لبنان ما بعد الحريري

لبنان ما بعد الحريري

ودّع لبنان كله امس رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.. كان وداعا مهيبا يليق بالفقيد الكبير، ويعبر عن حزن كل اللبنانيين والعرب على فقدانه واستنكارهم لجريمة اغتياله، كانت تظاهرة وطنية عارمة شاركت فيها كل اطياف السياسي والاجتماعي اللبناني.. وقد اختارت عائلة الرئيس الفقيد ان تكون الجنازة شعبية بكل ما في ذلك من معنى، وان كان ممثلون لزعماء عرب واجانب قد شاركوا في التشييع. ولا يستطيع المراقب ان يتجاهل الرموز التي تعنيها هذه التظاهرة الوطنية التي شارك فيها مئات الالاف من المواطنين اللبنانيين. وقد عكست الجنازة الضخمة الوحدة الوطنية اللبنانية باجلى معانيها في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، غير ان المهم الان هو ان ينجح لبنان كله في تجاوز هذا المفصل الصعب في حياته، حتي لا تتواصل الخسارات او ينجح الذين اغتالوا الرئيس الحريري في تحقيق مآربهم واهدافهم من عملية الاغتيال، وابرزها تفجير الساحة اللبنانية، وضرب وحدة لبنان الوطنية التي هي قوة للبنان ولمحيطه العربي، وتعزيز لاستقلاله وعروبته وسيادته. ولا يخفى ان المتربصين بلبنان كثر، ومن هنا ينبغي التحذير ودعوة اللبنانيين جميعا الى التماسك والوحدة ليس على اسس عاطفية وانما من منطلقات وطنية وقومية وانسانية، بعيدا عن محاولات بعض الجهات «صب الزيت على النار» واستغلال جريمة اغتيال الحريري لتفجير الوحدة الوطنية والسلم الاهلي وضرب العلاقات اللبنانية- السورية في الصميم. لا شك ان اغتيال الحريري جريمة نكراء، وهو يستهدف لبنان وسورية والعرب جميعا، غير ان هناك اطرافا اقليمية ودولية تسعى الى توظيف هذا الحدث الزلزالي المروّع لمصلحتها، ولخدمة اهدافها التي لا تريد خير لبنان وشعبه، وهذا هو ما ينبغي الحذر منه والدعوة الى وأده في مهده، وهنا يبرز الدور الوطني والقومي الحقيقي للمعارضة اللبنانية وللحكم اللبناني وللشقيق السوري الموجود في لبنان، في مواجهة هذا التحدّي الضخم، والرد على المؤامرة والتخطيط الاجنبي، فمن المؤسف ان تظهر دعوات الى تدويل الصراع في لبنان او الاستعانة بقوات حماية دولية للبنان، كما ان التسرّع في توزيع الاتهامات قبل انتهاء التحقيقات القضائية لن يخدم الا اعداء لبنان والامة باسرها. فقد كان الحريري رمزا وطنيا لبنانيا، مثلما كان داعية سلام وامن واستقرار واعتدال، ولعل تيار المستقبل الذي كان يقوده في السياسة والاقتصاد والاجتماع في لبنان ينهض من صدمته وذهوله ويعمل على استئناف المسيرة بعد الحريري بمثل ما كان الرئيس الفقيد يريدها ليظل لبنان حرا مستقلا ديمقراطيا عربيا له حضوره الفاعل اقليميا ودوليا وليتعاظم اشعاعه الثقافي والانساني في محيطه وفي العالم كله، ونأمل ان تدرك سائر الاطراف اللبنانية والعربية حجم مسؤولياتها وان تنهض بها باقتدار ووعي واستشعار عال لحجم المخاطر والتحديات، مع الحذر الشديد من كل الذين يريدون ان «يرقصوا في هذا المأتم» والتأكيد على كشف الجناة ومن يقف وراءهم وتقديمهم الى محاكمة عادلة جزاء جريمتهم البشعة. لقد رحل رفيق الحريري، ولكن قلبه ظل على لبنان الحرّ الوطني الديمقراطي العربي.. وطن السلام والمحبة والتآخي والتعايش، وسيبقى جميع اللبنانيين والعرب يحتفظون للفقيد بذكراه الطيبة وأياديه البيضاء، وعطائه الوطني والانساني، وحرصه الدائم على ان يكون رفيقا لكل ابناء وطنه وامته.