رواية عشب الليل

رواية عشب الليل

عرفت فيه القبيلة مريدا للظلمات، وشاعرا يتغنى بالسواد. وبرغم أن الرواة خلعوا عليه لقب الشاعر من باب التهكم، إلا أن الكثيرين أثنوا على موهبته الشعرية، وقالوا إنه اكتشف جوانب خفية في لون العتمة استعصت على كل من سبقه من شعراء القبيلة. وفي حين لم يخف آخرون دهشتهم في أن يحترف المرء السفساف، ويجهد نفسه للبحث عن معنى أمر تافه كظلمة الليل أو سواد البشرة، إلا أن فئة أخرى أكدت أن الإنسان يستطيع أن يفلح في أي أمر، مهما صغر، إذا استطاع أن يجعله هم يومه.
وتناقل هؤلاء أخبارا تقول إن عقلاء كثيرين أثنوا على أشعاره الغريبة، ووصفوها بالكنز الشحيح، وبتعبير آخر أكثر غموضا هو: خلعة الخفاء .
وكما في كل مرة ترد فيها سيرة هذه المملكة على ألسنة الناس، فإن العقول لابد أن تستنفر، والأبدان تتحفز، والألسن تتأهب للجدل. فقد عقب الهواة على آراء وان تيهاي (وهذا هو الاسم المستعار الذي أطلقته القبيلة على رسول الظلمات) في فتنة العتمة وبهاء اللون الأسود فقالوا إن من الجهل الجزم بأن المريد يعني الباديات في تغنيه بحسن الظلمات، ذلك أن الشعراء سلالة مفتونة بالاستعارة، ولا تتكلم إلا إيماءً. وكل ما ردده خصوم الرجل عن تعشقه المعيب لهذا اللون الكريه (إلى حد أنه لا يرتدي إلا ثيابا سوداء، ولا يخرج للتسكع إلا ليلا، ولا يعاشر من النساء إلا إماءه الزنجيات)، يمكن أن يحشر ضمن حسد الإنسان لأخيه الإنسان، ولكن لا شأن له بتوق المريد إلى الجانب الآخر، الجانب المجهول الذي حث الناموس أمم الصحراء على طلبه، فجعل معنى الحياة في البحث عن معناه، وسمته الأجيال خفاءً، ورأت أجيال تالية في الظلمات ستوره التي تحجبه عن الأنظار.
ولكن ما لبث أن هب هواة آخرون، حسب ما حدث الرواة، وطعنوا في الخلط بين الخفاء والظلمة، وقالوا أن الناموس لم يعقد أي قران بين الخفاء والظلمات في أي نص من نصوصه المعروفة. أما إذا كان الأدعياء يريدون أن ينسبوا إلى الشرائع الجليلة آراء لم ترد في النصوص المتداولة متحججين بالوصايا الضائعة في الكتاب، فإن هذا برهان مشبوه لم يكونوا أول من لجأ إليه. لأن اللجوء إلى الوصايا المفقود زعمٌ اعتادته القبائل من المعاندين الذين يحتكمون إلى هذه الحيلة إذا عجزوا وامتنع عنهم الدليل.
ويروى أن الجدل حول علاقة الخفاء بمسلك وان تيهاي استمر طويلا دون أن تتحقق الغلبة لأي طرف، ودون أن يتوصل أحد لسر افتتان العاشق بما لم يعشقه إنسان قبل ذلك اليوم: الظلام! يروي من عاصره من شيوخ القبيلة أن كان وحيد أبويه. وقد ورث عنهما إماءً وأقنانا وقطعان إبل فاضت بها الوديان والسهول والحمادة. ويقال أنه عرف الاستهتار في شبابه، فتسلل إلى الأخبية بعد انتصاف الليالي ليسامر بنات القبيلة، وعندما ضبط في إحدى هذه الغزوات شذ في الآفاق، وسافر إلى القبائل المجاورة ليسامر صبايا الأتباع. في ربوع إحدى هذه القبائل وقع الاعتداء عندما هوت على رأسه أم إحدى الصبايا بهراوة الطلح ففقد وقاره في أول امتحان وصفع العجوز حتى أغمي عليها، ثم قيد لها اليدين والرجلين وأحكم عليها الوثاق حول ركيزة الخباء فيما كانت المعشوقة تتوسل وتستغيث.
يقال أيضا أنه لم يكتف يومها بهذا الفعل الأحمق، ولكنه خرج إلى أمتعته التي تركها في الوادي المجاور ليأتي بالسوط المعلق في طرف السرج. ولو لم يستجب رجال القبيلة إلى استغاثات الفتاة ويهرعوا إلى الخباء لما نجت العجوز الشقية من الجلد، ولعرف العشق عارا لم يعرفه في تاريخه كله. وبرغم أن الرجال حالوا في ذلك اليوم دون تنفيذ القصاص المخجل، إلا أن قصائد الهجاء تحدثت عن العقاب كأمر واقع، ووصفت أشعار كثيرة، بخبث التعبير وقدرة الكلام على المراوغة والمبالغة، تفاصيل الفعلة، وانتهت في الختام إلى وصف الدماء التي لعقتها ألسنة السوط من جسد العجوز، دون أن تنسى الشاعرة اللئيمة أن تنعت وان تيهاي سخرية ب الفارس . كما لم تنس الأشعار تناول تلك الوصية المزعومة التي قيل أن المعشوقة بعثت بها إلى العاشق الأهوج بعد الفضيحة وتقول : هيهات أن يفي الفارس بالوعد، ويحتمل المعشوقة إلى الأبد، إذا عجز عن احتمال أم المعشوقة ليلة! .
ولكن الحيلة لم تغب عن أولئك الذين عاشروا الشعراء، وعرفوا طبيعة الأشعار، لأنهم أدركوا، من قديم، أن القصيد لا يكون قصيدا حقيقيا إذا لم يتنفس أهواء المغالاة، بل إذا لم يتنفس كذبا! بعدها رأى الفارس أن يهجر سبيل العشق، ويجرب معاشرة بنات النبلاء من جهة الناموس.
اقترن وان تيهاي ثلاث مرات.
القرينة الأولى تعود بنسبها إلى قبيلة آهجار نزع أهلها إلى الصحراء الشرقية في أزمنة جثم فيها الجدب على مراعيهم أعواما، فمكثوا، وتزاوجوا، وظلوا يحلمون بالعودة إلى أوطانهم، ويرددون الأشعار عن قسوة المنافي كما يفعل كل من ابتعد عن مسقط الرأس، ولم يكفوا عن التغني والحلم حتى اجتاحت السيول صحاريهم أعواما متتالية، لأن الوطن إذا فقدناه طويلا صار حلما كبيرا يصغر إلى جواره الوطن، والأقوام رأت، في تاريخها الطويل، كيف يتوجع المغتربون عندما يعودون إلى الأوطان بعد غياب دام طويلا، ويعانون الخيبة وفجائع أخرى خفية غالبا ما تدفعهم لأن يضعوا حدا لحياتهم بأيديهم. ربما لهذا السبب أيضا آثر أسلاف الفتاة أن يكتفوا بالتغني ببلاد قاسية لفظتهم وقت المحنة، فحولها الحنين فردوسا، وصنعت منها المسافة واو الصحراء الضائعة، بدل ارتكاب ذلك الفعل الأحمق المسمى في لغة الغرباء عودة.