جمال عياد* - حاتم السيد الحاصل على جائزة الدولة التقديرية في مجال الفنون المسرحية في العام 1997، والذي ترك بصمة خاصة على المسرح الاردني عبر أعمال تراكمت لزمن غير يسير ، والذي واكب نهوض المسرح الاردني ورصد عثراته ونظم على مدى سنوات المهرجانات المسرحية ، التقته ''الرأي'' في حوار عن تلك المسيرة وعن نظرته للمسرح وما آل إليه الواقع الدرامي في الاردن.
الثقافي لو نظرنا خبرتك وجهودك الطويلتين نسبيا منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، ما هي أهم المنجزات التي قدمتها في هذه الفترة إلى المسرح الأردني والعربي، مخرجا وإداريا؟
- قدمت إلى المسرح الأردني ما يقارب أل 25 عملا مسرحيا، وقد عملت بعد تخرجي مباشرة في الأردن عبر أربعة مسارات، أولاها: عملي كمخرج في دائرة الثقافة والفنون (أسرة المسرح الأردني) قدمت من خلالها 18 مسرحية، وثانيها: من خلال أسرة المسرح الجامعي، وقدمت 7 أعمال مسرحية ودونما مقابل، كعادتي في العمل، وثالثها: عملي في الصحف المحلية كناقد فني، قدمت المئات من المقالات في المسرح والسينما والتلفزيون وبعض القضايا الفنية من خلال صحيفة الرأي والدستور وصوت الشعب والأخبار، وبعض المجلات المتخصصة كصوت الجيل التي كانت تصدرها وزارة الثقافة، وبذلك أكون أول ناقد متخصص في مجال الفنون، أما رابعها: وهو الإداري الذي كان يحتاجه المسرح الأردني، فقد عملت في قسم المسرح، ثم مديرا في مديرية المسرح والفنون ثم مؤسسا ومديرا لمهرجان المسرح الأردني، ورئيسا للجنة العليا لمهرجان عمون ومهرجان الهواة الخاص بمديريات الثقافة في المحافظات، وعضوا في اللجنة العليا لمهرجان مسرح الطفل، وعضوا في اللجنة التنفيذية لمهرجان جرش لمدة خمس دورات، ومؤسسا لمهرجان المسرح الجامعي وكليات المجتمع في العام 1986.
الثقافي كيف تنظر إلى دور جيل الرواد في المسرح الأردني والذي ابتدأ بهاني صنوبر ، وأنت واحد منهم؟
-الرائد الأول كان بلا منازع هو هاني صنوبر، الذي قدم الكثير للمسرح الأردني، وأسس أسرة المسرح الأردني، والذي لعب دورا هاما في الحراك المسرحي العربي، كأحد مؤسسي المسرح في سوريا والأردن وقطر، أما بالنسبة لي فقد كنت التالي بعد صنوبر، فساهمت أيضا إضافة لما قلته سابقا، بترسيخ المسرح الأردني ووضعته على خارطة المسرح العربي، من خلال المشاركات في المهرجانات العربية والدولية، سواء عبر أعمالي أو عبر أعمال زملائي الآخرين، وكذلك من خلال الندوات الفكرية والنقدية، حتى أصبح يشار إلى المسرح الأردني بالبنان، وكذلك من خلال تدريسي في جامعة اليرموك لمادة المسرح، وكذلك في كليات المجتمع، الذي وضعت لها منهاجا في العام 1979، لمسرح الطفل والمدرسي.
الثقافي هناك آراء متعددة حول تقييم دورك الطويل في الحركة المسرحية الأردنية، من خلال ترؤسك لمديرية المسرح التابعة لوزارة الثقافة، سواء بالنقد الإيجابي أو السلبي، فالبعض يعتبرك قد أسهمت بقوة في تطوير هذا الحراك، وآخرون يعتبرون بأنك كنت محافظا، رغم الإنجازات البارزة التي أشرت إليها، فما هو تقييمك لتلك الآراء؟
- أنا أولا لم أكن لأعد نفسي لأكون إداريا، ولكن ظروف الوظيفة، ونظام الخدمة المدنية جعلتني مخرجا وإداريا في آن واحد، الأمر الذي جعل من الجانب الإداري أن ينمو على حساب الإبداعي، ولكن هذا كان قدري بصفتي كنت أول خريج أكاديمي متخصص، فكان لا بد من أن أكون مخططا، وإداريا ناجحا في عملي الوظيفي، لأن الإخراج يعتمد بالدرجة الأولى على الفكر، والفلسفة وإدارة الطاقم المسرحي، ولا اعتقد بأن مخرجا ناجحا لا يكون إداريا ناجحا، على الرغم من محاولتي خلق نوع من التوازن، ما بين الوظيفة والإبداع، وقد أكون قد أصبت في نواح كثيرة، وأخفقت في القليل، ولكن الناس تنظر إلى القليل عادة وتنسى الكثير، وعلى كل الأحوال أنا أترك الحكم لزملائي المخرجين الذين عملنا معا في إدارة المهرجانات، وحمل المسرح الأردني إلى الآفاق الرحيبة، وأنا راض بحكمهم
الثقافي من خلال حواري معك، أشرت إلى تصويب عبارة المسرح الأردني، بالمسرح في الأردن، أو في سوريا، وهكذا، لماذا؟
- أنا من الناس الذين يؤمنون بأن المسرح فن حديث أو وارد على بيئتنا حديثا، وعلى الرغم من وجود الأنماط والأشكال التراثية في ثقافتنا العربية، إلا أنها لم تتطور، بسبب طغيان سلطة الشعر، في ثقافتنا العربية، وهذا جعل العرب لا يقومون بترجمة المسرح اليوناني والروماني، لأنهم كانوا يعتقدون بأن المسرح يعتمد على المديح والهجاء وهذا مرادف للكوميديا والتراجيديا في المسرح، ونسوا أن المسرح يعتمد على الصراع، بين كتلتين، أو قضيتين، أو شخصيتين، مختلفين في الرأي والهدف، ومحصلة ذلك ما يسمى بالدراما، والتي تنقسم إلى أربعة أقسام، هي صراع أفقي وعامودي وميتافيزيقي وسيكولوجي.
الثقافي ولكنك لم تجب على سؤالي؟
-وهذا الفن عبر ما يكتب ويقدم، هو تقليد للمسرح الأوروبي الوافد، والذي أصطلح على تسميته (العلبة الأيطالية)، فنحن ما زلنا حتى الآن ندب في أزقة الغير ولم نستطع بعد أن نكون مسرحا، وإن ما يقدم وما يقال عن مسرح الحكواتي لروجيه عساف في لبنان، والمسرح الاحتفالي وخصوصا ما يطرحه عبد الكريم برشيد في المغرب، والسامر في مصر، كلها تجارب لم تخرج من عباءة برخت وبراندلو، وحتى يصبح لنا مسرحنا العربي، لا بد من الرجوع إلى ثقافتنا وتراثنا وتاريخنا، وأن نطور الأنماط والأشكال الشعبية والموروث الشعبي، ولا بد أيضا من دراسة الظروف الموضوعية والنفسية عن طريق عقلية الفنان التي تنهل من كل ما أسلفت ذكره، وتفرزه إلى أشكال وأنماط حديثه، عندها سيكون لنا مسرحنا العربي.
الثقافي اسمح لي بأن أختلف معك، فكل ما طرحته حيال تأسيس مسرح عربي، قد طرحته تنظيرات عبد الكريم برشيد، لكن أنا أرى بأن الإشكالية تكمن في طبيعة عمران المجتمعات العربية، التي لا تزال تقف على باب المدينة، من حيث استيعاب مفهوم الديمقراطية، فظاهرة المسرح راكمته المدنية الغربية من خلال تطورات بنيوية اقتصادية واجتماعية عميقتين، لم تمر بها المجتمعات العربية ذات النمطين البدوي والريفي السائدين، هذان النمطان الغريبان عن فكر المسرح، فما رأيك؟
- أنا شخصيا أختلف معك في مسألة الاحتفاليين والحكواتية، لأنني كما أسلفت أن هؤلاء لم يخرجوا من عباءة بريخت وبراندلو، وإن المسرح كما أسلفت سابقا أيضا قد قتله الشعر، أما المدنية، فكانت موجودة لدينا، فدمشق عاصمة للأمويين منذ القدم وبغداد عاصمة العباسيين، وكذلك العواصم العربية الأخرى كالقاهرة، ولكن لم ينشأ فيها مع كل ذلك مسرح، فضلا عن أن مجتمعنا العربي هو محافظ، يوكل جميع همومه إلى العناية الإلهية، فهو يعيش هانئا في كنفها، وبالتالي كما تقول الآية الكريمة (قل لن يصيبنا، إلا ما كتب الله لنا)، وبالتالي فهو لا يعير الصراعات الأربعة المعروفة في الدراما اهتماما، لأن مجتمعنا المسلم متماسك متعاضد، متكافل، بحيث أن صلاتنا وهي عماد ديننا تؤدى بشكل جماعي، ولذلك أي خروج عن رأي الجماعة، هو استثناء.
الثقافي كيف تقدم شخوصك المسرحية مخرجا؟ هل تغير تصميمها، أثناء البروفات، بعد أن تكون قد قرأتها سابقا في المتن النصي، وما الفرق بين التجسيد والتقمص في رأيك، وإلى أي واحدة تنحاز في أعمالك لها ولماذا؟
ومتى تدفع ممثليك إلى الانفعال إيهاميا في الأدوار، ومتى تكسر هذا الإيهام، وفي أي حالة تقصد أن تمس دور الشخصية دون أن تذهب إلى أغوارها، أثناء تصميمها؟
- أنا مخرج أعمل ورشة للعمل المسرحي من الناحية الأدبية والفنية، وأقوم أنا وطاقم العمل بدراسة دقيقة لكل تلافيف العمل من الداخل، وأحيانا كانت هذه الورشة تستمر إلى أكثر من ثلاثة شهور، لدرجة أننا كنا كفريق نعيد صياغة بعض ما جاء من حوارات ومناخات في المتن النصي، وهذا ما حدث معي في مسرحية رسول من قرية تميرة لمحمود دياب وأفكار جنونية من دفتر هاملت لنجيب سرور، وحال الدنيا والزبال لممدوح عدوان، وكذلك في نار البراءة وإنسوا يا عالم، لأنني أؤمن إيمانا يكاد يكون مطلقا بأن المخرج يجب أن يكون مفكرا وصاحب فلسفة ومن بعد تأتي جميع المعطيات المسرحية الأخرى، وذلك لأن الأساس في هذه العملية بأن المضمون يفرض الشكل المسرحي، ومن ثم يأت الأسلوب والمدرسة وطريقة الأداء بالنسبة للممثلين وجميع لواحق العمل. أما بالنسبة لاختيار المدارس المسرحية، فأنا أميل دائما إلى أن يكون المتفرج في حالة وعي دائم بما يجري على خشبة المسرح، ودون أن تتدخل كل من عواطف الممثل والمتلقي في الموضوع، بحيث يستطيع ألمتلقي أن يتخذ قرارا وهو في حالة وعي وغير مسلوب الإرادة وهذا لن يتوفر إلا بالعرض البريختي، أما بالنسبة إلى استنلافسكي، فهذا يفيد الدارس ويساعده في عمله، لأن هذه جزء من الأساسيات ويجب على كل مشتغل في المسرح أن يعيها كما يعي الكلاسيكية في بداياته، ومن لا يعرف الكلاسيكية فهو بالتأكيد لا يعرف المسرح.
الثقافي هل أنت مع وجود المخرج مستقلا، ومنفصلا عن تأليف النص المسرحي، ولماذا هذا الفصل برأيك، أم أنك مع انجماع تخصص المخرج والمؤلف والممثل في شخص واحد، ولماذا هذا الإنجماع في التخصصات في شخص واحد، هل حللت لنا ذلك بهدوء وبتفكير ملي يا رعاك الله؟
- أنا مع التخصص سواء في الإخراج أو في الكتابة أو في التمثيل أو في كافة التخصصات، لأن المخرج هو الذي يستطيع أن يقدم رؤية للعمل الأدبي تحفظ له رؤيته وديمومته واستمراريته، يجعله يتخطى الزمان والمكان وإلا لما عاشت هذه الأعمال الخالدة، وأخص بالذكر الكلاسيكيات التي كتبت في القرن الخامس قبل الميلاد، وما زالت تقدم برؤى معاصرة يستمتع بها الجمهور، وكذلك أعمال شكسبير وكرنيه، وراسين، وغيرهم، أما بالنسبة للزملاء الذين يقومون بأخذ أدوار غيرهم، وعلى رأي المثل الشعبي (بأن صاحب رأيين كذاب).
الثقافي كيف ترى واقع المسرح اليومي؟ وهل هناك حلول فيما إذا كان حاله مائلا؟
- اعتقد بأنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون هذا المسرح نظيفا، ويحترم عقل المواطن وأن لا ينظر إلى داخل جيبه، وهذا يتطلب وجود فنانين واعين لدور الفن، ووظيفته، وليس أن يكون هدفهم تجاريا، بل يجب أن يخلقوا نوعا من الموازنة بين المتعة والفكر، لأن الإنسان يقع عليه في دول العالم الثالث الكثير من الإشكالات والهموم والضغوط النفسية، فيجب أن يقدم لهم فنا نظيفا غير مسف، ليروح عن أنفسهم.
الثقافي بصراحة ما رأيك بحضور وتأثير المرأة في المسرح، نسبة إلى حضور الرجل، من إنتاج العمل؟
- كنا سابقا نعاني من ندرة في العنصر النسائي، ولكن استطاعت كليات الفنون والمعاهد أن تضخ أعدادا وفيرة من الخريجات، اللواتي أستطعن أن يسددن الفراغ الذي كان يعاني منه المسرح الأردني ولسنوات طويلة، وأنا أعتبر أن هذه الزيادة في العنصر النسائي تعد نجاحا من نجاحات المسرح الأردني، علما بأني أريد أن أؤكد على أنه لا فرق بتاتا بين الرجل والمرأة في الحقل الإبداعي، فلا يوجد بما يسمى إبداع نسائي وذكوري، لأن الهم هو واحد، والقضايا هي ذاتها اجتماعيا وسياسيا ثقافيا، وكل منا يعبر عنها على طريقته الخاصة، وبما يحمل من ثقافة وفكر.
الثقافي كيف تنظر إلى مسرح المهرجانات في الوقت الراهن، وأرجو أن لا تنحاز إجابتك، كونك مسؤولا في هذه المهرجانات؟
- حينما أنشئت فكرة هذه المهرجانات، وأنا أحد هؤلاء المؤسسين، كان الهدف منها، ايجاد فرق مسرحية متنوعة تستطيع أن تمول نفسها بنفسها، وتصل إلى الجمهور على الرغم من الدعم القليل الذي كانت تقدمه الدولة،ولكن وللأسف الشديد أن معظم المخرجين كانوا وما يزالوا يعملون مسرحيات تقدم في المهرجانات المنتشرة في الأقطار العربية، متناسين أن أحد طرفي المثلث هو الجمهور، صاحب المصلحة الحقيقية من وجود المسرح، فمسرح بلا جمهور ليس مسرحا.
الثقافيإذن لما كنتم تستمرون في تقديم المهرجانات، لطالما كان هذا الجمهور غائبا، إذ أن أغلب الجمهور كان من الفنانين المشاركين؟
- كنا نحاول أن ندفع بالمخرجين وبكل السبل، حتى يصلوا إلى الجمهور من خلال أعمالهم، ومن أجل أن تستمر تجاربهم من خلال الفرق المسرحية، التي كنا ننظر إلى إنشائها حتى تستمر، فلا بد من أن تمول نفسها بنفسها، لا أن تعتمد اعتمادا كليا على الدولة، لأن الدولة لا تصنع ثقافة، بل تقدمها وتساعدها، فضلا على أنه لم يكن في يوم من الأيام، بأن الثقافة والفنون هي من أولويات الدولة، وهذا ما كان واضحا من خلال تبدل الإدارات السريع في الثقافة، بدليل أنه خلال 33 عاما من العمل في وزارة الثقافة، تبدل على الأقل 35 وزيرا، ناهيك عن وزراء الثقافة والإعلام سابقا، وهم كثر.
ولا بد من التذكير بأن الثقافة والفنون هما هم شخصي، وإن الذي صنعها هم أناس مؤمنون بهما، وأن الثقافة هي سلوك في المدرسة والبيت والشارع وفي كل مناحي الحياة، وإن أحد أسباب هزائم ونكسات الأمة العربية، وتراجعها تعود لأسباب ثقافية، وما يحدث في مدرجات الملاعب والجامعات من سلبيات اجتماعية، هي أيضا تعود لأسباب ثقافية، ففي كل دول العالم توضع خطط ثقافية واعية ومدروسة، ويصرف عليها أكثر من ما يصرف على الحروب وتسليح الجيوش، لأنه عندما تضمن ثقافة المواطن، فإنك تضمن سلوكه الواعي السوي.
الثقافي ولماذا لم تضع هذه الخطط وأنت على رأس هرم المسرح؟
- أنا لم أكن المسؤول الأول وكذلك لم أكن صاحب القرار، ولم أضع الموازنات الضعيفة لوزارة الثقافة، ولم أناقش يوما الموازنات المالية والخطط الثقافية في مجلس الوزراء.
* ناقد مسرحي أردني