د. عيسى برهومة* - زخرت المكتبة العربية بالمصنفات النحوية، بل لعل هذه المصنفات كانت أقدم ما أُلف في العربية رغبة من العلماء أن يخدموا الكتاب المقدس، وأن يحفظوا الألسنة من اللحن، فاللغة العربية أخذت قيمة لا زمانية ولا مكانية في نظر علماء العربية، وذلك لنزول القرآن بها، ولتراثها الواسع، يطالعنا في هذه المجموعة أولاً كتاب سيبويه وهو الكتاب الأول في النحو وما زال الكتاب يُتداول حتى يومنا هذا باسم الكتاب أو كتاب الكتاب، أو كتاب سيبويه إذ إن سيبويه لم يسمّه باسم معين مما أدى إلى اختلاف الروايات في عدم التسمية. فأجمع أغلب الرواة على أن الموت أعجل به فلم يتمكن من مراجعة الكتاب، لذا خلا الكتاب من مقدمة وخاتمة على الرغم من جلالة قدره وإحكام بنائه، فصار علماً عند النحويين، فإذا قيل فلان قرأ الكتاب عُلم أنه كتاب سيبويه. ومن عظيم شأن هذا الكتاب أن أطلق عليه الناس قديماً '' قرآن النحو '' . أما المقتضب فهو الكتاب الثاني شهرة بعد سيبويه. فربّما أراد بالمقتضب أن يكون كتاباً سهلاً واضحاً مبسطاً في مسائل النحو والصرف خلافاً لما جاء به سيبويه من البسط والإطالة، أو أنه أراد به أن يكون مختصراً مقتضباً لما جاء به سيبويه، إذ يتبدى للناظر كثرة اعتماده على سيبويه وإيراد مسائله. لذا عمل محقق الكتاب على إحصاء المسائل التي اعتمد فيها على سيبويه وأثبت هذه المسائل في حواشي المقتضب. وتعكس عناوين بعض الكتب روح العصر بماكان يشيع فيها من مجالس علمية تدور فيها حلقات تعليمية، على نحو ما نجد في تأليف ثعلب لمجالسه التي كانت تحفل بتسجيل الكامل لما يدور في المجلس الذي كان يترأس الإقراء به عن حوار ومناقشات، فيأتي الكتاب ممثلاً لروح العصر العلمية التي تعكس مدى الاهتمام بالعلم والعلماء وحرص الطلبة على حضورها وتسجيل ما يدور فيها. ومثّل ابن السراج بعنوان كتابه مدى تأثر علم النحو بعلم الفقه وأصول الدين، لذا أطلق على كتابه ''الأصول في النحو''على شاكلة الأصول في الفقه والدين. وبذا حاكى علماء النحو علماء الدين والفقه في علومهم؛ نظراً لأصالة هذه العلوم وشرفها، وظل هذا التقليد ماثلاً لفترة متأخرة، إذ نجد السيوطي يطلق على كتابه الاقتراح في أصول النحو. ولا ضير في ذلك وهو العالم الجليل الذي راح يمتح في التأليف من علوم العريبة وعلوم الدين.إيماناً منه بشرف هذين العلمين وسموهما. ونمضي قدماً ليتضح لنا من خلال هذه العناوين مدى التطور الذي أصاب علوم اللغة في النحو، إذ راجت فكرة تخصيص المسائل النحوية بكتب مستقلة، تشبع المسألة بحثاً على نحو ما نجده عند الأنباري في كتابه ''المذكر والمؤنث'' الذي راح يبحث فيه عامل الجنس في اللغة كما يتضح من العنوان. فيغدو العنوان دالة سيميائية بارزة في الدلالة على ماهية الكتاب، فيصدق قول سوسير بارتباط الدال (العنوان) بالمدلول (مضمون الكتاب) ارتباطاً إحالياً. ويكون حلقة وصل مهمة بين المرسل والمتلقي.
كذلك في عنوان الإيضاح في علل النحو، وإن كان الكتاب يمثل دراسة في قضايا النحو، مع أن العنوان يشير إلى مباحث في التعليلات النحوية والعنوان بحد ذاته إشارة إلى الوضوح في تناول المسائل وطرقها. ويغدو المكان لدى أبي علي الفارسي عنواناً، فنراه يطلق عناوين نحو: المسائل البصريات، والبغداديات، والشيرازيات، فيتخذ المكان لديه خصوصية مميزة تدفعه للعنونة به. إنها شاهد حي على حضور المكان في ذهنه، فربّما أراد بهذه العنونة ذكرى لتلك الأماكن التي تفوح عليه نسائمها. وربّما تكون هذه المسائل طرأت عليه في هذه الأماكن فأراد أن يحفظ لهذا المكان دوره في توجيه الرأي وسداده.وقد يكشف هذا العنوان عن إحالة إلى مرجعيّة سياسيّة، أو نجد فيه بعداً رمزياً دالاً أو مغزى ما. وقد تفنن ابن جني في اختيار العنوان، فنجد العنوان يحتوي في ذاته على صفات خاصة به نحو الخصائص، واللمع، وصناعة الإعراب، فكل من هذه العناوين تشمل على صفة خاصة تميزه من غيره، وتثير في المتلقي استبار كنه هذه العناوين ، فالخصائص جمع الخصيصة وهي الصفة التي تميز الشيء وتحدده . كما أنه ينظر إلى علمه بعين الجلال، فيقول:'' واعتقادي فيه أنه من أشرف ما صنف في علم العرب وأذهبه في طريق القياس، وأعوده عليه بالحيطة والصون، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة ونيطت به من علائق الاتقان والصنعة'' (ابن جني: الخصائص، ص1/1) وكأنه أراد به أن يكون صفات وخصائص مميزة في علم اللغة بما أودعه فيها. وهذه الخصوصية التي حظي بها هذا المؤلف تنتقل إلى مؤلفاته الأخرى اللُّمع فهو إشارة منيرة ولمعة لطيفة في مسائل النحو، ويتخذ لمؤلَّف آخر عنوان سرّ صناعة الإعراب وكأنه الوحيد الأوحد في هذه الصناعة، لذا رأى أن يكشف عن هذه الصناعة في كتابه ويطلق عليه هذا العنوان ليشير إلى ماهيته، ويتمثّل مسائله. وكأن هذا العنوان أغرى أبا البركات الأنباري، فنسج في علم العربية مؤلفاً رأى أنه يحمل خصوصية ومكامن جمعها في مؤلف وأطلق عليه أسرار العربية. فتغدو العربية محضنا للأسرار التي خُصّ ببيانها أبو البركات الأنباري، فشرع في بيانها في مصنف ووسمه أسرار العربية، فهو يورد فيه المسائل النحوية بأسلوب سهل عن طريق السائل والمجيب، فتبرز فيه النزعة المنطقية من حيث اعتماده على التحليل ومناقشة الآراء وإيراد الحجج، مما ساعد على إبراز روح العربية الأصيل. ويطل علينا إلى جانب هذا المصنف مصنف آخر للأنباري وهو الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، فيظن المتلقي أن العنوان يمثل مضمون الكتاب إلا أنه يصدم حين يجد الكتاب يضم إحدى وعشرين ومائة مسألة في النحو أيد في جلها المذهب البصري، ما خلا سبع مسائل رجَّح فيها المذهب الكوفي، فيبدو أن الرجل مغرم بوضع أو اختيار العناوين اللافتة، فنجده يسمّى آخر بأسرار العربية (الآنف الذكر) متأثراً بعلوم البلاغة، فالعنوان صورة فنية رامية، إذ يصوّر العربية بإنسان يحمل في جعبته أسراراً. مع التحري والنصفة في الترجيح! وقد قادنا الحديث عن كتب ابن جني الانتقال إلى الأنباري مباشرة، متجاوزين كتاب الزمخشري المفصل في صنعة الإعراب. إذ يبدو من مقدمة هذا الكتاب أن الزمخشري يترأف بهذا المصنف بالمسلمين، إذ يقول:'' ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب ما بي من الشفقة والحدب على أشياعي من حفدة الأدب لإنشاء كتاب في الإعراب محيط بكافة الأبواب مرتب ترتيباً يبلغ بهم الأمد البعيد بأقرب السعي ويملأ سجالهم بأهون السقى، فأنشأت هذا الكتاب المترجم بكتاب المفصل في صنعة الإعراب ...''(الزمخشري: المفصل في صنعة الإعراب، ص19-20). وإلى جانب ما رأينا سابقاً - من مجالس ثعلب في القرن الثالث، نجد أمالي ابن الشجري وغيره، تمثِّل مظهراً من المظاهر العلمية التي تمثل روح العصر في القرن السادس، بما كان يمليها الشيخ على تلاميذه فيقيدونها في دفاترهم التي ظلت شاهدة على روح العصر العلمية. وفي ضوء تعدد المذاهب السياسية التي شهدت بلاد المغرب العربي، ظهر كتاب ابن مضاء الرد على النحاة، ويقصد بهم نحاة المشرق. فالكتاب دعوة إلى هدم الكثير من الأسس التي استقر عليها النحو المشرقي. وبذلك يكون العنوان دالاً دلالة واضحة على ماهيَّة الكتاب. ولا سيما في تعريفه لكلمة النحاة ، ومن هم النحاة؟ أعلام العربية الذين أرسوا قواعدها. ولأن النحو - في الأصل - ظهر خدمة للقرآن الكريم وحمايته من اللحن الذي أصاب اللسان العربي. صنف بعضهم كتباً في مجال خدمة القرآن بإعرابه، وذلك أن الإعراب فرع المعنى. فرأى العكبري أن يصنف كتاب التبيان في إعراب القرآن، فهو بيان لما في كتاب الله من وجوه الإعراب. وأتبعه بكتاب اللباب في علل الإعراب والبناء، وتأخذ التسمية لدى الرجل طابَعاً خاصاً لما توحي به من دلالة على ماهيَّة الكتب التي يصنفها. وتمثل فترة القرن السابع إلى القرن التاسع فترة من أخصب الفترات في شرح المتون العلمية على غرار ما نجد في شرح ابن يعيش لمفصل الزمخشري، وشرح الرضي لكافية ابن الحاجب التي طَّبقت الآفاق. وقد حوت على وجازتها مقاصد النحو بأسرها، فتسابق جمهور من العلماء إلى شرحها. فكان من أجِّلها شرح الرضي وكذلك شرَحَ السيوطي كتابه ''جمع الجوامع'' في مصنف جديد أطلق عليه همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. حتى أطل علينا ابن مالك بألفيته المسمّاة بالخلاصة، وهي ألف بيت من الشعر ضَّمنها قضايا النحو والإعراب، وقد تقدم إلى هذا العمل ابن معطٍ في ألفيته التي حظيت أيضاً بالشروح كشرح ابن لاجناز (المعروف بالغرة المخفية في شرح الدرة الألفية)، وشرح الشريشي المعروف (بالتعليقات الوفية في شرح الدرة الألفية) . امتازت هذه الفترة بتأليف المتون أيضاً، ولاسيما في الأندلس ،إذ ألف أبو موسى الجزولي المقدمة الجزولية التي عرفت بقانون النحو، وشرحها ابن الخباز وأبو علي الشلوبين ، وابن عصفور...وألف أبو حيان غاية الإحسان في علم اللسان، وقام بشرحها في النكت الحسان في شرح غايةالإحسان. فهذا جانب من اهتمام أهل الأندلس في القرن الثامن بالشروح للمتون النحوية. إما إذا عدنا إلى المشرق فنلحظ اهتمام أهلها بشرح ألفية ابن مالك، ويتضح ذلك في الشرح الذي وضعه ابنه عليها، وكذلك شرح ابن هشام المسمّى بأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. وشرح الأشموني وابن عقيل وغيرهم، ومن الطبيعي أن نجد من وضع حواشي لهذه الشروح كحاشية الصبان على الأشموني في شرحه للألفية. أو شرحاً للشواهد نحو ما وضعه الشنقيطي من شرح لشواهد الهمع في كتاب أطلق عليها الدرر اللوامع على همع الهوامع وعلى الرغم من قدم هذه الظاهرة في الشرح والتعليق على الكتب النحوية إلا أنها ظاهرة تميزت بها هذه القرون كما لاحظنا. فجاءت العناوين ماثلة للحالة التي كانت تحياها اللغة في العصور. ولا يخفى علينا ما في هذه العناوين من تصنُّع، والتزام السجع في أغلبها، اقتداء بعلماء الأدب، ومسايرة للصنعة والتزيين والتنميق الطاغية على هذه العصور، كما في الإنصاف في مسائل الخلاف، واللباب في علل الإعراب والبناء، ورصف المباني في شرح حروف المعاني، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك الجني الداني في حروف المعاني. ومغنى اللبيب عن كتب الأعاريب وهو من مصنفات ابن هشام وهو من أوفى كتب العربية وأكثرها فائدة، وموصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، وهمع الهوامع في شرح جمع الجوامع.
* كاتب أردني