عز الدين المناصرة - زكريا محمد: الفلسط هم قبائل طيّ - يقول زكريا محمد إن نقش عقرون ، المدينة الفلسطيّة، قدّم الدليل الحاسم على أن لغة الفلسط، ساميّة، حروفها فينيقية ، وإنّ غالبية أسماء حكّامها، بل كلها، سامية تماماً. وكان الفرنسي إتيني فرومانت ، رأى أن اسمي البلساغ = البلاسجة+ الفلسط ، جاءا معاً من الجذر السامي فلش !.
ويرى الباحث، مؤلف الكتاب نخلة طيء: لغز الفلسطينيين القدماء ، أنّ قبائل طيّ العربية ، هي: الغوث، جندب، وجديلة طيء ، وأنّ معبودهم الرئيس، هو: فلس في جبلَي أجأ وسلمى، وأنّ هناك قرية قرب حائل حالياً، تسمى: فلس ، وأنّ فرع جديلة، أصبح يعبد صنم اليعبوب=بعل زبوب . وبالتالي، فإنّ الصفة فلسطي ، تتكون من الصنم فلس ، وطي، التي تعبد فلس.
وهو يرى أنّ التكر ، كانوا موجودين في غزّة في القرن الخامس عشر ق.م، وأنّ أقدم بقاياهم في دور= الطنطور تعود إلى القرن الثالث عشر ق.م. ثمّ يناقش الباحث نقش عقرون ، الذي يصفه بأنه أقدم نص ألفبائي في فلسطين، وهو يرى أن كلمة عقرن في النقش، هي صقرن ، في القراءة الصحيحة من وجهة نظره، وأنّ التكر ، هم أنفسهم، صقرن ، أي بني صقر، وأنّ كلمة بتجاية في النقش، تعني الطيايا ، أي سيّدة طيء . وقد أعاد الباحث ترجمة نقش عقرون على النحو التالي: بيت بناه أكيش بن بادي، بن يسيد، بن أدا، بن يعير، سريُّ الصقران لمعظّمة الطيايا سيدته، لتباركه وتحميه وتطيل عمره وتبارك ملكه ، وهو يستنتج أن زعيم التكر صقر ، يكرّس المعبد الذي بناه لعظيمة الطيايا، أي لإلهة قبيلة طيء أو شعب طيء.
وهذا ما يعني أن التكر، هم جزء من طيء، فقد عرفنا أن الفلسط ، حسب تقرير ون-إم-ديامون المبعوث المصري، كانوا يعبدون إلهة تدعى بتيجاية ، وهي نفسها الإلهة التي كرّس لها زعيم الصقران، المعبد في النقش، وعليه فالشعبان: الفلسط والتكر من أصل واحد، يسكنان في أرض واحدة، ويعبدان إلهة واحدة، لها صلة بالنخلة والفئران، ويرتبط إله الطب عند الفلسط بعل زبوب بالفئران، لا بالذباب، وكان لطيء الفلسط، خمس نخلات، مرتبطة بخمسة فئران، وهذا ما جعل بعضهم يجعل للفلسط خمس مدن فقط ، مع أن مدنهم أكثر من ذلك.
ويرى ديودوروس أنّ إلهة عسقلان، تدعى دركتو ، ويرى الباحث أن دركتو هي نفسها بتجاية ، لأنَّ دركتو هي النخلة. ثمّ يناقش الباحث عدداً من القضايا المتصلة بالموضوع، مثل: اسم غولياث ، الذي بالنسبة له هو الصنم يغوث ، وسدنته هم: بنو أنعم ، وأن اسم مدينة جات Gath الفلسطية تعود في أصلها إلى الصنم يغوث ، وأن الفلسطيين، حين هاجروا من غرب شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، نقلوا أسماء تضاريسهم وآلهتهم معهم، وأنّ اسم العماليق أججي في التوراة، يتشابه مع قبائل أجأ أحد جبال طيء.
وهو يفترض أيضاً أن الاسم أكيش يمكن أن يكون قيس أو قصي، أو بنو أقيش، وأن نقش عقرون ، يعود إلى القرن الحادي عشر ق.م، وأنّ قبائل طيء، هاجرت إلى الشام، وأقامت في سيناء، قرب وادي فيران، ولكن هذه القبائل سكنت أيضاً سيميرا في الساحل السوري. وتشير يوميات موظف في الجبهة إلى أن مجموعات من التكريم ، كانت في جنوب فلسطين في نهاية القرن الرابع عشر ق.م، أي قبل زمن مرنفتاح بزمن طويل. وهذا ما توصل إليه وليم بيتري ، فقد ذكر أن تلّ أجمة في جنوب فلسطين، اشتمل على وجود أركيولوجي فلسطي متواصل في الفترة 1500 - 500 ق.م. كذلك، فإن بيمسون يقول بوضوح: لقد جادلتُ بأن الفلسط، وصلوا إلى جنوب فلسطين منذ نهاية العصر البرونزي المتوسط، وهو متفق تقليدياً على توقيته، ب1500ق.م .
وهذا ما يتفق مع موعد طرد الهكسوس من مصر. ويناقش الباحث زكريا محمد، مسألة مسلّة مرنفتاح ، حيث وردت في النص مدينة ينوعام ، أو بنوعام ، التي قال بعضهم إنها تقع قرب بحيرة الحولة! لكن الباحث يرى أن الاسم يشير إلى بنو أنعم الطائيين في جنوب فلسطين، لأن حملة الفرعون مرنفتاح ، كانت في جنوب فلسطين، وليس في شمالها تل الناعمة ، كما يعتقد بعضهم!.
ويقول سيد القمني: ونظن أننا عثرنا عليها في أقصى جنوب فلسطين، لأنها مرتبطة بمدن أخرى هي: بيت تفوح، أفيقة، حطمة، أربع وهي حبرون، وصيعور ، لكن زكريا محمد، الذي يوافق سيد القمني على أن بنو عام في جنوب فلسطين، وليس في شمالها، لم يكمل استبصاره للأمر، لأنّ بيت تفوح، ما تزال تحمل اسم تفّوح ، وهي إحدى قرى الخليلِ، وصيعور، هي سعير ، إحدى قرى الخليل، وأفيق هي خربة كنعان ، جنوبي غرب الخليل، وحطمة، هي قرية الحطمان خربة الجعبري ، وأربع هي حبرون الخليل ، وبالتالي، فإن بنو عام ، المرتبطة بهذه القرى، لسيت إلاّ قرية أو بلدة بني نعيم حالياً ، شرقي الخليل، فهي ملاصقة لسعير، وبالتالي، فإن نسبة بلدة بني نعيم الحالية إلى نعيم الداري ، الذي قابل الرسول في العام التاسع للهجرة، حسب كتاب الإنطاء التاريخي، هي نسبة متأخرة، إذْ لا بدّ أن نعيم الداري، سُمّي نسبة إلى المكان، وليس العكس، وأنا شخصياً، أوافق الباحث بأن القول بوجود بنو عام في شمال فلسطين، هو تفسير توراتي مقصود.
أما قبيلة حاتي ، فهي قبيلة حطّي الداريّة، حيث ظلّت أسماء بطون طائية موجودة في جنوب فلسطين، تتردد في النصوص الأشورية. وهكذا -يضيف الباحث- لم يكن الفلسط بعيدين عن الوجود في جنوب فلسطين في زمن مرنفتاح، وعليه فالفلسط، والتكر، كانوا في جنوب فلسطين منذ زمن طويل جداً، قبل هجمة شعوب البحر. وقد ظلّ الطائيون، يهاجرون حتى بعد الإسلام، حتى استقرت قبائل طيّ كلها بفلسطين، حيث سكن بنو الغوث الطائيون من بني سندس وبني جرم في جنوب فلسطين من ساحل غزة والداروم غرباً، حتى جبال الشراة في شرقي الأردن، مروراً بجبال الخليل . ويؤكد الباحث أن الهكسوس هم الفلسط أنفسهم، وأنّ الهكسوس عرب، وأنهم يشكلون الحلف الأجئي بقيادة طي، وللهكسوس علاقة بالعمالقة الأجئيين ، والعماليق هم الفلسط، والجبّارون.
ويرى سيّد القمني أن الفلسط، كانوا في المنطقة في القرن السادس عشر ق.م . وبذلك يكون الفلسطينيون قد تواجدوا في فلسطين في العام 1650 ق.م، إبّان حكم الهكسوس لمصر، واسمهم مشتق من أجأ و البلاد الجبلية ، إذن فاسم الهكسوس هو: الأججيون .
أحمد داوود: الفلستيّون كانوا
في بلاد غامد وزهران
تقغ جغرافيا فلسطين والفلستيون بأسمائها في شبه جزيرة العرب، وتحديداً في بلاد غامد وزهران، لأن الحثيّين هم سكان القرى المتاخمة شمالاً للكنعانيين في أربع وحصرون وجوارهما، وهم فصائل من الكنعانيين، أما الحوريون، فهم سكّان جبل سعير أدوم شرق زهران، والمصريون هم عشيرة مصرا بن حام بن نوح، والقرى التابعة لها: تحفنحيس، نوف، نو، فتروس في جنوب زهران. أما الفلستيون فهم فخذ من عشيرة مصرا ، وهم سكان فلسة المجاورة للمصريين وللكنعانيين. إنّ الحثيين الكنعانيين والحوريين والميتانيين سوف ينتقلون إلى شمال أرض كنعان، وإلى مقربة من نهر الفرات في آن معاً. ويتّحد وادي جت ، أي غط مع وادي قريت ، ليصبّا في البحر الأحمر.
إنّ اولئك الفلستيين ، ليسوا إلا سكان بلدة فلسة في سُراة زهران والقرى المحيطة بها. وكان الكنعانيون لا يبارون في صنع المعادن في عصر البرونز (2100-1200 ق.م)، كما يتميز الهكسوس بأسلحتهم الحديدية وعرباتهم، وهم يسكنون شرق زهران . إنّ آلهة أولئك الفلستيين، هي آلهة سورية وأهمها: داجون وعشتار. أما اسم أخيش ، وهو من مقطعين بيت-أولاد ، و خيش وهي تعني خيس، قيس ، أي أولاد قيس ، أو بني قيس. أما أرض الفلستيين ، فهي تقع بين مصر وأرض كنعان.
أما مملكة أوغاريت التي يقال إنّ شعوب البحر الفلستيين ، قد دمّروها، فهي ليست أوغاريت السورية المتوسطية، وإنما هي قرية الجارية = غرث ، جنوب زهران، والكلمة من أسماء عشتار. وحسب الباحث أحمد داوود أيضاً، فإن الأمكنة التي تناولها الباحثون في تاريخ فلسطين، تقع جميعها في جنوب غامد وزهران:
1. أرادوس- عراد في بلاد زهران (في الترجمة: أرواد).
2. أرداتا - عردة في بلاد زهران (في الترجمة: أرواد).
3. جي مت - غميط في شرق زهران (في الترجمة: حماة).
4. بيت لحم- هي أفراتة أو بيت لحم في سراة زهران ، قرب الخربة والبلطية.
5. ياهص - الوهصة في بلاد زهران.
6. جازر - غزير في مرتفعات غامد.
7. صور - هي قرية صر في جبال لبنان شرق غامد، دمّرتها الزلازل.
8. أريحا - ورحو، وهي قرية وراخ في بلاد زهران.
9. عربة- جبل غارب، ووادي غارب في سراة زهران ترجمت: بحر العربة .
10. يوآب- الياب، في بلاد زهران.
11. يبوس- وادي يبس في بلاد غامد.
12. جت - وادي غط جت ، شرق خميس مشيط.
13. صرعة- الزرعة في بلاد زهران: ولد فيها شمشون .
14. حبرون - الخربة في بلاد زهران.
15. لخيش - بني قيس في بلاد زهران.
16. بيت إيل- البطيلة في بلاد زهران.
17. تعنك - الكعنة في بلاد زهران.
18. حويلة - حوالة في سراة غامد.
19. كريت - وادي قريت منطقة القنفذة .
20. الفرات - الثرات، شرق بلاد غامد وزهران.
21. جبل إبراهيم - شمال شرق بلاد زهران.
وهكذا، فإنّ أحمد داوود سوريا ، يميل إلى أطروحة كمال الصليبي نفسها، أي أنّ الفلستيين كانوا في شبه جزيرة العرب.
فراس السوّاح: نقد نظرية شبه جزيرة العرب
تعرّضت الحضارة الموكينية، المنسوبة إلى مدينة (Mycenae)، للدمار، كذلك جزر إيجة، فاتجهت شعوب هذه المنطقة المنكوبة، إلى شمال إفريقيا، وتعاونت مع الليبيين، وتقدموا معاً إلى الدلتا المصرية، ولكن الفرعون مرنفتاح، صدّهم في العام 1220 ق.م.
وفي الوقت نفسه، تقدمت حملة أخرى من نقطة ما من الأرخبيل الإيجي، فحطت على شواطئ آسيا الصغرى، ودمّرت المملكة الحثيّة. ثمّ توجهت نحو بلاد الشام، فسقطت أمامها، ممالك سورية الشمالية من أوغاريت إلى كركميش، واتجهت هذه الشعوب، نحو مملكة أمورو في وسط سورية وجعلتها محطة مستقرة، وفي طريقها إلى مصر، أشاعت الدمار في ممالك الدويلات الفلسطينية ، لكنّ رمسيس الثالث، هزمهم في العام 1191ق.م. ومنذ ذلك الوقت اختفى ذكرهم في التاريخ.
وقد دعيت هذه الموجات شعوب البحر ، وهي خمسة شعوب انطلقت من جزر بحر إيجة: التجاكر، الوشوش، الشيكليش، البيلست، والدينيان ، وقد قامت بعض الفئات التي شتتها رمسيس الثالث بالتوطن في مناطق الساحل السوري، ومنهم: البيلست ، الذين أسّسوا خمس مدن على ساحل فلسطين.
ويوجه فراس السوّأح، نقده لنظرية كمال الصليبي على النحو التالي:.
أولا: كفتور: الحقيقة أنّ السند الذين لا يتصور الصليبي وجوده إطلاقاً، يأتي من النصوص التوراتية نفسها، ومن مقاطع أغفل الصليبي الإشارة إليها، فإضافة لوصف التوراة للفلستيين بأنهم كريتيون ، فإنه ينسبهم إلى جزيرة كفتور، وهو الاسم التبادلي في التوراة لجزيرة كريت المعروفة في البحر الموسط، فهم، إذن: أهل بحر أتوا من جزيرة .
وكذلك هم غرباء عن كنعان، أتوا إليها من الخارج. وكفتور هذه، لم ترد فقط في التوراة، بل وردت في نصوص الشرق القديم: ففي أسطورة بعل وعناة الأوغاريتية، تبعث الإلهة عشيرة برسولها إلى كفتور، التي هي كريت، كما ترد كفتور في النصوص المصرية بصيغة كيفتو للدلالة على كريت وجزر البحر الإيجي.
ثانياً: الخزف: أعطت نتائج التنقيب الأركيولوجي على الساحل الفلسطيني معلومات وافرة عن بدايات الاستيطان الفلستي، ونشوء مدن الفلستيين، الخمس (غزة، جت، أشقلون، أشدود، وعقرن) التي تمّ التعرف عليها جميعا. فمع بداية القرن الثاني عشر ق.م، يظهر بشكل مفاجئ في المنطقة الساحلية الفلستية، نمط من الخزف، غير معروف في كنعان قبل ذلك، وهذه الخزفيات تشبه خزف جزر بحر إيجة دون أن تتطابق معها، مما يدلّ على أنها صنعت محلياً من قبل مهاجرين أتوا من تلك المنطقة، ولم تجلب معهم من موطنهم الإيجي.
وبعد فترة تصبح هذه الخزفيات، النمط السائد في المواقع الفلستية التاريخية. ومن الملفت أن الخزف الفلستي، يظهر في معظم المواقع الفلستية بعد طبقة من الخرائب والحرائق التي تحجب طبقات كنعانية أسبق، مما يدل على أن شعوب البحر، قد عادت إلى سكن المواقع التي دمّرتها إبّان اجتياحها الأول، كما في عسقلان، وأسدود .
فقد بيّنت التنقيبات في عسقلان العائدة لعصر البرونز الأخير أنّ الطبقة الآثارية قد دمّرت تماماً وتغطت بطبقة من الرماد سمكها 50 سم، تحجب تحتها مدينة نموذجية كنعانية. وفي الطبقة الآثارية التي تلته مباشرة، تظهر الخزفيات الفلستية الغريبة عن أرض كنعان، إلا أنه في أسدود بشكل خاص، يظهر بشكل تدريجي واضح، كيفية ذوبان الشخصية الحضارية الفلستية في الشخصية الكنعانية .
فمنذ القرن العاشر ق.م، يبدأ النمط الخزفي الفلستي في الاختفاء، ليحلّ محله النمط الكنعاني المعروف في عصر الحديد، وتختفي تماثيل الإلهة الكريتية، ليتحول إلى الآلهة المحلية الكنعانية.
ثالثاً: يقول كمال الصليبي، إنه وجد غزة في وادي أضم، و أسدود في السدود في منطقة رجال ألمع، وعسقلان أشقلون في شقلة بجوار مدينة القنفذة، و جت في الغاط بمنطقة جيزان، و عقرون في عرقين بوادي عتود الفاصل بين رجال ألمع، ومنطقة جيزان. ولكنّ نظرة سريعة لخريطة كمال الصليبي، تظهر أمراً غاية في الغرابة، فالمدن الفلستية الخمس التي عثر عليها في غرب الجزيرة العربية، تتوزع على مسافات شاسعة جداً عبر بلاد عسير من أقصاها إلى أقصاها، وتتباعد عن بعضها مئات الكيلومترات عبر مساحات مليئة بمدن الشعوب الأخرى . فالعزة غزة ، الواقعة في منطقة الليث، والغاط جت الواقعة في جزيان، تبعدان بعضهما عن بعض حوالي 700 كم.
والسدود (أسدود)، تبعد عن شقلة عسقلان ، أكثر من 200 كم. و عقرون ، تبعد عن عسقلان، حوالي 500 كم. فكيف تسنّى لشعب واحد، أن يبني مدنه الخمس على هذه الأرض الواسعة، وفي مواقع مبعثرة عبر أراضي الأعداء، رغم أن المدن الفلستية الخمس، كانت متحدة ومتواصلة!.
ملاحظات (4)
أولاً: تقليدياً، تمّ تحديد شعوب البحر، بأنّهم: فرست (فلست)، والدانونا، وشكلش سكلس ، وتجكر، وشش، وشردانو ، ثم رُبط شعب فرست/ فلست ، أو بيليست مع مصطلحي: فلسطي ، فلستي ؛ ولاحقاً، فلسطيني ، وأصبح هذا الربط مستخدماً عالمياً منذ 1857 م، بوساطة حركة الاستشراق.
وهنا نتساءل: هل فرست/ فلست ، النقوش المصرية، هم الفلسطيون ، أو الفلستيون ، أو لاحقاً، الفلسطينيون ، في عهد رمسيس الثالث، بينما تقول بعض الوثائق إن الذي صدّ شعوب البحر، هو الفرعون مرنفتاح في العام 1225 ق.م، بينما كانت معركة رمسيس معهم في العام 1191 ق.م، حيث ذكر شعب تجكر ، و شعب شردانو ، خلال عهد مرنفتاح!.
ومعنى ذلك أن ظهور شعب بيليست ، كان في القرن الثالث عشر، وهناك إشارات أخرى إلى وجودهم في القرن الرابع عشر، حيث أصبح اسم الإقليم: فلسطيم ، واضحاً، وقيل: القرن الخامس عشر: هناك وجود فلسطي أركيولوجي متواصل منذ 1500 ق.م ، كما يقول بيتري أبو الآثار الفلسطية . ويقول ليونارد وولي : لقد عثرنا على قطعتين خزفيتين فلسطينيتين، تاريخ إحداهما، هو 1650-1550 ق.م، والأخرى تاريخها هو: 1600-1500 ق.م (نقلاً عن: هشام أبو حاكمة: تاريخ فلسطين قبل الميلاد: ص 41).
ومعنى ذلك أن اسم فلسطين وشعبها الفلسطيني يعود أيضاً إلى القرن السابع عشر ق.م. ويقول طومسون : لم يتغير السكان الأصليون في فلسطين كثيراً منذ العهد الحجري، وأنه خلال فترة الألف السادس - إلى الألف الرابع، أصبحت فلسطين موحّدة بالمفهوم اللغوي (نقلاً عن قاسم الشواف: فلسطين: ص 32)، ويقول طومسون (الجديد في تاريخ فلسطين القديمة: ص 76)، ما يلي: في حين أن استمرارية الأمم يمكن إثباتها، فإن العمل الأثري الكثيف في السهل الفلسطي، يوحي بأن السكّان هنا، هم أصليون، تأثروا على نحو مهمّ، وازدادوا بفعل عناصر من بحر إيجة، والمنطقة الساحلة الأناضولية . إذن، ربّما لا علاقة لمصطلح فرست/ فلست ، بشعب بيلست البحري، أما الشعب الفلسطي، فقد كان موجوداً في أرض فلسطين، قبل غزوة شعوب البحر.
أما التأثر بالثقافة الموكينية الخزفية، فقد كان سطحياً، حيث قد تكون جماعات شعوب البحر من أهل المنطقة، وحتى وإنْ كانوا من جزر بحر إيجة، فإنّ اختلاطهم وهجرتهم السلمية إلى فلسطين، قد تكون أمراً عادياً، حيث قد يكون السكان الأصليون ( سوريو-فلسطين ، كما سمّاهم هيرودوت)، تأثروا فعلاً بثقافة جزر بحر إيجة، فقد كان شعوب البحر، ومنهم فرست/ فلست ، كما تقول النقوش المصرية مختبئين في مدنهم ، ربّما على الساحل السوري - الكنعاني.
ثانياً: يشير تعبير فلستين مبدئياً إلى حقيقة جغرافية، وكلمة فلستين - يقول طومسون- لم تستعمل لوصف مهاجين من بحر إيجة، وكيليكيا، كما أنها لا تشير لوصف العناصر المشاغبة في الإمبراطورية المصرية. لقد استعملت كاسم لشعب السهل الساحلي الجنوبي، وجماعة تنتسب إلى سكّان الدول المدينية في فلستيا ، كما يقول طومسون.
وبتقديري أنّ حصر اسم فلسطين بمدن الساحل الجنوبي الخمس، فيه شيء من التعسف، لأنّ يافا ، و عراق المنشية ، و اللُّدّ ، ليست في الساحل الجنوبي، ولأنّ الفلسطنة ، كانت تشمل، بئر السبع، والخليل، وبيت لحم، وإيلة على البحر الأحمر، بل جبال شرقي نهر الأردن.
وفي مراسلات تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م)، نجد المدن التالية: غزّاتو، عسقلونا، صرخا، جازر، يافو، لخيش، قيلتو، أوروسالم، أيالونا، روبوتو، جنين، بورقونا، جيمتو (جات)، جينتي كرمل، تعناك، رُمّانا، ماجدّو، شكيم، يورصا، بيت شان، عكّا، أكشافا، حاصورا ، وكلها مدن فلسطية وكنعانية معاً.
وكانت فلسطين في فترة اللعنات المصرية في القرنين التاسع عشر، والثامن عشر ق.م، عامرة بالمدن والممالك: مثل عسقلانو، شكيم، أكشاف، حاصور، ماجدّو، أورسالم، عكّو، عقرون، لخيش، أرفاتا. إذن، لم تكن فلسطين، تعني الساحل الجنوبي، بل كانت المدن موزعة في كل مناطق فلسطين (الشوّاف: 162-163+165).
ثالثاً: يمكن عدّ النقطة التي أشار لها فراس السوّاح، حول تباعد المسافات ، بين المدن الفلستية بصورة غير معقولة، هي النقطة القاتلة لنظرية شبه الجزيرة العربية التي ابتدعها كمال الصليبي، لأنها نقطة مقنعة، إضافة للنقاط التي سبق أن ذكرتها.
وقد تبع نظرية كمال الصليبي -كما رأينا- كلّ من زياد منى، وأحمد داوود، وزكريا محمد، بدرجات متفاوتة. وهناك تأثر واضح بالتيار النقدي الحديث للتوراة (كيث وإيتلام، طومسون، ونيلز مكه، ومارتن برنال، وغيرهم).
وهناك من التزم بمتابعة تاريخ فلسطين القديم من خلال الوثائق المصرية والآشورية. وإشكالية نظرية: شبه الجزيرة العربية ، هي افتراض أن فلسطين أو فلسطين السورية ، أو أرض كنعان الجنوبية ، كانت فارغة تماماً من السكان، عندما حدثت الهجرات المفترضة من شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، فهاجر الكنعانيون والفلستيون إليها، وأعطوها اسمهم، بل إن كمال الصليبي الذي أعلن اندثار بني إسرءيل في شبه الجزيرة العربية، يعلن أنّ اليهود ، قد هاجروا أيضاً إلى فلسطين، اعتباراً من القرن السادس ق.م.
والصحيح أنه لم يكن أيّ وجود يهودي في فلسطين، إلاّ منذ القرن الأول ق.م، وحتى 70 م. وأرجح أن هذه الطائفة، لم تكن تتجاوز عشرة آلاف في أورسليم، وإذا صحّ أن سكان القدس في القرن الأول ق.م، كانوا 170 ألف، فإن نسبة الطائفة اليهودية، هي 8,5% من أبناء الشعب الفلسطيني! كما أميل إلى أنَّ التوارة الأصلية ، هي مخطوطات البحر الميت، التي تعدّ توراة الأسينيين ، وهي تعبر عن فترة التحول من اليهودية إلى المسيحية. وهنا قد نوافق زياد منى ، بأن فلسطيم ، أصبحت إقليماً واضح المعالم من شبه جزيرة سيناء، حتى جنوبي دمشق، في القرن الرابع عشر ق.م، لكنّ فلسطين- الإقليم، مرّ بتحولات عديدة قبل ذلك، أي منذ الألف التاسع ق.م في أريحا مثلاَ. أما الإنسان الفلسطيني ، ساكن فلسطين الاصلي، أيّاً كان اسمه، فهو يعود إلى إنسان الكرمل على الأقل.
ولم يسبق كما أشار عديدون، أنْ استطاعت إمبراطوريات غزت فلسطين، أن تمنحها اسمها، أو أن تحذف اسم فلسطين. وقد يكون إله الأرض ، هو اسم فلسطين الحقيقي، وإذا كانت لدى زكريا محمد نخلة طي ، أو فلس + طي ، نسبة لإله القبائل الطائية، هي التي أعطت اسمها لفلسطين، وهي القادمة من جبلي: أجأ، وسلمى، فلماذا يكون فلس هذا مرتبطاً بالنخلة، ولماذا لا يكون مرتبطاً، مثلاً، بشجرة التين: فلسط +تين ، وهي شجرة فلستينية بامتياز!.
وما دامت فلسطين أرض الحروب بين المصريين والأشوريين والحثيين، وبين اليونان والرومان، فلماذا لا تكون الهجرات متبادلة، أو عكسية من فلسطين إلى شبه الجزيرة العربية، وأن الكنعانيين والفلستيين، هم الذين هاجر بعضهم من فلسطين تدريجياً، وأعطوا أسماء مدنهم، وقبائلهم وقراهم، وآلهتهم لأماكن كمال الصليبي في جنوب الحجاز وعسير!!، ما دامت شعوب البحر وفي طليعتهم البلست ، قادرة على تحطيم الإمبراطورية الحثيّة، بل ومناطحة الإمبراطورية المصرية، حسب المؤرخين!.
خلاصة
أعتقد أنّ نظرية الهجرات المتدفقة من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، تفترض فراغاً سكانياً تاماً في فلسطين، هي نظرية خاطئة، ونحن نعتقد بمفهوم الهجرات المتبادلة والعكسية التدريجية لجماعات وقبائل. كذلك أعتقد أن نظرية شعوب البحر ، نظرية خاطئة تماماً، لأنهم ليسوا إلا جماعات صغيرة، امتصّها السكان الأصليون. وأجزم أنّ الفلسطيين ، هم سكان أصليون في فلسطين، كانوا منفتحين على ثقافة جزر بحر إيجة، ومنتفحين على شبه الجزيرة العربية عبر التجارة، وهم قبائل متفرعة من الكنعانيين، مثلهم، مثل جيرانهم الفينيقيين، وقد أتقن هذا الفرعان الكنعانيان فنون البحر ، و الزراعة ، و صناعة الحديد ... الخ، وأنّهم معروفون، منذ الألف السابعة ق.م على الأقل.
* شاعر ومفكر وناقد