بوح القرى .. كتابة وتصوير مفلح العدوان
جئتها غير مرة..
فهذه ليست الزيارة الأولى لأم الرصاص، التي استقبلتني في ظروف مختلفة، حيث كنت آتيها أحيانا مرورا بمأدبا، وقدوما إليها، وأحيانا أخرى آتيها من جهة الطريق الصحراوي، ولكني أصلها، دائما، وأنا معبأ بالتوق إلى اكتشاف نواميس تفاصيلها، ومعرفة المحتجب من ذاكرتها.
هذه المرة طرقت باب البلدة وبرفقتي صديقي المهندس عكرمة غرابية، ومعه ابنه ورد، وكان بيني وبينه اتفاق قديم على هذه الزيارة المشتركة، ولم يتحقق الوعد أكثر من مرة، لكن الصدفة هي التي جمعتنا على درب واحد هذه المرة، فتحققت الرحلة بسبب من مشروع عكرمة الذي هو في جزء منه ترميم لموقع أم الرصاص الأثري، وبناء مركز الزوار في هذه القرية، والجزء الثاني هو نيتي التي رسخت في كتابة بوح القرى حول هذه القرية التي كانت حصنا قديما، وخربة عتيقة، ومجمع كنائس.
لحظة الغروب
أخذتنا الطريق إلى أم الرصاص..
الوقت كان بعد العصر بقليل، وكان لا بد لنا من الوصول في الفترة الحائرة بين النور والظلام إلى تلك المدينة التي تبعد 60 كيلومترا جنوب عمان، وثلاثين كيلومترا جنوب شرق مادبا.
هذا الإصرار على الوصول إلى أم الرصاص قبل مغيب الشمس، كان بسبب رغبتي في رؤيتها في هذا الوقت، وتصويرها مع لحظة الغروب، حيث الكنائس، والبرج، والحجارة العتيقة، والدروب المشربة بالحكايات، والفسيفساء.
كل تلك المعالم أحسستها تنتظرني لألمح تغيراتها لحظة غياب الشمس.. يا لتلك اللحظة ما أعمق دلالاتها حين يكون المشتاق لماحا لها، من على أقرب حجر إلى السماء في برج أم الرصاص.
الحدود دخلت القرية..
تمشيت بين الآثار، وجلست مع أهلها الطيبين، وعاينت دروبها، ومرّ المساء سريعا.
جلست مع العاملين في المشروع الأثري، وكان هناك تجمع لمناسبة في ديوان أهل القرية، حيث رافقني المهندس عكرمة، وكان دليلنا شابا من أم الرصاص هو نيف المور، وحين التقينا أهل القرية الطيبين امتد التاريخ أمامنا، وأخذت أدوّن بعض تفاصيل الاستقرار، والأبعاد الاجتماعية لأم الرصاص من خلال أحاديث كل من الشيخ محمد ظبعان خلف المور الهقيش (أبو صخر)، والحاج محمد سليم النيف الهقيش (أبو أحمد)، والحاج خالد توفيق النيف الهقيش (أبو فراس)، ولافي كاسب النيف الهقيش (أبو ماجد).
كانت ذاكرة متعلقة بالمكان والإنسان، تمتد إلى التاريخ والجغرافيا، فكتبت ما استطعت من التقاطه منهم، لكن قبل تدوين ذاك البوح، كنت قد دونت بعضا من سيرة المكان مما استخلصته من الكتب القديمة.
لكن قبل العودة إلى تلك الكتب التي شكلت لي أرضية معرفية حول المكان، أشير هنا إلى حدود أم الرصاص كما أملاها علي كبار القرية حيث أنهم قالوا بأنه ''يحد أم الرصاص من الشرق المصيطبة، ورجم العقاب، ومن الغرب المشيرفة وقرية عليان، ومن الشمال أبو حليليفه، ورجم فهيد، ومن الجنوب الغربي جميل، ومن الجنوب الشرقي ساليه''.
نواويس رصاصية
أما بالنسبة لاسم القرية، ومعناه، فإن كبار أم الرصاص يقولون أنهم لم يعرفوا القرية إلا باسم أم الرصاص، ''هذا من على دور اجدودهم الأولين''.
ولكن بالنسبة لتسمية القرية، فهناك جوانب يمكن إضاءتها من تلك المعاني والتفصيلات، التي ترد في بعض الكتب، مثل ما أشار له الدكتور مفلح الفايز في كتابه ''عشائر بني صخر/ تاريخ ومواقف/ حتى سنة 1950م''، حيث قال بأن ''قرية أم الرصاص، اسمها القديم كاسترون- ميفعة، وفيها آثار لاثنتي عشرة كنيسة بيزنطية(هناك مقولات أخرى تشير إلى 15 كنيسة أو 16 كنيسة، لكنها كلها تجمع على كثرة عدد ا لكنائس فيها)، اكتشف منها ست كنائس أشهرها كنيسة القديس اصطفان التي تعود إلى عام 785م، وتتميز بأرضيتها الفسيفسائية الرائعة، وفي أم الرصاص أيضا آثار كنيسة بيزنطية، وبرج للمراقبة لا يزال قائما إلى اليوم ويقع إلى الشمال من كنيسة القديس اصطفان''.
وعن دلالات الاسم، ومعانيه، يقدم المطران سليم الصائغ في كتابه '' الآثار المسيحية في الأردن''، تحليلا مقنعا، يغطي جانبا من التفسير حيث يقول: '' لا يعرف أحد من أين استمدت (أم الرصاص) اسمها العربي هذا. فالبعض يعتقدون أن البدو أسموها بهذا الاسم نسبة لبعض النواويس الرصاصية التي عثروا عليها بين الأنقاض، والبعض يقولون بأن فعل (رصّ) يعني ضم الأمور بعضها إلى بعض، وأن أم الرصاص سميت بهذا الاسم نسبة إلى جدرانها المتراصة والمتقنة البناء.
أما اسمها القديم فلم يعرف عنه شيء في بادئ الأمر. وفي أواخر القرن التاسع عشر ارتأى عالم الآثار جرمير- ديران أن تكون خربة أم الرصاص، (ميفعت)''.
وهو يثبت هذه التسمية بسبب ورود ذكرها في الكتاب المقدس، كما أنه قد أثبتت الكتابات التي عثر عليها في الكنائس أن اسمها القديم ميفعت.
ويكمل المطران سليم الصائغ أنه '' في منتصف القرن الرابع ذكر اوستابيوس في فهرسه الجغرافي (الأونوماستيكون) أن وحدة من الجيش الروماني مستقرة في ميفعت على حدود الصحراء''.
قرية من أرض البلقاء
كما أن المهدي عيد الرواضية في الجزء الثاني من ''مدونة النصوص الجغرافية لمدن الأردن وقراه''، يشير إلى ذكر ميفعة(أم الرصاص في الوقت الحاضر)، في الكتب القديمة حيث يورد بأنه '' ذكرها أبو عبيد البكري( في معجم ما استعجم) بعد ضبطها بالحرف: قرية من أرض البلقاء من الشام. ولما بلغ زيد بن عمرو بن نفيل خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل من الشام يريده، فقتله أهل ميفعة.
ولم أجدها عند ياقوت فلعلها سقطت من النسخ المعتمدة في التحقيق، والدال على هذا أن مؤلف كتاب مراصد الاطلاع- وهو اختصار لمعجم ياقوت- قال: قرية من أرض البلقاء من الشام. ولعلها هي ذاتها ما عناه ابن الجنان في شعره: والله ما علمت نفس لما خلقت.
ولا درى بمكان الحتف من حتفا
كم حافر قبره في رأس ميفعة
وقبره في حضيض قد نجفا''
بيركهارت..تريسترام..سترانج
أما عند الرحالة والجغرافيين فيورد الدكتور أحمد الخطيمي في كتابه بلدانيات الأردن، رصدا لذلك حيث يورد بأنه في الجزء الثاني من رحلات بيركهارت تمت الإشارة إلى أم الرصاص بالقول أنه '' وعلى بعد حوالي ثماني ساعات من جنوبي عمان وجنوبها الشرقي مدينة أم الرصاص الخربة التي تعتبر حسب البيانات ذات مدى واسع، وتحتوي على مبان كبيرة''..
كما ذكرت في رحلات في شرق الأردن عام 1872م للرحالة هـ. ب تريسترام على هذا النحو: '' نظرنا إلى البعيد، فرأينا هدفنا الذي نتوق إليه، متميزا ببرج مربع طويل مشاد فوق السهل، تحيط به مجموعة كبيرة وكثيرة من الأطلال الدارسة التي تتوج سلسلة جبلية تمتد إلى الجنوب، إنها (أم الرصاص)، وهي مدينة مربعة واسعة ذات بناء متين، وهي أكثر آثار متكاملة رأيناها حتى الآن، فجدران المدينة القديمة لا زالت سليمة بكاملها من الأذى، وكلما اقتربنا إليها من جهة الغرب ازدادت بهاء وجمالا واكتمالا''.
وترد إشارة سريعة لها عند لي سترانج في كتاب فلسطين في العهد الإسلامي بقوله ''إحدى قرى منطقة البلقاء في سورية''.
فرقة الفرسان
ولكن قبل الدخول في تفاصيل المكان والإنسان، وتتبع سيرة الآثار في أم الرصاص، لا بد من محاولة الإجابة على سؤال ''أقدمية'' المكان، وما هي أبعد ذاكرة في العمق له، وإلى أي زمن تعود هذه القرية العتيقة؟.
هنا يمكن العودة مرة أخرى إلى المطران سليم الصائغ، حيث يقول في كتابه:'' يعود تاريخ البلدة إلى أكثر من ألف سنة قبل المسيح، ولكن متى نشأ معسكر ميفعت؟ لا شك أنه أحد المواقع الذي أقامته الدولة الرومانية على الحدود الصحراوية للدفاع والحماية وفقا لسياستها ومنهاجها. أما تاريخ نشأته فقد كشفت عنه أعمال الحفر والتنقيب، وبينت أن المعسكر من أصل مسيحي نشأ في أغلب الظن بعد عهد قسطنطين الملك الذي أنهى عهد الاضطهاد وأعطى الكنيسة شرعيتها وحريتها. وإنه كان يعسكر فيه فرقة من الفرسان الاحتياطيين المحليين، الذي كانوا يتقاضون راتبا تقاعديا عاليا نظرا لما قاموا به من خدمات جليلة في الجيش الروماني. وقد أعطى المعسكر صفة عسكرية للبلدة برمتها، ويعتقد بعض العلماء والمؤرخين بأن المعسكر كان لقبيلة عربية احتياطية كانت في خدمة الجيش الروماني ثم تحولت بعد الفتوحات العربية إلى خدمة الأمويين في القرن السابع والثامن''.
ويشير إلى قوة ميفعت(أم الرصاص) العسكرية، في العصور القديمة، فريدريك ج بيك في كتاب ''تاريخ شرقي الأردن وقبائلها'' حيث يشير إلى فترة الأنباط، والحرب مع هيرودس، حيث يقول:'' جرد هيرودس جيشا عظيما نحو الأنباط كان نصيبه الظفر في المعركة الأولى التي وقعت عام 32ق.م، ولكنه انخذل بعد ذلك في واقعة كاناثا. ثم جمع جيوشا جديدة وسيرها إلى شرقي الأردن وانتصر على الأنباط وفتك بهم قرب فيلادلفيا(عمان)، واضطرهم إلى الهجرة من جنوب بيريا لكنهم لم يخرجوا من أم رصاص(بجوار مادبا)، يدل على ذلك ما اكتشف فيها من النقوش والكتابات النبطية التي يرجع عهدها إلى عام 39ب.م''.
ســـيرة قريـــة
تقع أم الرصاص على مسافة 30 كم جنوب شرق مدينة مأدبا، وعلى بعد 60 كم جنوب عمان، وهي تتبع إداريا إلى قضاء أم الرصاص، من لواء الجيزة في محافظة العاصمة.. وتقع ضمن أراضي بلدية أم الرصاص.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان أم الرصاص 359 نسمة(172 ذكورا و 187 إناثا)،يشكلون 53 أسرة، تقطن في 62 مسكنا، هذا بحسب سجلات دائرة الإحصاءات العامة/ التعداد العام للسكان والمساكن 2004.
ويعمل أهالي قرية حسبان في الزراعة، وتربية المواشي، والعمل الحكومي والقوات المسلحة.
التربية والتعليم:
يوجد في أم الرصاص مدرستان هما مدرسة أم الرصاص الثانوية للبنات، ومدرسة أم الرصاص الأساسية للبنين( التدريس فيها حتى الصف العاشر).
الصحة:
يوجد في أم الرصاص مركز صحي أولي.
المجتمع المدني:
يوجد في القرية جمعية المحافظة على آثار أم الرصاص، وجمعية أم الرصاص التعاونية، ومكتب تنمية أم الرصاص، وجمعية تربية النعام التعاونية.
* يوجد في أم الرصاص مديرية القضاء، ومركز دفاع مدني، وبلدية أم الرصاص، ومكتب بريد، ومركز زوار أم الرصاص، وجامع أم الرصاص.
ام الرصاص.. حصن (ميفعت) (1-3)
12:00 26-8-2008
آخر تعديل :
الثلاثاء