سمير الرفاعي.. رجل الإنجاز و التأسيس

سمير الرفاعي.. رجل الإنجاز و التأسيس

هزاع البراري - يعتبر سمير الرفاعي، من أكثر رجالات الأردن، في الإدارة والسياسة التصاقاً بالذاكرة الوطنية، وفي الذاكرة الشعبية أيضاً ، ولا شك أن اسمه كسياسي، ورئيس للوزراء لست مرات، ارتبط بعدد من المنعطفات الهامة في تاريخ الاردن الحديث، كالاستقلال و استشهاد الملك المؤسس ، وتعريب قيادة الجيش الاردني ، بالاضاف لمصاعب سياسية واقتصادية اقليمية ومحلية ، مما جعله حاضراً بقوة في صفحات التاريخ المحلي منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وقد كان مولد سمير الرفاعي وتنشئته، متسق مع بنية الدولة الاردنية الناشئة في إمارة شرق الأردن ، فالمبادئ القومية والوطنية، والإيمان برسالة الثورة العربة الكبرى، والنظر إلى الأردن باعتباره نواة للدولة العربية المتحررة والمتحدة ، التي جمعت أحرار العرب ، الذين التفوا حول الإمارة، وانصهروا في بنيتها الاجتماعية والسياسية . ولد سمير الرفاعي في مرجعيون وهي من كبرى بلدات جنوب لبنان ، وذلك في 30 كانون الثاني عام 1901م ، فوالده طالب الرفاعي، ينحدر من صفد شمال فلسطين، في فترة لا وجود فيها للحدود السياسية أو حتى اي نوع من الحدود ، وآل الرفاعي أسرة عريقة ، ومعروفة بمكانتها الاجتماعية والدينية ، وقد عمل طالب الرفاعي موظفاً لدى الدولة العثمانية، وسكن صور عندما عمل مديراً للمالية فيها ، وكان قد تزوج بفتاة من أسرة كريمة من مرجعيون ، و تنقل بين قرى وبلدات شمال فلسطين وجنوب لبنان إما للعمل، أو لممارسة هواية في ركوب الخيل والصيد.
نشأ سمير الرفاعي على المبادىء والقيم المستمدة من الشريعة، والتي لا تعترف بالحدود ولا بالحواجز الجغرافية ، وقد نشأ في صفد وأنهى تعليمه الثانوي فيها ، وراوده حلم دراسة الطب في فترة عانت المنطقة من قلة الجامعات ، وضعف إمكانيات الأهالي ، لكنه مع ذلك ارتحل الى بيروت من أجل هذه الغاية ، غير أن سوء الأحوال المادية أجبرته على العودة الى صفد ، حيث عمل من اجل مساعدة والده في تربية إخوته، الذين بلغ عددهم سبعة من الذكور ، لكن رغبته في التعليم الجامعي لم تغادره ، وبقي يتحين الفرصة لإكمال دراسته ، فالتحق بالجامعة الامريكية في بيروت ، ودخل كلية الآداب والفنون ، محققاً بذلك حلمه القديم.
وفي العام 1924م انتقل الى شرقي الاردن ، حيث عمل في إدارة المطار الذي يشرف عليه البريطانيون ، وكشف عن قدرة عالية في العمل والادارة ، وعندما احتاج مجلس النظار (مجلس الوزراء) موظفاً نجيباً تم ترشيحه، فشغل منصب مساعد أول للسكرتير العام للمجلس ، وبقي في هذه الوظيفة حتى العام 1928م ، بعدها تم تعيينه متصرفاً للواء معان بالوكالة ، وبعد عام نقل الى دائرة الاراضي ، وفي عام 1930م عمل مراقباً لاملاك الدولة ، وقد استمر عمله هذا قرابة الثلاث سنوات ، حيث اصبح سكرتيراً لرئيس المجلس التنفيذي ، و كان لانتقالاته السريعة، واستلامه للمناصب المختلفة، أن هيأت له البيئة الملائمة لنمو شخصيته الإدارية والسياسية ، وإكسابه الخبرة التي أهلته للتقدم بثبات في السلم الوظيفي، واستلام أعلى المناصب وأرفعها، معززاً ذلك بالتحاقه عام 1935 بمعهد الحقوق في القدس، ففي عام 1937م عيّن سكرتيراً للمجلس التنفيذي ، بعد ذلك أصبح مديراً للمعارف ، مما مهد الطريق أمامه لإستلام اول منصب وزاري له، وذلك عام 1941م عندما دخل حكومة توفيق ابو الهدى الرابعة ، مستلماً حقيبتي الداخلية والمعارف، وقد استقال من الحكومة سنة 1942م، ليعمل بعدها مستشاراً لرئيس الوزراء.(من الرعيل الاول،د.محمد العناقرة)
كان سمير الرفاعي محط ثقة كل من عمل معه ، لكفاءته السياسية ، وتميز إدارته ، لذا بادر توفيق أبو الهدى إلى اشراكه في حكومته الخامسة، التي شكلت عام 1943م ، واسندت اليه للمرة الثانية حقيبتي الداخلية والمعارف ، ثم وزيراً للمالية والاقتصاد والعدلية في الوزارة نفسها ، ونظراً لما حققه الرفاعي من حضور قوي وأداء متميز لافت للأنظار، جعله محط ثقة أولي الامر واهلاً لإحترامهم ، كان جديراً بالمسؤولية عندما عهد اليه تشكيل حكومته الأولى في 15 تشرين الاول عام 1944م ، وبذلك بدأ فصلاً جديداً من حياته ، وتمكن من وضع بصمته الخاصة خلال حكوماته المختلفة، والتي قاد خلالها البلاد في لحظات حرجة ، وحقق منجزات يشار اليها بالبنان ، فكانت حكومته الاولى قد أسهمت في المباحثات العربية من أجل تأسيس جامعة الدول العربية ، ووقعت على ميثاق الجامعة في الإسكندرية في شهر تشرين الاول عام 1944م ، أما حكومته الثانية، فكانت أول حكومة بعد الاستقلال وقيام المملكة الاردنية الهاشمية سنة 1947م ، وقد عملت هذه الحكومة للتقارب مع العراقيين ، وقد مهدت هذه الجهود لقيام الاتحاد العربي الهاشمي فيما بعد ، وقد قامت هذه الحكومة بجهود كبيرة وتأسيسية، كإجراء الانتخابات النيابية، وتشكيل أول مجلس أعيان بعد صدور الدستور.
شهدت حكومة الرفاعي الثالثة مزيداً من المنجزات الواضحة ، فقد شُكلت في بداية كانون الأول عام 1950م ، حيث عملت على تحسين الاوضاع الاقتصادية والاصلاح الاداري وتحسين أحوال اللاجئين ، وتوقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي مع دول كبرى كالولايات المنتحدة الامريكية . وفي عهد هذه الحكومة تعرضت البلاد لعدد من المصاعب ، فلقد أغتيل رياض الصلح على الأرض الأردنية ، وتعرض الأردن للجفاف وانحباس المطر، وكان من أكثر الأوقات صعوبة استشهاد الملك المؤسس عبدالله الاول بن الحسين ، وتمكنت هذه الحكومة بفضل ما تمتع به سمير الرفاعي من بعد نظر، وحسن تصرف، من المحافظة على النظام والهدوء ، وإخراج البلاد من تبعات هذا الظرف الدقيق ، الذي جاء في وقت كانت المنطقة تعاني اوضاعا سياسية وعسكرية بالغة الصعوبة .(المصدر السابق)
من الواضح ان حكومات سمير الرفاعي ارتبطت بالانجازات التاريخية ، ففي عهد الحكومة الرابعة ، تمكن الاردن من تعريب قيادة الجيش العربي ، في عهد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال ، وتعتبر الحكومة الخامسة أطول حكومات الرفاعي عمراً ، وفي عهد هذه الحكومة قام الاتحاد العربي الهاشمي بين الاردن والعراق ، وهو الاتحاد الذي انتهى سريعاً وبشكل مأساوي ، وأما حكومته السادسة والاخيرة التي شكلها عام 1963 م فلم تستمر طويلاً، فلقد قدم استقالته قبل تصويت الثقة من قبل مجلس النواب ، و ضمت هذه الحكومة خيرة رجالات الأردن في السياسة والاقتصاد والإدارة.
دخل الرفاعي مجلس الاعيان الثاني عام 1950 م بعد قرار توحيد الضفتين ، و اختير عيناً خمس مرات ، وأصبح رئيساً لمجلس الاعيان السادس لفترتين ، وفي العام 1962 م أختير سمير الرفاعي رئيساً لمجلس امناء الجامعة الأردنية ، وقد بذل جهوداً كبيرة من اجل انشاء جامعة عصرية ومستقلة، قادرة على الإسهام بفاعلية في نهضة الأردن الحديث ، وهذا ما حدث بالفعل.
لقد كان سمير الرفاعي رجل دولة ، عرف بالصدق والإخلاص ، وكان مجتهداً وصاحب انجازات كبيرة ستبقى مدونات في سجل تاريخ الاردن السياسي ، ومشيرة إلى رجل ما توانى عن خدمة بلده وقيادته ، وسيبقى السياسي الاكثر عملاً ، والحاضر في ذاكرتنا مثل نجم ساطع.