اعداد : فؤاد حسين - لمحة عن جغرافية دارفور تبلغ مساحة دارفور حوالي (510888) كيلومترا مربعا، أي ما يعادل خمس مساحة السودان، ويبلغ سكان الإقليم 6ملايين نسمة -يعادل ربع سكان السودان، ويسكن حوالي 75% من سكان دارفور في الريف، و15% من الرعاة، و10% يسكنون المدن.
تحد الإقليم ثلاث دول: من الشمال ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطى، فضلا عن متاخمته لبعض الأقاليم السودانية مثل بحر الغزال وكردفان من الشرق.
الغالب على إقليم دارفور كثرة المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة حيث يوجد أكثر الأراضي الدارفورية خصوبة. كما ينقسم الإقليم إداريا إلى ثلاث مناطق: شمال دارفور وعاصمته مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمته مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمته مدينة الجنينة.
تكثر في منطقة دارفور غابات الهشاب الذي يثمر الصمغ العربي فضلا عن حقول القطن والتبغ في الجنوب الغربي من الإقليم. وتتم في بعض مناطقه زراعة القمح والذرة والدخن وغيرها. ويمتاز دارفور بثروة حيوانية كبيرة قوامها الإبل والغنم والبقر. وقد تضررت هذه الثروة عندما ضرب الجفاف الإقليم في بداية السبعينات. وفضلا عن الحيوان والزراعة فإن بالإقليم معادن وبترولا.
ويمثل إقليم دارفور نظرا لحدوده المفتوحة ولمساحته الشاسعة ولوجود قبائل عديدة لها امتدادات داخل دول أفريقية أخرى، منطقة صراع مستمر. وقد تأثرت المنطقة بالصراع التشادي-التشادي والصراع التشادي-الليبي حول شريط أوزو الحدودي، وبالصراعات الداخلية لأفريقيا الوسطى فراجت في إقليم دارفور تجارة السلاح، كما تفاعلت قبائل الإقليم مع تلك الأزمات.
يعتبر دارفور قاعدة تشاد الخلفية فجميع الانقلابات التي حدثت في هذا البلد الأفريقي تم تدبيرها ، ما عدا أول انقلاب أطاح بفرانسوا تمبلباي الذي كان أول رئيس لتشاد بعد استقلالها عن فرنسا. فالإطاحة بالرئيس فيليكس مالوم أو غوكوني عويدي ونزاع حسن حبري مع الرئيس الحالي إدريس ديبي ارتبط بإقليم دارفور الذي كان االقاعدة الخلفية للصراعات التشادية الداخلية.
يشكل الإقليم نقطة تماس مع ما يعرف بالحزام الفرنكفوني (تشاد، النيجر، أفريقيا الوسطى، الكاميرون) وهي الدول التي كانت تحكمها فرنسا أثناء عهد الاستعمار، مما يوضح سبب الاهتمام الفرنسي بما يجري في الإقليم في الوقت الراهن. يسكن الاقليم حوالي 160 قبيلة، كلهم مسلمون، والذي لا يعرفه الكثيرون أن بالإقليم أعلى نسبة من حملة كتاب الله عز وجل موجودة في بلد مسلم ، إذ تبلغ هذه النسبة ما يزيد على 50% من سكان دارفور، يحفظون القرآن عن ظهر قلب، حتى أن مسلمي إفريقيا يسمون هذه الأرض دفتي المصحف .
تقع دارفور في أقصى الجزء الغربي من السودان بين خطي عرض 10 و16، وخطي طول 22/30,27 شرقا، وتحدها من الشمال ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى، ومن الجنوب بحر العرب وشمال غرب بحر الغزال، ومن الشرق كثبان كردفان، ومن الشمال الشرقي الإقليم الشمالي.
ويوجد بها ثلاثة مناخات تقريبا، وهي: المناخ شبه الصحراوي في الشمال، ومناخ شبه البحر المتوسط في منطقة جبل مرة الذي يصل ارتفاعه عشرة آلاف قدم فوق سطح البحر، وفي الجنوب والجنوب الغربي تنمو حشائش السافانا.
وتكثر بدارفور الجبال، فتتوسطها سلسلة جبال مرة، وهي أعلى هضبة في السودان، كذلك يوجد بها عدة جبال أخرى منها: جبل الميدوب ، وجبل أبو قران ، وجبل تقابو ، وجبل فشار ، وجبل أم كردوس ، وجبال الداجو .
ويوجد بها نهر بحر العرب الذي يصب في نهر بحر الغزال، وروافده المتعددة، وبحيرة كندي، إضافة إلى عدد من عيون الماء العذبة، ويوجد بها عدد من الوديان.
وأصل المشكلة هناك أن دارفور تسكنها قبائل من أصول عربية تعمل بالزراعة، وقبائل من أصول إفريقية تعمل بالرعي. وكما هو الحال في صحراوات العالم أجمع.. يحدث النزاع بين الزراع والرعاة على المرعى والكلأ، وتتناوش القبائل بعضها مع بعض في نزاع قبلي بسيط، تستطيع أي حكومة أن تقضي عليه، غير أن هذا لم يحدث في السودان، بل تطور الأمر لما تسمعونه وتشاهدونه الآن.. لماذا كل هذا؟!! لأن السودان هي سلة الغذاء في إفريقيا، لأن السودان هي أغنى وأخصب أراضي العالم في الزراعة، ولأنه تم اكتشاف كميات هائلة من البترول، ومثلها من اليورانيوم في شمال دارفور..
خلفية تاريخية كانت دارفور مملكة إسلامية مستقلة، تَعاقب على حكمها عدد من السلاطين، وآخرهم (علي دينار)، وكان للإقليم عملته الخاصة وعلَمه، ويحكم في ظل حكومة فيدرالية، ويحكم بموجبها زعماء القبائل مناطقهم، وكانت هذه الفيدراليات مستقلة تماماً حتى سقطت في الحقبة العثمانية، التي استمرت نحو 10 سنوات، وشكل الأمراء والأعيان حكومات ظل كانت مسؤولة عن قيادة جيش دارفور الموحد الذي كان يشن عمليات المقاومة ضد الجيش العثماني.
شهد اقليم دارفور عدة ثورات، أشهرها ثورة السلطان هارون التي دحرها (غردون باشا) عام 1877، وثورة (مادبو) بمدينة الضعين، وثورة البقارة.
وعند اندلاع الثورة المهدية سارع الأمراء والزعماء لمبايعة المهدي ومناصرته حتى نالت استقلالها مجدداً.ولم يدم استقلال الإقليم طويلاً؛ حيث سقط مجدداً تحت حكم المهدية عام 1884 الذي وجد مقاومة عنيفة، وعندما سقطت المهدية عام 1898، عاد السلطان (علي دينار) ليحكم دارفور.
وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد سلطان دارفور تركيا التي كانت تمثل مركز الخلافة الإسلامية،الأمر الذي أغضب حاكم عام السودان، وأشعل العداء بين السلطنة والسلطة المركزية، والذي كانت نتيجته الإطاحة بسلطنة دارفور وضمها للسودان عام 1917. وقد تأثر إقليم دارفور بالثقافة الإسلامية، فأقيمت المدارس الدينية لتعليم القرآن والشريعة الإسلامية، وتم إرسال العديد من أبناء الإقليم إلى الدراسة في الأزهر الشريف، حيث خصص (رواق دارفور) منذ تلك الفترة، كما كانت هناك نهضة ثقافية وفكرية ساهمت في تلاحم القبائل. ويذكر التاريخ للسلطان (علي دينار) أنه كان يكسو الكعبة المشرفة سنوياً، ويوفر الغذاء لأعداد كبيرة من الحجاج.
النزاعات السابقة في دارفور: في 1989 اندلع نزاع عنيف بين الفور (أفارقة) والعرب، وتمت المصالحة في مؤتمر عقد في مدينة (الفاشر)،رعاه الرئيسُ السوداني الحالي عمر البشير . كما اندلع صراع قبلي آخر بين العرب والمساليت في غرب دارفور بين عامي 1998-2001؛ مما أدى إلى لجوء كثير من المساليت إلى تشاد، ثم وقعت اتفاقية سلام محلية مع سلطان المساليت عاد بموجبها بعض اللاجئين فيما آثر البعض البقاء في تشاد.
تاريخ دارفور القديم الهجرات التي كانت تتميز بها المنطقة نظراً لحركة القبائل العربية والأفريقية، كان لها أثرها الواضح في تاريخ دارفور وعاداتها وتقاليدها وأعرافها؛ إذ إن الهجرات حملت معها تيارات ثقافية واجتماعية واقتصادية ودينية، أحدث بعضها تغيرات جذرية. ونظرا لتنوع دارفور المناخي والطبيعي استوطنت عدد من القبائل المختلفة في مناطق متفرقة في دارفور، فسكنت قبيلة الفور تورا في جبل مرة، واستقرت التنجر والزغاوة والخزام في شمال دارفور، وكان لكل قبيلة زعيم يدير شؤونها مستقلا عن أي سلطة، وكانت العلاقات القبلية هي التي تحكم العلاقات بين القبائل المنتشرة في المنطقة، وكانت غالبيتها وثنية.
- سلطنة الداجو حكمت دارفور(بين القرن الثاني والثالث عشر الميلاديين) وكانت تستقر في المنطقة الواقعة جنوب شرق جبل مرة، وتاريخ الداجو غير مؤرخ بطريقة منظمة، ويعتمد في الأساس على الرواة وغيرهم ممن يحفظون التاريخ ويرونه في شكل قصة أو حكاية تظهر في غالبية الأحيان تاريخ البطولة. وحكم الداجو دارفور ما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وكان تمركزهم شرق وجنوب شرق جبل مرة، وقد حكم منهم ستة سلاطين أولهم السلطان عبد الله داج وآخرهم السلطان عمر بن آمن الشهير ب كسافرو .
- التنجر في دارفور والتنجر هي إحدى القبائل التي استولت على الحكم في منطقة دارفور في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، واستمر حكمهم إلى النصف الأول من القرن الخامس عشر، أي حوالي قرن ونصف، وينسب البعض التنجر إلى عرب بني هلال، ويذهبون أنهم أول قبيلة تدخل اللغة العربية إلى دارفور، ويرى آخرون أنهم من النوبيين، وهناك رأي ثالث أنهم ينتمون إلى قبائل الفور. وكانت سلطنة التنجر موجودة في شمال دارفور عندما كان الداجو يحكمون في جنوب دارفور، وبعد زوال الداجو بسط التنجر نفوذهم على دارفور، وكانت عاصمتهم مدينة أروى في جبل أروى.
اشتهر التنجر بالتجارة، وكانت عاصمتهم أروى من المدن المزدهرة في ذلك الوقت، واستطاع حاكم المدينة أن يقيم علاقات اقتصادية مع العثمانيين، وكان تجار القاهرة يمدونه بالسلاح مقابل الحصول على الذهب. وعرف عن التنجر عاطفتهم الإسلامية، وهناك بعض الأوقاف في المدينة المنورة تخص سلطان التنجر أحمد رفاعة ما زالت موجودة حتى الآن، وعرف عنهم المرونة في الحكم وعدم اللجوء إلى القسوة في إدارة مملكتهم على خلاف ما كان يفعله الداجو، وعرفوا بفنونهم المعمارية الجيدة، فما تزال هناك آثار لطريق مرصوف في أروى.
وضعفت مملكة التنجر لسيادة روح التوسع في آخر عهدها وصارت هذه المملكة متسعة جدا بحيث صعب على السلطان إدارتها؛ مما أدى إلى اضمحلالها تدريجيا، وسقوطها في أيدي قبائل الفور الكيرا عام 1445م.
- الفور في دارفور كان يطلق على قبائل الفور التورا وهي كلمة تعني العملاق؛ إذ إنهم من طوال القامة ضخام الأجسام، وكان التورا يبنون بيوتا دائرية يطلقون عليها اسم بتورنق تونقا أي بيوت العمالقة. وقد استوطن التورا جبل مرة، ولم يختلطوا بعناصر أخرى، وحافظوا على دمائهم وأشكالهم لاحتمائهم بالجبال، وعندما دخل الإسلام منطقتهم عرفوا بالفور، وكان الفور والتنجر بينهم مصاهرات كثيرة مما يوحي بأنهم من أصل واحد وهو التورا.
وكان سليمان سلونق، أي سليمان العربي، هو أول سلطان يقوم بتأسيس دولة دارفور الإسلامية عام 1445م، وقد استطاع إخضاع (37) زعامة ومملكة صغيرة لحكمه، بعدما خاض حوالي (32) معركة، وكانت المملكة تتكون من مسلمين ووثنيين، وبدأ السلطان في تدعيم سلطته في دارفور، فقام بخلع الزعامات المحلية وولى على بلادهم زعماء جددا من أهلهم، من هذا التاريخ بدأ حكم الكيرا أو الفور أو الفور الكيرا في دارفور، (والكيرا تعني الأحفاد الخيرة)، وقد حزن زعماء التنجر لفقدهم السيطرة على الحكم في دارفور، فكانوا إذا جلسوا مع الفور يلبسون العمامة السوداء.
واستمر الفور يحكمون دارفور ما يقرب من 430 عاما دون انقطاع، أي من سنة 1445م حتى سنة 1875م، ثم حكمها السلطان الشهير علي دينار من سنة 1898م حتى 1916م، حيث ضمت بعد ذلك إلى السودان في 1/1/1917م، وبلغ عدد سلاطينها (27) سلطانا. كان الحكم في دارفور فيدراليا وكانت تسمى بسلطنة دارفور الإسلامية.
التواجد المصري في دارفور قام حاكم مصر محمد علي باشا بضم مملكة دارفور، حيث بدأت المعارك بين الجانبين في 16/4/1821م في مدينة بارا، وهزم جيش الفور، واستطاع محمد علي السيطرة على كردفان التي كانت تابعة لدارفور في ذلك العام. لكن روح النضال لم تهدأ وانتهى الأمر بالحكم المصري في دارفور بعد أن أرسلت القاهرة رسالة سرية إلى الحاكم المصري في دارفور سلاطين باشا تأمره أن يجمع قواته المتفرقة في دارفور في منطقة الفاشر، ثم عليه أن يسلم الحكم في دارفور إلى الأمير عبد الشكور عبد الرحمن شاتوت وهو من أمراء دارفور، وشاءت الأقدار أن يتوفى عبد الشكور قبل أن يصل إلى دارفور قادما من القاهرة، وأن تقوم الثورة المهدية في تلك الفترة.
بعد رحيل المصريين خضعت دارفور لحكم المهديين، وفي ظل الحكم المهدي لدارفور قامت حكومة ظل ثانية بقيادة السلطان أبو الخيرات إبراهيم قرض الذي قام بتصعيد المقاومة وساعده في هذه المقاومة جيش أبو جميزة وعدد كبير من القبائل ودارت معارك طاحنة بين الجانبين، هزم فيها جيش أبو الخيرات، لكنه لم يهدأ وأخذ في التحريض على الثورة حتى اغتيل في 9 فبراير 1891م.
- السلطان علي دينار بعد اغتيال أبو الخيرات اختار أهل دارفور علي دينار ليتولى قيادة سلطنة دارفور ورئاسة حكومة الظل لتحرير دارفور من المهدية وخاض معارك عنيفة مع المهديين وفي هذه الأثناء تمكن السلطان حسين محمد عجيب أبو كودة من القيام بثورة والإطاحة بسلطة المهديين في دارفور في إبريل 1898م وأعلن استقلال سلطنة دارفور الإسلامية، وقد طلب علي دينار من أبو كودة أن يتنازل عن زعامة سلطنة دارفور وأن يتعاون معه في إدارتها، وكانت تلك الرسالة هي التي أشعلت نار الحرب بين الرجلين، وجمع علي دينار جيشا كبيرا للزحف على دارفور، وتيقن أبو كودة أنه ليس في وسعه المقاومة، فأرسل إلى علي دينار معتذرا ومعترفا له بالسلطة في دارفور.
أدرك السلطان علي دينار أن هناك رغبة من حكومة السودان (التي كانت تخضع لسيطرة الإنجليز وقتها) في ضم دارفور إليها، وتقويض استقلالها؛ لذا أرسل إلى حاكم السودان كتشنر يعلن قبوله بالتبعية الاسمية لحكومة السودان شريطة الاعتراف به سلطانا على دارفور، إلا أن سياسة حكومة السودان في تلك الفترة هي عدم التدخل في شؤون دارفور، حيث قرر الإنجليز أن يرضوا بسيادة اسمية على دارفور وترك أمرها لواحد من أبنائها؛ لذا تم الاعتراف بعلي دينار سلطانا على دارفور في أيار 1901م شريطة أن يرفع العلمين المصري والإنجليزي في عاصمته الفاشر، وأن يدفع جزية سنوية مقدارها 500 جنيه.
وقد قام علي دينار بإصلاحات في دارفور وأقام نظاما إداريا متطورا لتسيير دفة الحكم، فكون مجلسا للشورى، وعين مفتيا لسلطنته، ومجلسا للوزراء وأسس جيشا وأوكل تدريبه لضابط مصري، وخاض عددا من النزاعات الداخلية لتثبيت سلطته، منها عصيان بعض القبائل، واحتلال الفرنسيين لسلطنة دار وداي المجاورة 1909م، واستسلام سلطنة دار سلا للفرنسيين.
وأثناء الحرب العالمية الأولي التي خاضتها الدولة العثمانية ضد الحلفاء جاهر علي دينار بعدائه لحكومة السودان، بل جهز جيشا لاختراق حدود السودان بقصد احتلال كردفان، وأعلن استقلاله التام عن السودان. وقد قررت حكومة السودان السيطرة على دارفور والإطاحة بعلي دينار الذي ناصر الدولة العثمانية ضد الحلفاء، وانتهى الأمر بمقتل علي دينار في 1916 وهو يؤم المصلين في صلاة الصبح، وأعلن في 1/1/1917م ضم سلطنة دارفور إلى السودان.
دخول الاسلام
دخل الإسلام للسودان عام 31 للهجرة عن طريق اتفاقية البقط بين عبد الله بن أبي السرح وعظيم النوبة في دنقلة، وخلال 300 عام من هذه الاتفاقية تغلغل الإسلام رويدا رويدا إلى أهالي دارفور أسرع من النوبة، حيث نشأت أول سلطنة إسلامية في هذه المنطقة في القرن الثالث الهجري وهي سلطنة الدايو قبيلة أفريقية. ورغم أن سلطنة الدايو حافظت بشكل أساسي على العادات والتقاليد الأفريقية إلا أنها أدخلت الشريعة الإسلامية كمكون أساسي للحياة في دارفور جنبا إلى جنب مع قانون دالي.
وفى عام 1445م. تأسست مملكة الفور الإسلامية في دارفور أيضا، وبعد 200 عام فقط سلمت الفور قيادة دارفور إلى العرب عبر السلطان سليمان صولون وذلك عام 1640م. بسبب زواج أبيه من أميرة دارفورية من بيت السلطان فازدهرت الحضارة العربية في السلطنة.
ولكن السلطان عبد الرحمن الرشيد كان سبب الانتقال الحقيقي لهذا النفوذ في البلاط السلطاني بعدما بنى مدينة الفاشر عام 1792م. وجلب العلماء من الأزهر والدول العربية المجاورة لتعليم الناس أمور دينهم.
وفى عهد الرشيد انتشرت الخلاوي (كتاتيب) التي أوقف عليها الحواكير وهي أراض زراعية يجعلها حكرا على شيخ الخلوة لينفق منها على تلاميذه وطلاب العلم وعلى شئون الخلوة- وكانت المراسيم السلطانية تمنع منعا باتا جباة الضرائب من أن يقتربوا منها أو أن يأخذوا منها شيئا.
وقد تعددت العوامل في انتشار الإسلام في دارفور قبل قيام سلطنة دارفور الإسلامية قبيل منتصف القرن الخامس عشر الميلادي بزمن طويل، هذه العوامل كانت تؤتي ثمارها منذ أن انتشر الإسلام في بلدان غرب أفريقيا ووسط أفريقيا المعروفة جغرافيا باسم بلاد السودان الغربي والأوسط، منذ القرن الحادي عشر، حيث كان يمر حجاج هذه البلاد في طريقهم إلى بيت الله المقدس بإقليم دارفور، إضافة إلى الاتساع في حركة التجار العرب وغير العرب من المسلمين في هذا الإقليم والتي لاقت ترحيبا من سكان الإقليم؛ وهو ما ساعد على انتشار مسيرة الإسلام وتوطيد العربية لغة القرآن الكريم، والتخاطب في شتى المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وعندما أسس السلطان سليمان سلونق سلطنة الفور الإسلامية عام (848ه- 1445م) اهتم ببناء المساجد وفتح المدارس وتعمير الخلاوي بالمدن والقرى، كما واصل حفيده السلطان أحمد بكر (1726م-1746م) نهج أسلافه في هذا المضمار، فقد شجع هجرة العلماء للعمل بدارفور لنشر دين الإسلام بطريقة علمية مؤسسة، فأرسل رسله للدول المجاورة، دخل هؤلاء العلماء سلطنة دارفور في فترات متعاقبة واستقروا بها لأداء مهمتهم الجليلة، فوجدوا من السلاطين الرعاية والاحترام والتقدير والتكريم، فمنحوهم الأراضي والمال الوفير والخدم لراحتهم واستقرارهم، اعترافًا برسالتهم المقدمة، واستقروا بوطنهم الجديد دارفور، ونشطت مدارسهم، وازدهر العلم في ربوع البلاد، وقوي الإسلام، وتبحر الناس في علوم الدين.
كما هاجرت إلى دارفور قبائل أخرى ليست عربية الأصل، وكان لها أثرها في نشر الإسلام، واستفاد أهل دارفور من مدارس أخرى كمصر وتونس والحجاز وسودان وادي النيل، إلا أنهم في ذلك العهد تأثروا كثيرًا من ثقافة غرب أفريقيا الإسلامية وأيضًا المغرب العربي.
ويعتبر أهل دارفور تعلم القرآن والقراءة والكتابة واجبًا دينيًّا على كل شخص -رجلا كان أو امرأة- خاصة في طور الطفولة؛ لذا كان يهاجر بعض التلاميذ إلى خلاوي بعيدة؛ وهو ما جعل حركة المهاجرين سمة من السمات الاجتماعية البارزة في دارفور، وهناك اعترافات بأن قبيلة الفور جعلت خلاوي المهاجرين مؤسسات قائمة بذاتها، لها نظم وقواعد ومفاهيم وقيم مرتبطة بها، ومن الطريف أنك قد تجد في بعض هذه الخلاوي تلاميذ كبار السن لم يحفظوا القرآن في سن مبكرة أيام طفولتهم، ثم اقتنعوا بأن طالب العلم ليس له حد في العمر، والعلم واجب تحصيله؛ لأن طالب القرآن في ذلك الزمان كان مقدرًا ومحترمًا من قبل سكان البلد، وبعد حفظ الطالب القرآن وتخرجه، تذبح له الذبائح، ويعرض له الزواج بواحدة أو اثنتين أو أكثر؛ لأنه أصبح شخصا مهما في المجتمع، ومن ميزات حفظ القرآن أن صاحبه لا يُطلب منه دفع المهر لزواجه إثر تخرجه إكرامًا له.
كان بكل قرية مسجد يتعلم فيه القرآن، وكان لكل عالم مسجد بالقرب من منزله يصلي فيه الصلوات الخمس وبجواره خلاوي المهاجرين، كان بعض المهاجرين يذهب إلى الأزهر بالتعريف بالقاهرة، حيث بدأت هجرتهم منذ 1850م، وخصص لهم في ذلك الوقت رواق بالأزهر، اسمه رواق دارفور ما زال محتفظا بهذا الاسم إلى يومنا هذا كما هاجر أهل دارفور إلى تونس وغرب أفريقيا طلبا للعلم.
بذور النزاع كثيرا ما عرف إقليم دارفور صراعات بين الرعاة والمزارعين تغذيها الانتماءات القبلية لكل طرف، فالتركيبة القبلية والنزاع على الموارد الطبيعية الشحيحة كانت وراء أغلب النزاعات، وغالبا ما يتم احتواؤها وتسويتها من خلال النظم والأعراف القبلية السائدة.
ففي عام 1989 شب نزاع عنيف بين الفور والعرب، وتمت المصالحة في مؤتمر عقد في الفاشر عاصمة الإقليم. ونشب نزاع ثان بين العرب والمساليت غرب دارفور عامي 1998 و2001، وتم احتواؤه باتفاقية سلام بين الطرفين وإن كان بعض المساليت آثر البقاء في تشاد.
هل أصبحت معالم خطة تقسيم السودان واضحة ودخلت حيز التنفيذ بعد التهديدات والدعوات المكثفة للتدخل العسكري من قبل الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة في دارفور في ضوء الحديث عن نزوح قرابة 100 ألف سوداني مما يسمى القبائل الأفريقية في المنطقة إلى تشاد، وروايات غربية عن عصابات عربية موالية للحكومة تطارد وتقتل القبائل الأفريقية.
الإجابة عن هذه التساؤلات توضح لنا الموقف وعلى ما يحدث هناك ، فالسودان واحد من الدول القليلة التي تجمع في ثقافاتها ألوانا مختلفة الأوجه، منحت السودان ظروفا بالغة التنوع على المستويين الطبيعي والسكاني. يمثل السودان أحد أكبر الدول في القارة الأفريقية بمساحة تزيد عن 5,2 مليون كم2، و يبلغ عدد السكان 34 مليون نسمة، وتمثل حدود السودان الطويلة مع 9 دول إحدى أهم نقاط الضعف في معالم جغرافيته السياسية. وينقسم السكان إلي مجموعتين رئيسيتين: الزنوج، والعرب، ودينيا يشكل المسلمون أكبر مجموعة دينية بما يزيد عن 70% من إجمالي السكان، والنسبة الباقية للوثنيين والمسيحيين. ومن بين 26 ولاية يجسد إقليم دارفور ما يمكن اعتباره السودان المصغر بتنوع أعراقه ولغاته ومشاكله الداخلية، وتأثير دول الجوار والقوى الدولية.
بداية الصراع
تختلف الروايات حول النزاع الأول الذي ظهر على السطح كحالة تستحق المعالجة الخارجية في دارفور، فوفقا لمركز تراث دارفور أنه لم تسجل حالة تخطى فيها النزاع حدوده الطبيعية كخلاف صغير بين رعاة ومزارعين إلا عام 1968م. وكان خلافا عربيا عربيا -رعويا- بين الرزيقات والمعالية، وهو خلاف إداري وسياسي، حيث وعدت الأحزاب المعالية بالاستقلال عن إدارة الرزيقات وإعطائهم نظارة منفصلة من أجل كسب أصواتهم الانتخابية.
ولم يصبح حوار البندقية أصلا من أصول دارفور إلا بعد الحرب التشادية الليبية أواخر الثمانينيات، والحرب التشادية التشادية بعدها، ولم يعرف الجنجويد كمصطلح يطلق على اللصوص إلا بعد نزوح قبائل تشادية إلى دارفور؛ فالتسمية تشادية أصلا والمصطلح دخيل عليهم من تشاد ، فدارفور منذ نشأتها عرفت بالتسامح الذي جبلت عليه قبائلها -العربية منها والأفريقية- وكان مشهد التنقل من الجنوب إلى الشمال في فصل الخريف لدى الرحّل مشهدا دالا على التناغم والمحبة بين هذه القبائل ، وكانت له أسس وقواعد مرعية؛ فرحلة البدو لها وقت محدد ولها إذن أيضا يأخذونه من أصحاب الأراضي الزراعية.
فطرق سير القبائل الرعوية وهو ما يعرف بالمراحيل محددة من قبل السلطان وعددها 11 مرحالا، وعند بداية الرحلة ترسل القبائل المرتحلة مندوبا إلى القرى التي سيمرون بها لتعلمهم بوقت المرور فتخرج كل قرية لتستقبل ضيوفها وتقيم لهم الاحتفالات، وفى هذه الرحلات كان التزاوج متاحا بين القبائل، وكذلك التبادل التجاري، وقد يصل الأمر إلى حلف الكتاب وهى أقصى درجات الموالاة بين قبيلة وأخرى عندما تحلفان على أنهما أهل وأن الصلة بينهم صلة دم.
هذه المشاهد كان يعكر صفوها أحيانا بعض التعديات البسيطة بين قبيلة وقبيلة ولكنها سرعان ما تحل ، وغالبا ما كان يتم الصفح عن المسيء على أن تتذكر قبيلة الجاني ما قدمته قبيلة القتيل إذا حدث تعد منها في يوم من الأيام باعتبار أن بينهما ركوبة، ويكون على القبيلة المخطئة أن تساعد القبيلة الأخرى في دياتها وتتكافل معها في مشاكلها الأخرى.
أسباب الأزمة فى دارفور احتراف معظم أهل دارفور الزراعة والرعى كحرفتين أساسيتين، حيث يتحرك معظم المواطنين بحيواناتهم فى أراض واسعة طلبًا للكلأ والماء، الأمر الذي يسبب احتكاكات ونزاعات بين القبائل التى تعتمد فى معيشتها على الزراعة وتلك التى ترعى الماشية والأغنام والجمال، لكن سرعان ما يتم احتواء هذه الاحتكاكات أو الاشتباكات بواسطة أعيان القبائل المختلفة. وكنتاج طبيعى للظروف الطبيعية التى اجتاحت المنطقة فى الأعوام السابقة مثل الجفاف والتصحر فقد ظهرت خلافات ونزاعات بين القبائل التى تمارس الزراعة وتلك التى تحترف الرعى.. وقد كان من الإفرازات السلبية لهذه الظاهرة أن لجأ الأفراد ضعيفو النفوس إلى تكوين عصابات لنهب وترويع المواطنين الأبرياء، وهو ما يعرف بعصابات النهب المسلح التى اتخذت من هذا العمل الإجرامي الذي ينتهك القانون وسيلة لدعم وتمويل النشاط العسكري للمجموعات المتمردة، فضلًا عمن يقومون بارتكاب مثل هذه الجرائم لمكاسب شخصية. لذلك استوجب هذا الوضع أن تضطلع الحكومة بمسئولياتها وواجباتها فى الحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين الأبرياء، كما قامت الدولة بتشكيل محاكم خاصة لضمان سرعة البت فى تلك الجرائم نظرًا لما لها من مخاطر قد تفضى إلى فتنة وحرب أهلية.
أدت الانفراطات الأمنية، والأحداث السياسية فى بعض الدول المجاورة لإقليم دارفور عبر التاريخ إلى نزوح عدد كبير من قبائل تلك البلدان، خاصة تشاد وأفريقيا الوسطى إلى إقليم دارفور، وقد استقرت أغلب تلك القبائل بأرض الإقليم، ساعد في ذلك التداخل الأسري واللغوي والتاريخ المشترك للمنطقة التى كانت مملكة واحدة فيما يسمى بالسودان القديم والذي يمتد من السنغال وغامبيا على المحيط الأطلسى إلى أثيوبيا فى أقصى شرق القارة الأفريقية.
ومن إفرازات النزاعات التشادية الداخلية منذ أوائل السبعينيات، فضلًا عن القتال الذي استمر فى جنوب السودان لعقدين من الزمان انتشار الأسلحة بمختلف أنواعها وتكديسها لدى المواطنين فى بيئة يصعب على الدولة والوجود الحكومى تعقبها، وقد تفاقمت هذه المشكلة في الفترة الأخيرة عندما برز استخدام الأسلحة المتطورة بواسطة عصابات النهب المسلح التي أضحت تقلق مضاجع المواطنين، الأمر الذي استوجب قيام الدولة بواجبها ومسئوليتها في بسط هيبتها بتدعيم الأمن وتعقب الجناة وتقديمهم للقضاء العادل.
على صعيد آخر شهد إقليم دارفور الكبرى استقطابًا حادًا فى مختلف عهود الأنظمة الديمقراطية حيث مارست مختلف الأحزاب السياسية، وبخاصة الحزبين الكبيرين، استقطابًا لأغراض حزبية اتسم بالطابع القبلى، ومساندة قبيلة على حساب قبيلة أخرى، الأمر الذي عرّض تماسك النسيج الاجتماعى فى الإقليم إلى الضعف، وأوجد مناخًا من عدم الثقة فيما بين قبائل الإقليم.
منذ بداية نشاط الحركة الشعبية فى جنوب السودان، سعت الحركة إلى إيجاد موطئ قدم لها فى الإقليم عن طريق تجنيد بعض أفراد القبائل، وتسليحهم.
على صعيد آخر، تعرضت دارفور الكبرى، وشمال الإقليم بوجه خاص إلى موجة الجفاف المشهورة فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى والتى امتدت لأكثر من عقد من الزمان، ونجم عنها مجاعة فى أكثر من موقع فى الإقليم، وأدت إلى حراك سكانى هائل من شمال الإقليم إلى جنوبه الذي يتمتع بموارد طبيعية أفضل بكثير من تلك التى تتوفر فى إقليم الشمال. وكان من الإفرازات السالبة لهذا الحراك السكانى قيام تنظيمات مسلحة متباينة الأهداف، منها ما هدف للدفاع عن القبيلة ومصالحها والحفاظ على ممتلكاتها رعيًا كان أم زراعة، ومنها من وجد فى عدم الاستقرار مناخًا ملائمًا لتأسيس تنظيمات للنهب المسلح خدمة لمصالح ذاتية وفردية. وقد انتظمت هذه الجماعات المسلحة فى مجموعات معارضة كحركة تحرير السودان (قطاع دارفور) وحركة العدل والمساواة، وتسببت فى إفشال مساعى الدولة السلمية لمعالجة الأوضاع، ولجأت إلى حمل السلاح وتأجيج الصراعات وترويع المواطنين وتعريض حياتهم وممتلكاتهم للخطر وممارسة أبشع أنواع انتهاكات حقوق الإنسان.
الفشل السياسي السوداني في إقامة الدولة الوطنية وإنجاز التنمية المتسامية والعادلة على مستوى القطر، فالسودان منذ الاستقلال ورث الدولة الكولونيالية بحدودها الإدارية واقتصادها وطريقة الحكم دون أن يحولها إلى دولة حديثة تحقق الاندماج القومي أو الوحدة في التنوع الثقافي بحيث يمكن الثقافات المختلفة التي يضمها السودان من أن تعيش انتماءً قوميًا يمثل الحد الأدنى القادر على ربط كل هذه الشعوب من خلال الشعور بالمواطنة الواحدة التي تساوي الجميع بغض النظر عن الأديان أو اللهجات أو الثقافات، وأن تكون هذه العوامل مصدر قوة في الانتماء للوطن الواحد وليست أدوات فرقة أو اختلافات وخلافات كما يحدث الآن.