الفساد هذه الكلمة البسيطة ، ذات الدلالات الواسعة والخطر الماحق .. هذه اللفظة التي غدت متداولة في مشارق الأرض ومغاربها ، ولم تسلم منها دولة كبيرة أو صغيرة ، متقدّمة أو متخلفة ، وقد وصلت آثارها الى المنظمات الدولية ، وهي من أكثر الألفاظ تداولا على ألسنة الخاصة والعامة .
والفساد هو سوء ادارة ، وسوء ائتمان ، وهو تراخ في العمل ، وهدر المال ، واستغلال الوظيفة والمنصب .. وهو الواسطة والمحسوبية ، وتجاوز حقوق الآخرين .... وهذه كلها تبدو في مظاهر حياتنا وسلوكنا ، وتستشري في عروقنا ، أفرادا ومؤسسات ، وهذا ما دفع جلالة الملك عبد الله الثاني الى قرع ناقوس الخطر في كلمته المهمة والصريحة أمام الأعيان والنواب والوزراء ، يوم الثلاثاء الماضي 16/8 ، محذّرا من نتائج ذلك على الوطن والناس ، ومنبّها الجميع لخطورة الأعمال والصراعات التي أدخلنا بها بعض صيادي الفرص والمكافآت والمناصب .. فمن غير المعقول أو المقبول أن يتدخّل جلالة الملك في كل صغيرة وكبيرة .. ومن غير المقبول أن تتغيّر قناعات الشخص أو أفكاره ، عندما يترك العمل الوظيفي ، فيغدو من أشد ناقدي الدولة ، بعد أن كان من أقوى المدافعين عنها .. والواسطة التي نسعى بها جميعنا ، هي عمل غير شريف ، ولا يجوز أن يبدأ أبناؤنا حياتهم بها .
لم تكن كلمة جلالة الملك الا بعد فيضان الكيل ، فهموم الوطن كتاب مفتوح أمامه ، وبطالة الشباب همه المؤرق ، ولابد أن تضطلع الحكومات الأردنية بالاصلاح ومحاربة الفساد ، ومكافحة البطالة ، ولابد أن تتعاون السلطات كلها ، وخاصة التشريعية والتنفيذية ، لما فيه خير الوطن ومصلحة المواطنين ، لا أن تتصارع من أجل مكاسب خاصة ، ولكن للأسف ثمة أجندات مختلفة لكل فريق ، وثمة فساد متأصّل لا يمكن استئصاله ، فرئيس بلدية الزرقاء ( وهذه حالة واحدة دالة ) يرى أن البلدية أصبحت مؤسسة تنمية اجتماعية ، على عاتقها 40% فائض من كوادر غير مؤهلة لا حاجة للبلدية بها ، ومشرفوها ومراقبوها أكثر من عمالها !! ومراسلوها ( 154 ) أكثر من عمال النظافة فيها ، وهذا العدد يكفي عشرات الدوائر والمؤسسات في المملكة !! ومثل هذه الأوضاع تنتشر في جلّ دوائرنا ومؤسساتنا ، وهنا لابد أن نتساءل : لماذا يحدث ذلك ؟ وكيف ؟ ومن وراءه؟
لنكن صريحين ونقل ان كل تلك المظاهر من الفساد المتعدد والمتنوع ، انتشرت لضعف الرقابة والمحاسبة ، ولانتشار فلسفة ( عفا الله عما مضى ) ، ولصعوبة فصل موظف لم يعيّن على أسس موضوعية ، ساهم في تعيينه نائب أو وزير أو أمين عام ، فالدوائر والمؤسسات ملأى بموظفين من آل فلان وآل علان ، فاذا بفلان وعلان هذا كان وزيرا أو مسؤولا مهما في تلك الدائرة أو المؤسسة ، فملأها بأقاربه وانسبائه ، وهؤلاء في الغالب لا ينتجون ، ويغدون عبئا على المؤسسة وعلى الموظفين الجادين المنتجين .
جلالة الملك وضع اصبعه على الداء ، وهو مدرك لما يحدث ، وحريص على تخليص البلد من الواسطة والمحسوبية والفساد ، ولكن هل تنجح مساعيه في زمن غدا الفساد وحشا أسطوريا كلما قطعت جزءا منه نبتت له أجزاء أخرى ؟! وهل يمكن محاربة الفساد الذي تمأسس وأصبح له منظّروه ومروجوه ومسوّغوه ؟