فخري قعوار- كانت كتاباتي تحتاج لموقف واضح من الحياة، أو أيدولوجية متكاملة، كي أحمي نفسي من مغبة التناقض ومن مغبة الإسفاف واللاجدوى، فقرأت أعمالاً أدبية عربية وعالمية معروفة، وقرأت في الوجودية والوجوديين المؤمنين وغير المؤمنين، إلى أن وصلت إلى يقين بأن هؤلاء لا يمثلون همنا أو الهم الإنساني العام. وقرأت في الماركسية، وعن التجربة الاشتراكية الأولى التي قامت في الاتحاد السوفياتي، ففتنت بفكرة العدالة والتقدم، وانتصرت للعمال والفلاحين وسائر الكادحين الذين ترتبط جذوري بجذورهم، وأعجبت بالأممية والفكر العلمي.
وفي كل هذه الأثناء، لم أكن أعرف جيدا أنني أحوم حول القصة القصيرة التي ستكون محور عنايتي واهتمامي. وكنت أكتب القصص القصيرة إلى جانب الرواية لا تغرب الشمس ، وإلى جانب عرض الكتب والمقالات القصيرة مع القيام بترجمة بعض القصص القصيرة عن اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، والحق أقول، إنني كنت جريئا في وقت مبكر، حيث أرسلت بعض محاولاتي الكتابية -قصص ومقالات ومترجمات- إلى مجلة الأديب اللبنانية، ومجلة القصة المصرية، بالإضافة إلى مجلة الأفق الجديد المقدسية. وكانت هذه المجلات تنشر ما يرسله طالب المرحلة الثانوية، إلى أن فوجئت ذات مرة بمقدمة طويلة يكتبها الروائي المعروف المرحوم محمد عبد الحليم عبد الله لقصة لي نشرتها مجلة القصة ، بعد أن التقيت به مرة في أواخر العام 1964 عندما كنت أبحث عن مقعد في إحدى جامعات القاهرة.
وفي أواخر العام 1964، أنهيت الدراسة الثانوية، وذهبت إلى القاهرة للدراسة في الجامعة. كنت أريد الحصول على مقعد في كلية الآداب لدراسة اللغة العربية وآدابها، فلم أفز بما أردت، وحصلت على مقعد في كلية الحقوق بجامعة عين شمس . لم أذهب إلى الجامعة سوى بضع مرات، ولم أدرس مثل سائر الطلبة، وقدمت الامتحان النهائي للسنة الأولى، فكانت النتيجة أنني لم أنجح في شيء سوى مادة المجتمع العربي. كنت أعرف أنني لن أفلح في دراسة لا أرغبها، ومع ذلك لم أفكر جديا بالعودة إلى الأردن، بسبب إغراءات الحياة في القاهرة التي لم تكن لدي طاقة لمقاومتها، وعلى رأس هذه الإغراءات الأجواء الثقافية الرحبة، خصوصا أن هذه الأجواء كانت في عصرها الذهبي في أواسط الستينيات، من مسرح، سينما، ندوات، محاضرات، لقاءات أدبية وفنية في المقاهي الشعبية، موالد، مغامرات عاطفية ودراسية، جولات متصلة عند سور الأزبكية الشهير بمعروضاته من الكتب الرخيصة المستعملة، واستكشاف لعوالم نجيب محفوظ في سيدنا الحسين والسيدة زينب والغورية وباب اللوق وخان الخليلي والعتبة والدرب الأحمر وغيرها. وقد أمضيت عامين في القاهرة، راسلت خلالهما صحيفة عمّان المساء الأسبوعية، ومجلة الأفق الجديد .
كانت الحياة في مصر مرحلة غنية، أضافت إلى معرفتي وثقافتي الكثير. وساعد في تعميق ذلك، العمل في التدريس والمشاركة الفعلية مع المقاومة الفلسطينية قبل العام 1970.
فقد عملت في العام 1967، مدرسا للغة العربية في مدرسة الروم الكاثوليك للبنين في الزرقاء. وعملت في المدرسة الوطنية الأرثوذكسية، وكذلك في الكلية الوطنية البطريركية التابعة لطائفة اللاتين في المصدار بعمان. لقد استمر عملي في التدريس حتى العام 1980، عندما تفرغت للعمل في الصحافة، وحصلت على عضوية نقابة الصحفيين الأردنيين، غير أنني فصلت من عملي حتى ذلك الحين، بسبب آرائي ومقالاتي ومواقفي سبع مرات، منها الفصل من مدرسة الروم الكاثوليك، والفصل من المدرسة الأرثوذوكسية، والفصل من الكلية البطريريكية، والفصل من جامعة اليرموك عندما عملت في دائرة العلاقات الثقافية في العام 1977، والفصل من صحيفة الرأي في العام 1978، والفصل من شركة الإنتاج التلفزيوني في العام 1987، والفصل من صحيفة الرأي ثانية في أواخر عام 1988، وتكرر الفصل بعد ذلك ما لا يقل عن أربع مرات! وأصبح مجموع حالات الفصل أكثر من عشر حالات.
* كاتب أردني