهذه الترددات التي نضيفها كي نوصل التعبير عن شيء. نظن أن الحاسوب، إلى جانب ذلك، هو أكثر كفاية بفضل إيقاعه المزدوج، صحيح - خطأ، أو واحد - صفر .
* هل انتبهت إلى أنني طرحت عليك السؤال نفسه ثلاث أو أربع مرات، ولم تجبني لحد الآن؟
- اطرحْهُ مرة أخرى. لم أنتبه.
* لماذا تهرب من فرنسا ستة أشهر في السنة؟
- آه، لكنني لا أهرب أبدا من فرنسا.
* أنت من كتب ذلك، وأحيانا هذه هي كلماتك المفضّلة.
- نعم، تقصد كتاب الهروب (le livre des fuites). لكن الأمر لا يتعلق بهروب للإفلات من شيء ما. لم أختبر الأمر هكذا أبدا.
* حتى في الأصل؟
- لا، ولهذا ربما لم أجب عن سؤالك بعد. لأنني أعتقد أن ذهابي إلى المكسيك ليس هروبا. وفي هذه النقطة لا أستطيع التشبه ب أرتو . أنا لم أهرب من شيء محدد، ولم يطاردني السورياليون. أنا لم أهرب من شيء ما، أنا لست هاربا... بل بالعكس، أشعر أن شيئا ما يناديني. الأمر يشبه إلى حد ما أن نعرف أننا نركب طائرة تتزحلق ليس فوق الجزء السفلي، بل فوق الجزء الأعلى من الجناح، ستقول لي إنني أتحدث كثيرا عن الطائرات، لكنني أظن أنه مثال جيد. في حالة الطائرة يكون من المهم أن نستوعب أنها لا تحلق كما يحلق الطائر، أي أنها لا تثقل على جناحيها، لكنها بالعكس من ذلك تسعى إلى بذل جهد للارتفاع نحو الأعلى. أظن أنني، في حالة السفر كما أتصوره، لا أهرب من فرنسا، بل إن المكسيك تجذبني نحوها. لست حامل أثاث قديم، أنا بكل بساطة تجذبني الأسفار نحو المناظر الجديدة.
* حقا، وبخصوص المناظر، أعود إلى مسألة التطور التي تحدثنا عنها من قبل. أنتم، كتاب المدن، والكهرباء، والسيارات، والإسمنت والحديد، أصبحتم كتاب الصحراء، والشفافية، والصمت. يجب أن نتحدث عن صمت الهنود والأزتيك، عن هذا الصمت الكبير الذي تلا كارثة انقراضهم. لقد كونت مجموعة منتخبة من الأماكن اللكتيزية (Lactéziens): شواطئ، سواحل، صحاري، أراضي ميتة، مساحات أرضية شاسعة، أشجار، ضوء، بحر... إذن، من دون الحديث عن الهروب، هناك وجود لهذه الأماكن.
- لقد انتبهت إلى أن ما يثيرني في المدن هي تلك الأراضي الشاسعة، وكل شيء بقي على هامش التعمير أو، بالعكس، كل ما أبعده التعمير. عندما وصلت إلى باريس، فوجئت، واندهشت في الآن نفسه، بوجود حقول من الذرة على أبواب باريس. حقا، العديد من حقول الذرة من جانب رواسي (Roissy)، عندما تصل، تأخذ الطريق السيارة، وفي كل جانب تجد حقول الذرة التي تمتد حتى المنطقة القديمة. لا أعرف إن كان ذلك تم وفق برنامج معين.
(يصدر الحوار قريبا ضمن كتاب يحمل عنوان من أنت سيد لوكلوزيو؟ عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، ترجمة: محمود عبد الغني).
* مترجم مصري