أ. د. حميد مجول النعيمي
الخلاصة :.
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ).
سورة البقرة/ 189.
إستنادأ إلى آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ذات العلاقة برؤية الهلال لأغراض الأشهر الهجرية وبخاصة رمضان وشوال وذا الحجة ، لابد لنا من الاعتماد على رؤية هلال القمر (Crescent) وليس محاق القمر(القمر الوليد New Moon)، أي تحدد بدايات الأشهر الهجرية باليوم الذي يلي رؤية هلال القمر، وهذا لا يتحقق إلا بعد لحظة ولادة القمر (المحاق) بمدة لا تقل عن 15 ساعة ويصبح القمر هلالاً بالنسبة لسكان الأرض وعلى بعد زاوي مناسب من الشمس لا يقل عن 6 درجات قوسية في حالة الرؤية بالعين المجردة واقل من ذلك بحدود درجتين،أي العمر بحدود 12 ساعة بالنسبة لأجهزة الرصد والكاميرات الإلكترونية الحديثة. وبذلك نقترح: اعتبار اليوم الأول من الشهر الهجري هو اليوم التالي ليوم تحقق فيه شرط عمر القمر بعد الولادة بمدة زمنية لا تقل عن 12 ساعة وهي اٌقل مدة زمنية لرؤية الهلال بالأجهزة الفلكية البسيطة تحت ظروف أرصاد فلكية جيدة جداً (بعيداً عن التلوث الضوئي والصناعي وفي مناطق جبلية مرتفعة)، فضلاً عن تحقق البعد الزاوي المناسب بين الشمس والقمر لا يقل عن 5 درجات قوسية، ونتوقع عند تطبيق هذين الشرطين يكون الاختلاف أقل ما يمكن وبذلك نكون حددنا بداية الشهر شرعياً وفلكياً.
أولاً:- المقدمة :.
ننطلق بمقالنا هذا بأن الإسلام منطلق ثوري رائد، ودافع للعلم عامة، ولعلوم الفلك خاصة، وراسم منهاجا علميا دقيقا للمسلمين، لأجل الغوص في هذا العلم،والتبحر فيه بغية تقديم المنفعة العامة للمسلمين في تأدية فروضهم ومناسكهم من جهة، والتفكير في خلق السموات والأرض، وتعزيزا لإيمانهم بالله سبحانه من جهة أخرى.
والذي دفعنا إلى التفكير في إعداد هذا المقال هو:.
ما عليه حال الأمة الإسلامية من الاختلاف في تعيين أوائل الشهور العربية الهجرية بين الدول الموزعة على سطح الكرة الأرضية، وبخاصة عند تعيين مواقيت المواسم الإسلامية المتصلة بالعبادات (رمضان وشوال وذي الحجة وربيع الأول وبداية العام الهجري (محرم))، إذ يبدو هذا الاختلاف واضحا بين حين وآخر، لدى الأمة الإسلامية، وهي الأمة المعروفة بعراقتها في التقاويم والمشهورة بريادتها في علوم الطبيعة والرياضيات والفلك وغيرها، وما زالت بصماتها واضحة إلى يومنا هذا في مجالات هذه العلوم. وقد يكون الاختلاف طبيعيا، بسبب تباعد المواقع الجغرافية على سطح الأرض، وفي ذلك شيء من المنطق، لا غبار عليه، ولكن عندما يكون الاختلاف نتيجة عدم دقة الحساب، أو التوهم بالرؤية، أو استخدام مفاهيم مختلفة للمحاق والهلال، فذلك أمر يجب الاحتياط له والأخذ بأسباب العلم وسيلة لتوثيقه واعتماده.
ثانياً: دور علم الفلك في تحديد موقف فلكي لا يتناقض مع الشرع والفقه الإسلامي معا إزاء رؤية الهلال في إثبات أوائل الشهور الهجرية.
إن حساب ولادة الهلال وحساب موقعه في أي لحظة مطلوبان دائما وفي أي مكان في العالم، وهذا النمط من الحسابات الفلكية ممكن ومتاح تماما وبدقة لا يرتقي إليها الشك من الناحية العلمية التطبيقية، وما زال العديد من الأمم في يومنا هذا يتخذ الأشهر القمرية أساسا في تقاويمه والمسلمون منهم على نحو خاص. إذ ترتبط أغلب العبادات والمناسبات الدينية ارتباطا وثيقا بالأشهر القمرية كالصيام،كما ورد في سورة البقرة/185: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( والحج في البقرة /197: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ( إلا أن معضلة تحديد أول يوم في رمضان أو عيد الفطر مثلا تبقى مغلقة فقهيا برؤية الهلال بالعين المجردة، فبعض المسلمين (في بعض الأقطار) قد يوفق إلى رؤية الهلال وبعضهم (يشتبه) في رؤيته ومنهم من لا يتمكن البتة من رؤيته وبذلك يحصل الاختلاف في (توقيت) بداية رمضان أو عيد الفطر، مع أن ولادته قد سبقت رؤيته في واقع الحال في كثير من المواقع وفي كثير من الأحيان معا. إذ إن المتتبع لحركة القمر يشاهد وجهه المضيء يتغير بين ليلة وأخرى، فخلال الشهر القمري الواحد نشاهد تقدما منتظما لهذا التغير. يبدأ من محاق إلى هلال متزايد ثم تربيع أول وأحدب ممتلئ (متزايد) والى بدر ثم إلى أحدب متآكل (متناقص) وتربيع ثالث وأخيرا هلالا متناقصا والرجوع إلى المحاق كما يأتي تفصيلاً:.
عندما تسقط أشعة الشمس على سطح القمر تضيء جزءاً منه نتيجة لانعكاس الأشعة من ذلك الجزء (كذلك الحالة بالنسبة للكواكب السيارة الأخرى) فعند حصول المحاق (ولادة الهلال) يكون موضع القمر في تلك اللحظة يبن الأرض والشمس ويكون وجهه المظلم مواجهاً الأرض فلهذا السبب لا يمكن رؤيته ولكن بعد هذا الموضع بمدة، يكون ما يسمى بالقمر الوليد وعندئذ يبدو على شكل خيط رفيع إن كان ارتفاعه عن الأفق مناسباً عند الغروب، وبعد عدة ليالٍ يتحرك إلى ناحية الشرق ويشاهد في هذه الحالة على شكل هلال رفيع في الجزء الغربي من السماء بعد غروب الشمس بقليل، وما أن يستغرق في حركته أسبوعاً واحداً تقريباً حتى يصبح على هيئة نصف قمر، فيسمى هذا الطور بالتربيع الأول، ثم يستمر في نموه أثناء حركته إلى أن يصل طور البدر أي بعد أسبوعين تقريباً من لحظة المحاق. عند ذلك يظهر القمر في وقت غروب الشمس نفسه تقريباً (أي يغرب عند شروق الشمس ويشرق عند غروبها) وبعد حركته من هذا الطور تبدأ زاوية نورانيته السطحية بالتقلص من جانبه الشرقي، ويدعى هذا الطور بالتربيع الثالث أو الأخير، ثم تستمر إضاءته بالنقصان إلى أن يصبح هلالاً مرة أخرى ويظهر قبل شروق الشمس بقليل عند الفجر ولكن شكله يكون باتجاه معاكس لشكله عندما يظهر في أول أيامه بعد المحاق، وهكذا إلى أن يتلاشى ويعود إلى موقعه الأول (المحاق) وبعد ذلك يولد الهلال الرفيع الذي نشاهده غرباً عند غروب الشمس والذي يشير إلى بداية دورة شهرية اقترانية أخرى.
في الجانب التعبدي، يواجه المسلمون مشكلة تحديد أول شهر رمضان وآخره(أول يوم عيد الفطر) ولا يواجه مثل هذه المشكلة في تحديد غرة أشهر الحج، وحرية تحديد موعد (عبادة) الزكاة مفتوحة على الرغم من ترجيح شهر (رجب) عند عامة الناس في بعض البلدان، أما الشهادتان فمفروضة في كل (حين) على أي معنى كانت: الدقيقة والساعة واليوم.. الخ، يظهر دور علم الفلك في مسألة تحديد موقف علمي ولا يتناقض مع الشرع والفقه إزاء رؤية الهلال على نحو عام ففي بعض البلاد الإسلامية يتم تعيين أوائل الأشهر القمرية بالحساب حيث تقيم حساباتها على أساس وقت المحاق (ولادة القمر) وعندها تعلن أول الشهر القمري، وفي بلاد أخرى تعتمد الزمن الذي يمكن أن يرى فيه الهلال، وعندها تعد الأيام التي تلي أيام الرؤية أول الشهور المذكورة، وهناك بلاد إسلامية أخرى(تركيا، مثلا) تعتمد على قرار لجنة فقهية في أحد المؤتمرات الإسلامية الذي عقد في مدينة اسطنبول عام 1978 بشأن تحديد ظروف الرؤية (رؤية الهلال) تحت الشروط الآتية:.
أن لا تقل زاوية ارتفاع الهلال عن الأفق في لحظة غروب الشمس عن خمس درجات.
أن لا يقل بعد القمر الزاوي عن الشمس عن (7) درجات.
وعندما تظهر هذه الشروط في حساباتهم، أو أكثر من ذلك يتم عد اليوم التالي ليوم هذه الشروط هو بداية ذلك الشهر القمري. أكد هذه الشروط الأستاذ الماليزي الدكتور محمد الياس حيث قدر ظروف جودة الرؤية (رؤية الهلال) بعمر يبلغ 22 2 ساعة كما أعدت دراسات عديدة في هذا المجال منها الدراسة التي أعدها أ.د. حميد مجول النعيمي وجماعته عام 1978، إذ طوروا شروط اللجنة الفقهية لمؤتمر اسطنبول ضمن أربعة احتمالات لزاويتي ارتفاع الهلال عن الأفق وبعده عن الشمس وقد انتظمت الاحتمالات كالآتي:.
(رؤية مستحيلة، رؤية صعبة، رؤية متوسطة، رؤية جيدة) وحسبوا ظروف الرؤية لخمس مدن إسلامية روعي في اختيارها التوزيع الجغرافي في العالم الإسلامي (مكة المكرمة وبغداد واسطنبول ومراكش وجاكرتا) وعدوا اليوم الذي يلي يوم ظروف الرؤية الذي تتحقق فيه الاحتمالات أعلاه عدا احتمال: رؤية مستحيلة، أول يوم من ذلك الشهر القمري. وقد تمكن مؤخرا الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك بإعداد تقويم هجري يعتمد كليا على الرؤية الفعلية بالعين المجردة، أي إذا شوهد الهلال بالعين المجردة بعد المحاق فعد اليوم التالي للمشاهدة هو أول الشهر الهجري وان لم يشاهد فيكمل عدة الشهر ثلاثين يوما. أما تقويم أم القرى ((المدني)) فيعتمد المحاق، أي ولادة القمر قبل غروب الشمس وغروبه بعد غروبها، وفي هذه الحالة يعد اليوم التالي بداية الشهر من دون اخذ الرؤية بنظر الاعتبار. وللمقارنة بين الاثنين نجد الفرق كبيراً قد يكون يوماً أو يومين، وللتوافق بينهما اقترح النعيمي في المؤتمر الفلكي الإسلامي الرابع للاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك اعتماد ولادة القمر قبل شروق الشمس، واعتبار اليوم التالي أول يوم الشهر(أي لا يقل عمر القمر عن 12 ساعة وبعده عن الشمس 5 درجات عند أخذ الأجهزة الفلكية بعين اعتبار).
إن احتمال أن يكون الفرق بين مدينتين إسلاميتين مدة من يومين قمريين من أيام الشهر الاقتراني هو احتمال ضعيف إلا أنه ليس مستحيلا إذا تباعدت المسافة بينهما بين اتجاهين متناقضين. كما أن فرصة توالي عدة أيام (حتى أربعة أيام) بمعدل 30 يوما في الشهر القمري لكل منهما، هو الآخر ليس بعيدا، بل ممكن في مدينة واحدة وأن محاولة جعل يوم ولادة القمر يوما منتظرا أو واحدا في (كل) البلاد الإسلامية يعد ضربا من المستحيل عمليا حسب خطوط الطول Time Zone.
ثمة سؤال لا يخلو من براءة السائل! وهو : ما الحكمة من التوسل بالشهر القمري المضطرب على حساب الشهر النجمي (الشمسي) المستقر نسبيا؟ ولقد حشرنا كلمة (المضطرب) مقابل صفة (المستقر) على سبيل التمثيل المجازي بالواقع الحسابي المتعدد في الأشهر القمرية بالطبع. أما الجواب فلن يكون واحدا أو محصورا بمعلومة معينة أو بعينها، مع ذلك فإن الجانب الفيزيائي منه يؤكد قدم الشهر القمري على الحداثة النسبية للشهر الشمسي بسبب سهولة متابعة متغيرات شكل القمر وتحديد التوقيت الملازم لكل منهما، وهو في آخر الأمر ذو علاقة بالأرض والشمس معا، وأن القمر نفسه بازغ في الليل ملفت للنظر بنوره المتغير (هو الآخر) في الشدة ولكن في الجانب النفسي والفكري والروحي فإننا نرى أن التطلع إلى الشمس مباشرة متعذر لسطوعها الباهر، إنما التطلع لضيائها على الأرض وفي الأرض وآثاره الممكنة وهي (آية) كما القمر مما نعلم، إلا أن التطلع إلى القمر يعني التطلع إلى السماء وهذا يعني التفكر بخلق الله العظيم وملاحظة النجوم والكواكب، فضلا عن القمر، وبأشكالها الجمعيّة والهندسية والصورية المتخيلة الجميلة فيزداد المؤمن إيمانا ويتعمق العالم علما ويفيض المتأمل حكمة، فالنظر إلى فوق لا يوازيه النظر إلى أسفل، إلا في الجانب الغائي، وما سوى ذلك فمختلف والله أعلم! ولكن على الرغم من ذلك، فليس من المتعذر المعالجة الحسابية في تحويل التاريخ من اليوم القمري إلى التاريخ باليوم الشمسي، في أي مرحلة كانت، وبالعكس وعلى نحو دقيق أيضا، أي أن القيمة المعرفية الثنائية متاحة تماما، كما لو قلنا إن التاريخ الميلادي (1/09/2008 م) يقابل (1 رمضان 1429 ه) الاثنين في مدينة أبو ظبي، ولكن كيف تحدد أول يوم في شهر رمضان هذا أو آخره؟! نقرأ ما سبق كله ولا نتردد!.
ثالثاً: تعريف الهلال فلكياً.
يصبح القمر هلالاً عندما يكون في موقع هندسي مناسب بالنسبة للأرض ليصبح جزءاً من سطحه قادراً على عكس ضوء الشمس الساقط عليه إلى الأرض، ويتحقق هذا عندما يكون عمر القمر أكثر من 15 ساعة بالنسبة للرؤية بالعين المجردة وبحدود 12 ساعة بالنسبة للرؤية بالتلسكوبات وقد يكون أقل من ذلك عند استخدام أجهزة الرصد والتصوير الإلكترونية الحديثة في حال توافر شروط الرؤية الجيدة (نقصد بعمر القمر المدة الزمنية بين لحظة ولادة القمر (المحاق / القمر الوليد) وغروب الشمس) ولأجل رؤيته بالعين المجردة لابد أن يبتعد عن الشمس بزاوية 6 درجات تقريباً. إن وجود القمر بعد لحظة الولادة (المحاق) لا يعني أو ليس بالضرورة بان يكون هلالاً لكي يرى بالعين المجردة من على سطح الأرض لأن المحاق لن يرى من الأرض إطلاقاً. لذلك فان بعض الدول تعد القمر هلالاً بعد ولادته مباشرةً (أي بعد لحظة المحاق) وبالتالي تحدد أول يوم الشهر الهجري باليوم الذي يلي الولادة مباشرةً من دون أخذ الرؤية بنظر الاعتبار، ودول أخرى تعد القمر هلالاً إذا تحقق شرطان هما، إذا ولد القمر قبل غروب الشمس وغرب بعد غروبها، ودول ثالثة تعد القمر هلالا إذا ابتعد القمر بعد لحظة المحاق بزاوية مناسبة عن الشمس بحيث يصبح قادراً على عكس ضوء الشمس إلى الأرض (أي يصبح بالفعل مرئياً للمشاهد) وهي الطريقة الصحيحة فقهياً وفلكياً لرؤية الهلال. ولهذه الأسباب نجد الاختلاف في تحديد بداية شهري رمضان وشوال يصل أحيانا إلى أربعة أيام مثل ما حصل في رمضان 1426 ه وعيد الفطر 1428 ه، وغالباً يصل الفرق إلى ثلاثة أيام مثل ما حصل في شوال 1426ه ورمضان 1427ه، ونادراً ما يكون الفرق يومين ولكن لم نجد خلال السبعين سنة الماضية أن اتحدت دول العالم الإسلامي في أن تبدأ صيامها في نفس اليوم أو تبدأ عيد الفطر المبارك في يوم واحد، إذ تشير النتائج السابقة بان الفروق تراوحت بين ثلاثة إلى أربعة أيام.
وقد حصل مثل هذا الاختلاف في كافة أشهر رمضان وشوال على مر السنين الماضية من دون استثناء، وهنا لابد لي من القول إنه من الواضح أن تحديد بداية هذه الشهور اعتماداً على الرؤية فيه حكمة عظيمة لقدسية هذه الشهور ولجعل كل فرد من الأمة الإسلامية أن يساهم في تحديدها، ولو كان الاعتماد على لحظة ولادة القمر (المحاق)، لكان من الممكن تثبيت بداية هذه الأشهر حسابياً لمئات السنين القادمة ويصبح شهر رمضان مثل يوم الجمعة يأتي ويذهب من دون أن نشعر به.
رابعاً:شروط أساسية لتحديد بداية الشهور القمرية آخذين الحسابات الفلكية والرؤية بالعين المجردة بنظر الاعتبار: -.
التأكد من ولادة القمر (المحاق / الاقتران) / يكون القمر بين الأرض والشمس.
التأكد من شروق القمر بعد شروق الشمس ويغرب بعد غروبها.
مراقبة الهلال صباح اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شهر شعبان بالنسبة لشهر رمضان (مثلاً)، فإذا شوهد قبل الشروق فانه لن يرى عند الغروب إطلاقا،لا بد أن يكون موقع هلال القمر مناسبا في السماء الغربية (ارتفاعه مناسباً عن الأفق لا يقل عن أربع درجات وبعده الزاوي عن الشمس مناسباً لا يقل عن 5 درجات)، لا بد أن يكون عمره مناسبا لا يقل عن 12 ساعة. مدة مكثه مناسبة (لا تقل عن 28 دقيقة).
على أساس ذلك يمكن تقدير الرؤية لحساب التقويم الهجري لمئات السنين، وان تحققت الشروط أعلاه في يوم ما فيكون اليوم التالي هو بداية الشهر الهجري.
خامساً:- بعض المعلومات المساعدة لرؤية الهلال بعد غروب الشمس.
لا يمكن أن يرى القمر هلالاً من الغرب قبل أو بعد الاقتران بقليل (لأجل أن يرى بالعين لابد أن يكون البعد الزاوي بحدود 6 درجات وعمره بحدود 15 ساعة).
إذا شوهد الهلال في موقع ما فإنه يكون واضحاً لجميع الدول الواقعة غرب الموقع الأول (مثلاً لو شوهد في السعودية أو في مصر فانه يكون واضحاً للدول الواقعة غرب السعودية أو مصر).
يشاهد الهلال غالباً في اليوم الثلاثين من الشهر، من النادر جداً أن يرى الهلال في اليوم التاسع والعشرين من الشهر إلا في حالات نادرة جداً وهي عندما يولد القمر في الساعات الأولى من هذا اليوم أي قبل شروق الشمس ببضع ساعات.
سادساً : خلاصة الاختلاف في تحديد بداية الشهور القمرية (الهجرية) بين الدول
نلاحظ في أدناه الطرق المختلفة المستخدمة لتحديد بداية شهري رمضان وشوال المباركين لدى مختلف الدول:.
السعودية: التأكد من ولادة القمر قبل غروب الشمس وغروبه بعد غروب الشمس.
قطر والكويت والإمارات والبحرين واليمن وسوريا والأردن يتبعون السعودية (بالرغم من أن لهم قاضي قضاة أو هيئة ثبوت الرؤية).
مصر : التأكد من ولادة القمر قبل غروب الشمس وغروبه بعد مدة لا تقل عن 5 دقائق من غروب الشمس.
الجزائر وتونس: تعتمدان معيار العمر وارتفاع الهلال عن الأفق وبعده الزاوي عن الشمس.
ليبيا: تعتمد لحظة الاقتران ومن ثم يبدأ الشهر من فجر اليوم الذي يلي الولادة مباشرة.
الهند والباكستان وبنغلادش والمغرب : يعتمدون الرؤية بالعين المجردة (القرار لقاضي القضاة او لهيئة ثبوت الرؤية الشرعية).
نيوزلاندا واوروبا : تعتمدان على دول مجاورة.
ماليزيا وبروناي واندونيسيا وتونس وبوسنا : يعتمدون : العمر أكبر من 8 ساعات، وارتفاع القمر عن الأفق أكثر من درجتين والبعد الزاوي أكبر من 3 درجات.
تركيا : تعتمد على قرار اتخذته لجنة فقهية في أحد المؤتمرات الإسلامية الذي عقد في مدينة اسطنبول عام 1978م بشأن تحديد ظروف رؤية الهلال تحت الشروط الآتية ( اعتمادا على حدود دانجون 1936م) :.
أن لا تقل زاوية ارتفاع الهلال عن الأفق عند غروب الشمس عن 5 درجات.
أن لا يقل البعد الزاوي بين مركزي القمر والشمس عن 7 درجات.
أمريكا وكندا: تعتمدان الحساب الفلكي (لحظة الولادة ثم تقدير الرؤية) ولو أخذنا جميع الطرق المعتمدة أعلاه لإعداد التقويم الهجري بعين الاعتبار سيكون لدينا خمسة أنواع من التقاويم الهجرية موضحة في الجدول الآتي :.
التقويم الاصطلاحي - تقويم تراثي- الشهور الفردية 30 يوماً والشهور الزوجية 29 يوماً.
التقويم القمري الفلكي الاقتراني? يبدأ الشهر بعد الاقتران مباشرةً.
التقويم الهجري الفلكي ولادة الهلال قبل منتصف الليل .
التقويم الهجري الفلكي الإسلامي ولادة القمر قبل غروب الشمس وغروبه بعد غروبها (تقويم أم القرى).
التقويم الهجري الفقهي الفلكي رؤية الهلال بالعين المجردة أو بأجهزة الرصد الإلكترونية الحديثة .
سابعاً: مقترح تحديد بداية الشهور الهجرية شرعياً وفلكياً .
لذلك، فانا أجد أن الطرق المستخدمة من قبل تركيا والمغرب والاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك في تحديد بداية الشهور الهجرية صحيحة نوعاً ما، طالما تم أخذ الفقه الشرعي والحساب الفلكي معاً بنظر الاعتبار.
وبناءً على ما تقدم، أود في هذه المناسبة (ولأجل تقليل الاختلاف في تحديد بداية الشهور الهجرية عند البلاد الإسلامية) أن نقترح الآتي:-.
يتم حساب عمر القمر بعد لحظة المحاق وبعده الزاوي عن الشمس ومن ثم يتم اعتبار اليوم الأول للشهر الهجري هو اليوم التالي ليوم تحقق فيه شرط البعد الزاوي المناسب لهلال القمر عن الشمس (لا يقل عن 5 درجات) وعمر القمر بعد الولادة بفترة زمنية لا تقل عن 12 ساعة وهي اٌقل فترة زمنية لرؤية الهلال بالأجهزة الفلكية وأكثر من ذلك قليلاً بالعين المجردة تحت ظروف أرصاد فلكية جيدة جداً (بعيداً عن التلوث الضوئي والصناعي وفي مناطق جبلية مرتفعة) ونتوقع عند تطبيق هذين الشرطين سيكون الاختلاف اقل ما يمكن، وبذلك نكون حددنا بداية الشهر شرعياً وفلكياً. أو اعتماد ولادة القمر(لحظة المحاق) قبل شروق الشمس(أي إذا ولد القمر قبل شروق شمس ذلك اليوم يكون اليوم التالي أول الشهر الهجري وإذا ولد بعد شروق الشمس يكمل الشهر عدته ليكون ثلاثين). وتطبيقاً لما جاء أعلاه، ندرج في الفقرة تاسعاً أدناه بداية شهر رمضان والعيدين للعام الهجري 1429 اعتمادا على ولادة القمر قبل غروب الشمس وغروبه بعد غروبها بمدة زمنية تحقق رؤية الهلال من إحدى البلاد الإسلامية، أي يكون بعد القمر الزاوي عن الشمس مناسباً لجعله قادراً على عكس الضوء من على سطحه إلى سطح الأرض.
ثامناً: القرار الفقهي الإسلامي والحساب الفلكي
في هذه الفقرة أود أن أشير كوني احد المختصين في العلوم الفلكية والفضائية في الوطن العربي ورئيساً للاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك ،إلى أن قرار تحديد بدايات الشهور الإسلامية القدسية (رمضان وشوال وذي الحجة ومحرم وربيع الأول) فيها هي من مسؤولية علماء الفقه والدين الإسلامي المخولين من قبل جهات رسمية وليست من مسؤولية علماء الفلك أو المهتمين بالفلك أو حتى أي جهة فلكية معترف بها، إذ إن مسؤولية الفلكيين أو الجهات الفلكية هي تقديم الحسابات الفلكية الدقيقة بشان ولادة القمر وموقع الهلال وتقدير ظروف الرؤية لأي موقع على سطح الكرة الأرضية وما إلى ذلك من معلومات علمية دقيقة تساعد متخذي القرار على اتخاذ القرار الدقيق والمناسب. وهنا أود أن أشير إلى أن المقالات التي تظهر في الصحف والمجلات أو الندوات التلفازية أو الراديوية هي مسؤولية صاحبها ولا تمثل أي جهة رسمية أو غير رسمية ما لم تكن من جهة شرعية فقهية مخولة من قبل تلك الدولة.
أما مسؤولية الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك وأعضائه العاملين فيه فعلاً فهي تقديم المعلومات والحسابات الفلكية الدقيقة المتعلقة بهذه المناسبات للجهات الشرعية الرسمية لتساعدها في اتخاذ القرار ومن حق الاتحاد أن ينبه بأي قرارات قد تؤخذ خطأً من دون اخذ الحسابات الفلكية بعين الاعتبار.
وبناءً على ما تقدم فإن العالم الإسلامي يحتاج فتوى شرعية واضحة يتفق عليها الفقهاء المسلمون معتمدة كلياً على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تؤكد رؤية الهلال بخصوص تحديد بدايات الشهور الهجرية، وعندئذ تقدم الحسابات الفلكية الدقيقة استنادا إلى الفتوى الشرعية.
تاسعاً : شهر رمضان المبارك والعيدان للعام الهجري 1429 فقهياً وفلكياً:.
1. شهر رمضان المبارك.
تشير الحسابات الفلكية إلى أن لحظة ولادة القمر (المحاق) لشهر رمضان القادم للعام الهجري 1429 تتحقق بإذن الله في تمام الساعة 5819 (حسب توقيت جرينتش) ليوم السبت الموافق 30 أغسطس 2008، أي في تمام الساعة 5822 حسب توقيت عمان / المملكة الأردنية الهاشمية وكذلك حسب توقيت مكة المكرمة، أي أن القمر في هذا اليوم يغرب قبل غروب الشمس بمدة طويلة، وهذا يعني بأنه لم يكمل شهره لغاية هذه اللحظة، ويكون الأحد 31 أغسطس مكملاً لشهر شعبان 1429ه(عند اعتبار الأول من شعبان 2 أغسطس). وبذلك فإن أول يوم رمضان المبارك سيوافق الاثنين 1 سبتمبر 2008 بعون الله. علماً أن عمر القمر في أبو ظبي عند غروب شمس 31 أغسطس سيكون أكثر من 18 ساعة وسيمكث بحدود 17 دقيقة بعد غروب الشمس، وقد تكون الرؤية ممكنة في بعض البلاد الإسلامية.
من المتوقع أن يعد عدد قليل من الدول الإسلامية مثل ليبيا الأحد 31 أغسطس الأول من رمضان المبارك لأنها تعتبر اليوم التالي ليوم ولادة القمر بداية الشهر من دون أخذ الرؤية بعين الاعتبار، وبعض الدول الأخرى ستعلن الثلاثاء 2 سبتمبر الأول من رمضان.
وبسبب ظروف الهلال الجيدة لرمضان القادم اعتقد أن الخلاف في تحديد بداية رمضان سيكون قليلاً مقارنة بالسنوات السابقة.
2. عيد الفطر المبارك.
أما بالنسبة لعيد الفطر المبارك، فإن لحظة ولادة قمر شوال (المحاق) تتحقق في تمام الساعة 128 من صباح يوم الاثنين الموافق 29/9/2007 (حسب توقيت جرينتش)، أي في تمام الساعة 1211 حسب توقيت عمان / المملكة الأردنية الهاشمية وكذلك حسب توقيت مكة المكرمة، لذلك فإن عمر القمر في الإمارات سيكون بحدود ست ساعات وهذه المدة غير كافية ليكون القمر هلالاً بالنسبة للرؤية (علماً أن القمر في الإمارات وبعض الدول الإسلامية سيغرب قبل غروب الشمس بدقائق). أما في اليوم التالي الثلاثاء 30/09/2008 ستكون الرؤية واضحة في عدد من الدول الإسلامية. وعند أخذ رؤية الهلال بالعين المجردة بنظر الاعتبار فإن الأول من شوال(عيد الفطر المبارك) سيوافق بإذن الله الأربعاء 1 / 10 / 2008 (من المتوقع أن بعض الدول التي تعتمد ولادة القمر أن تبدأ عيد الفطر يوم الثلاثاء 30 سبتمبر 2008).
3. شهر ذي الحجة وعيد الأضحى المبارك.
بالنسبة لعيد الأضحى المبارك فان لحظة ولادة القمر لشهر ذي الحجة تتحقق في تمام الساعة 5516 من عصر يوم الخميس 27 نوفمبر (حسب توقيت جرينتش)، أي في الساعة 5518 حسب توقيت عمان / المملكة الأردنية الهاشمية و5519 حسب توقيت مكة المكرمة، لذلك من المتوقع أن يرى الهلال في عدد من الدول الإسلامية بعد غروب شمس اليوم التالي الجمعة 28 نوفمبر، لذلك فإن أول يوم ذي الحجة سيكون بعون الله السبت 29 نوفمبر وأن يوم عرفة يكون الأحد 7 ديسمبر وأول يوم عيد الأضحى المبارك الاثنين 8 ديسمبر إن شاء الله وكل عام الجميع بخير.
@ أستاذ الفيزياء الفلكية عميد كلية الآداب والعلوم / جامعة الشارقة رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك
[email protected]