العطر.. قصة قاتل

العطر.. قصة قاتل

إيمان مرزوق - مذ بدأت قراءة هذه الرواية، وأنا أعاني فرط حاسة الشم! بات أنفي يلتقط أخفى الروائح! وبدأت أستشعر عظمة الله في خلقه، وأتساءل: على أي حال سيعيش الإنسان لو كان بمقدور أنفه أن يميز ويشم كل الروائح في هذه الدنيا! لقد كتب زوسكيند هذه الرواية فتجاوز ما كتبه الإبداع إلى العبقرية، كثيراً ما نقرأ كتباً وروايات ونعجب لجمال لغتها التي قد تبدو لغة شاعرية، أو غنية بالصور المرئية والتشكيلية، أو مغرقة في الرمزية، أما أن تقرأ رواية بلغة (شميَة) فهذه عين العبقرية! تحكي الرواية قصة جان باتيست غرنوي هذا المخلوق الذي ولد في زحمة السوق الخانقة وتحديداً تحت طاولة تنظيف السمك! حيث وضعته والدته وهربت! لتتلقفه دور الرعاية.
لم تكن بنيته الهزيلة أو شكله القميء أو عرجه أو قدرته على تحمل ساعات العمل الشاق كصبي عامل في دباغة الجلود، أو إصراره على الحياة رغم كل الأمراض القاتلة التي أصيب بها هي ما يلفت الأنظار إليه، فهذا الصبي غرنوي يمتاز بأنف مرهف يمكِنه من تمييز كل الروائح على اختلاف نوعها وقوتها وبُعدها، وإن جاز التعبير فإن غرنوي كان يرى بأنفه وليس بعينيه. فقد كان يستدل على طريقه في الظلام الدامس، ويمشي دون أن يتعثر معتمداً على أنفه الذي يميز رائحة الجدران والحجارة والأشجار والحيوانات والبشر وكل شيء! فهو يعرف محتويات غرفة مغلقة من خلال الروائح التي تصل أنفه عبر الجدار فيتبين له عدد الأشخاص فيها ونوع الأثاث ونوع الطعام الذي يتناولونه وهكذا حتى يصل لأدق التفاصيل التي كان يدركها عبر أنفه.
أراد غرنوي أن يتعرف عن قرب على طرق استخلاص الروائح فيضع خطة ناجحة تمكنه من الانتقال إلى العمل كصبي عطار وهناك تعلم استخلاص العطور من أنواع الأزهار والأخشاب وغيرها وبالطرق المختلفة مثل التقطير والغلي، (وهنا يقدم الكاتب تفصيلات دقيقة ومذهلة عن عالم صناعة العطور من حيث أسماء النباتات والأزهار والزيوت وطرق استخلاصها وخصائصها).
أصبح غرنوي قادراً على تحليل أي رائحة إلى مكوناتها الأصلية وبهذا أمكنه تقليدها وإعادة إنتاجها وكان يملك في مخيلته مصنعاً للروائح المبتكرة التي يكونها بنسب دقيقة. إلا أن هذا المخلوق القادر على تمييز وابتكار الروائح كان عديم الرائحة! لقد حاول أن يكتشف رائحته.. عبقه الخاص كإنسان لكنه لم يفلح! حاول العثور على هويته الروائحية لكنه فشل فشلاً ذريعاً وهذا ما دفعه لتركيب عطر بشري يسبغه على نفسه لتكون له رائحة البشر! وتمادى في ذلك لصنع عطور ذات عبق بشري ولكل من هذه العطور مفعول مختلف فمنها ما يعطي انطباعاً بشخصية الذليل المسكين البريء، ومنها ما يعطي رائحة منفرة كريهة، ومنها ما يعطي إحساساً بالرغبة والقبول، وقد كان غرنوي يستخدم هذه الروائح المبتكرة للتخفي أو التنكر وكأنها ثياب يلبسها ويبدلها حسب حاجته! إلا أن هوسه الأكبر كان بعبق ساحر ملك عليه كل حواسه إنه عبق الفتاة ذات الشعر الأحمر في شارع دي ماري التي تتبع رائحتها حتى وصل إليها وقتلها! لتكون أولى ضحاياه من الفتيات العذراوات الفاتنات اللواتي دخلن طور البلوغ للتو. كان يقتلهن ليستخلص عبقهن الساحر ليكوِن ذلك العطر الآسر الذي سيمكنه من السيطرة على العالم! تتوالى الأحداث بإيقاع متسارع ومشحون بالغرابة والتشويق الذي يجعلك عاجزاً عن ترك صفحات الرواية في جزئها الأخير وأنت تتوق لمعرفة ما سيحدث! يختم زوسكيند روايته الفذة بنهاية تحبس الأنفاس نهاية مشوقة وغير متوقعة.
لن نفوت عليكم متعة اكتشاف هذه الأحداث بتفاصيلها وخاتمتها التي تحمل بين ثناياها الكثير من المعاني عن هوية الإنسان ووجوده وسعادته وبقائه وغيرها الكثير مما يمكنك تلمسه أو بالأحرى شمه من خلال العطر رائعة زوسكيند.

 


باتريك زوسكيند

* كاتب روائي ألماني ولد عام 1949.
* من أشهر أعماله رواية العطر، التي حولت إلى فيلم سينمائي شهير.
* ولد باتريك زوسكيند في مدينة أمباخ الألمانية. وكان والده فيلهلم إيمانويل زوسكيند كاتباً ومترجماً.
* درس التاريخ في جامعة ميونخ، في الفترة من عام 1968 حتى 1974. عمل بعد ذلك في أعمال وأماكن مختلفة، وكتب عدة قصص قصيرة وسيناريوهات لأفلام سينمائية. ولم يكن يعطي أحاديث صحفية إلا نادراً، وكان يفضل العزلة والاختباء من أضواء الشهرة، وكذلك كان يرفض قبول جوائز أدبية كانت تمنح له، مثل جائزة توكان. وفي ليلة العرض الأول لفيلم العطر المأخوذ عن روايته، لم يحضر زوسكيند!
* عام 1987 حصل زوسكيند على جائزة جوتنبرج لصالون الكتاب الفرانكفوني السابع في باريس. وهو يعيش حالياً ما بين ميونخ وباريس متفرغا للكتابة.
* تعد رواية العطر أشهر أعمال باتريك زوسكيند، وقد ترجمت إلى حوالي 46 لغة، وبيع منها ما يقرب من 15 مليون نسخة حول العالم. وحولت في عام 2006 إلى فيلم سينمائي أخرجه المخرج الالماني توم تايكوير.
* كانت بداية شهرة زوسكيند عام 1981، حين عرضت مسرحية عازف الكونترباس ، وهي مونودراما من فصل واحد، وقد عرضت في الموسم المسرحي لعامي 1984\1985 أكثر من 500 عرض، وتعتبر بذلك أكثر المسرحيات عرضاً في تاريخ المسارح الناطقة بالألمانية، وتعتبر كذلك من أهم المسرحيات في المسرح العالمي.
* من أعماله عازف الكونترباس (1981)، العطر(1985)، الحمامة (1987)، ثلاث قصص (1995)، عن الحب والموت (2006).