البحث عن عزيز ضومط

البحث عن عزيز ضومط

فاروق وادي - وضعتُ اسم عزيز ضومط على مُحرِّك البحث العملاق غوغل ، فلم أحْظَ بمادة واحدة تضيف جديداً إلى القليل القليل الذي أعرفه عن صاحب هذا الاسم!
والقليل القليل، هي مادة صحفيّة كان أعدها الكاتب العربي المقيم في أستوكهولم قاسم حمادي ونشرها في صحيفة الحياة اللندنيّة في الأوّل من كانون الأوّل 2001 بمناسبة إصدار أكاديميّة نوبل كتابين تضمنا أسماء الكتّاب العالميين الذين وصلوا إلى مراحل التصفيات النهائيّة على امتداد النصف الأوّل من القرن العشرين، بعد أن اتخذت هذه المؤسسة السويديّة العالميّة قرارها برفع السريّة عن وثائقها خلال السنوات الخمسين الأولى من نشاطها الذي بدأته في العام 1900.
كانت المفاجأة أن تتضمن تلك الأسماء، اسم شاعر ومثقف عربي، فلسطيني الأصل، مصري الولادة، ما يزال مجهولاً بالنسبة لنا، هو: عزيز ضومط.
لم يتوقف حمادي عند نشر مقالته المشار إليها، بل إنه سارع إلى البحث عن عائلة ضومط في لبنان، فعثر على كاهنة ، ابنة الشاعر عزيز ضومط، التي كانت آنذاك في الثمانين من عمرها، وتقيم في منطقة سوق الغرب قرب بيروت. وقد أجرى معها مقابلة حول والدها، نشرت أيضاً في صحيفة الحياة (4 كانون الأول 2001).
باستثناء المادتين الصحفيتين المشار إليهمان، لم أعثر على ما يضيف شيئاً إلى معلوماتنا عن عزيز ضومط. ولذلك، فإن المعلومات التعريفيّة الواردة هنا، هي بالاعتماد الحصري على المادتين المذكورتين.
@@@
إذا كان اسم طه حسين ورد ضمن قوائم ترشيحات جائزة نوبل للعامين 1949 و1950، فإنه لم يحصل عليها -كما هو معروف-، لضآلة ما كان قد تُرجم من أعماله، آنذاك، وقد نالها عن العامين المذكورين كلّ من الأميركي وليم فوكنر والبريطاني برتراند راسل، على التوالي. أمّا عزيز ضومط فقد جرى ترشّيحه للجائزة في العام 1936، وكان يتقدّم قائمة الترشيحات لذلك العام، مستبقاً عالم النفس الشهير سيجموند فرويد، الذي احتل المرتبة السادسة عشرة، وأخفق في الحصول على الجائزة. كما ضمّت القائمة نفسها اسم الأديب الفرنسي بول فاليري، الذي احتل المركز الثامن في القائمة، فأخفق هو الآخر في قطف الجائزة، لينالها في ذلك العام الكاتب الأميركي أوجين أونيل.
فشلُ عزيز ضومط في الحصول على نوبل للآداب في العام 1936، وهو الذي كان يكتب بلغة غوته وشيللر، ربما يعود إلى أنه لم يتقدّم للجنة نوبل بكتبٍ مطبوعة، وإنما بمخطوطات مستنسخة على الآلة الكاتبة.
ما ذكرته كاهنة ، هو أن والدها كان يكتب الشعر والرواية والمسرح والدراسات الفلسفيّة، وأن شقيقه، الذي كان يقيم في حيفا، ظلّ يحرص على ترجمتها إلى العربيّة. ولا ندري إذا ما كان يحرص أيضاً على نشرها، وأين؟!
تمتد جذور ضومط إلى القدس، إذ قضى جزءاً من حياته فيها، حيث درس في المدرسة الألمانية هناك، ليواصل دراسته لمادتيّ الأدب والفلسفة في ألمانيا. وهناك تزوّج وأنشأ أسرة، لكن أعماله الإبداعيّة والفكريّة عاشت في الأزمات، وتراكمت في زمن حرب عالميّة طاحنة أودت بالكثير من مخطوطاته، كما أودت هزيمة ألمانيا في الحرب بما راكمه من قيمة أدبيّة واسم بلغ تخوم جائزة نوبل.
@@@
لا شكّ في أننا نفتقر إلى المعرفة الكافية بحياة عزيز ضومط ونتاجاته الفكريّة والإبداعيّة، ولذلك، تغدو الحاجة ماسّة لمبادرة إحدى المؤسسات العلميّة والبحثيّة لتبني مشروع البحث عن عزيز ضومط وإخراجه من المجهول.
إننا نعوِّل على المؤسسات التي تربطها بالمؤسسات الأكاديميّة الألمانيّة علاقات ثقافيّة، وعلى الجهات التمويليّة العربيّة المعنيّة لرصد الميزانيّة اللازمة للقيام بمثل هذا البحث، مع التشديد على الدور الذي يمكن أن يلعبه مثقفون وأكاديميون فلسطينيون وعرب هم على تماسّ وخبرة وتجربة وعلاقة متواصلة بالثقافة الألمانيّة ومؤسساتها.
ولا يمكن للبحث أن يغفل جانب التنقيب في أرشيف أكاديميّة نوبل، علّ مخطوطات ضومط هناك تكون قد نجت من الهلاك، ومن الحرائق الكونيّة التي أشعلتها الحروب الكبرى.
ولا شكّ في أن هذا الكاتب الذي ينتمي إلى أصول مقدسيّة، والذي نمت بذوره الثقافيّة الأولى في شوارع القدس القديمة ومدارسها ومؤسساتها الثقافيّة وفي محيط أسورها الشاهقة، يستحق عناية خاصّة، وتكريماً متميِّزاً خلال العام ,2009. الذي تحتفل فيه الثقافة العربيّة بالقدس عاصمة ثقافيّة.
تكريم كاتب عربي فلسطيني حمل طموحاته وأحلامه من القدس، ليكون في مقدِّمة طليعة أدبيّة وثقافيّة عالميّة بلغت مشارف نوبل 1936، وأول العرب الذين طُرحت أسماؤهم لأهم جائزة عالميّة، هو عمل على درجة كبيرة من الأهميّة. وإن كان الأهم، يبقى الجهد العلمي البحثي الجاد، الذي ينفض عن هذا الاسم غباراً تراكم لأكثر من سبعة عقود من الزمن، والعمل على نقل اسم عزيز ضومط من المجهول.. إلى أنوار المعرفة وآفاقها الرحبة.
@ كاتب أردني
wadi49@hotmail.com