عيسى الناعوري: مبدع مغامر تقاسمته الامكنة

عيسى الناعوري: مبدع مغامر تقاسمته الامكنة

تاريخ النشر : الاثنين 12:00 28-4-2008
No Image
عيسى الناعوري: مبدع مغامر تقاسمته الامكنة

هزاع البراري  - كان مولعاً بقريته ناعور فانتسب إليها في كتابته ، حتى صار اللقب كنية له ولإخوانه وذريته من بعده ، فهو من عشيرة الدبابنة السلطية ، غير أن جدّه إشترى أرضاً في ناعور ، وما لبث أن حمل عائلته من السلط ليستقر في ناعور، تلك القرية الجميلة والرابضة على سفح كبير يطل على نهر الاردن .
وأثناء زيارة والدته إلى أهلها في الفحيص أنجبت ''عيسى الناعوري'' بينهم في شهر أيلول عام 1918 م ، وكأن في ذلك إشارة لقدر هذا الطفل الذي ستتقاسمه الأمكنة، وحياة الترحال وشظف العيش ، فأعمامه في السلط، وأهله في ناعور، وولد بين أخواله في الفحيص.
نشأ عيسى الناعوري كأبناء المزارعين الكادحين ، يزرع ويعشّب ويحصد العدس والشعير والقمح ، ويبعثر طفولته البائسة على حواف البيادر، وبين الأودية الوعرة لجمع الحطب ، لذا أنقذته حياة المدينة، عندما أرسله والده إلى مدرسة الرهبنة في القدس ، تمهيداً لدخوله إلى الكهنوتية عندما ينهي عشر سنوات من الدراسة اللاهوتية ، فدخل المدرسة عام 1929م ، ولم يمض فيها غير أربع سنوات ، تعلّم خلالها الحياة المدنيّة ، والمواعيد المحددة لكل شيء ، وتعلم اللغة الايطالية التي تعتمدها المدرسة، بالإضافة إلى الإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية ، ولعلّ ذلك ساعده في الاطّلاع على الآداب العالمية والإستماع للموسيقى ، وهي عوامل أظهرت موهبته الأدبية، فإذا أضفنا ما يشعر به في تلك السن، من إحساس بالوحشة والغربة وهو بعيد عن أهله، في هذه المدرسة الدينية الداخلية ، فلا شك أن أدبه جاء معبراً عن كل ما اختلج دواخله من هواجس وأحلام ورغبة في التغيير.
مع مرور الوقت تفتّحت ذهنيته، وقدرته العالية على التعلم السريع ، حيث أخذ يترجم عن الإيطالية ، وهو في تلك العمر أي قرابة الأربعة عشرة، وتمكّن من نشر قصة مترجمة في إحدى المجلات ، وهذا الوعي السريع جعله يضيق بالمدرسة ويثور على النظام القاسي الذي تفرضه على الطلبة ، وشعر بأن الحياة الرتيبة والمكرورة بشكل يومي وعلى مدى السنوات الأربع لا تحتمل ، فترك المدرسة وغادرها من غير رجعة ، وقد ضحّى في سبيل حريته وحبّه للمغامرة بالحياة المدنية المأمونة ، والتي توفر له اللباس الحديث والطعام الجيد ، وعاد إلى ناعور، ليكد ويتعب ويواجه قسوة حياة المزارع، من أجل تأمين القوت البسيط الذي لايكاد يسد الرمق (سليمان الموسى). لقد ساعده حبه لأمه وتعلقه بها على تحمل هذا الواقع ، لكن وفاتها المفاجئة آلمته ، وأدخلت الحزن إلى ملامحه ، فلقد خطب والده عروساً في اليوم الذي فارقت فيه أمه الحياة، تمشياً مع حياة القرية وعاداتها ، وأمام هذه الحال فكّر أن يخوض عباب الحياة بالمغامرة، وأن يغيّر واقعه بنفسه، فترك البيت متوجّهاً إلى القدس في رحلة إستغرقت منه أربعة أيام، سيراً على الأقدام عبر الأحراش والأرض الخلاء ، حتى كادت تفتك به الوحوش ، أو يهلك من الجوع والعطش لولا مساعدة بعض البدو والقرويين . وفي القدس عمل أعمالاً متواضعة وشاقة مقابل قرشين باليوم ، وهي أعمال لا تليق به ولا بأحلامه الكبيرة ، حتى أنه اضطر إلى مساعدة أخوه الأكبر، وإرسال بعض المال لأبيه في ناعور ، لكنه لم يلبث أن تمرّد على محاولات استغلاله، فانفصل عن اخيه وعمل في مكان آخر ، وتحسّن أجره فواظب على شراء الصحف والمجلات والكتب ، ونشط في الكتابة ونظم الشعر ، وأخذ إسمه يظهر في الصحف والمجلات التي عوّضت عليه إحساسه بالغربة والفقر والألم ، فالفتاة التي أحبها لم يتمكن من الزواج بها لتكبّر أهلها على أهله القرويين البسطاء، فتركها ولم يعد إليها.
كان التحاقه بالعمل في التدريس تحولاً كبيراً في حياته ، فأخيراً وجد عملاً دائماً يليق به وبأحلامه ، فعمل مدرساً في مدرسة الساليزيان في القدس ، وهذا شجّعه على الزواج عام 1939 م ، لتدخل السكينة قلبه ويشعر بالإستقرار الذي تمناه كثيراً، غير أن المدرسة أغلقت مع دخول إيطاليا الحرب ضد بريطانيا صاحبة الإنتداب على فلسطين(المصدر السابق) ، فانتقل للتدريس في مدرسة دير اللاتين في رام الله ، ومن أجل تحسين ظروفه المعيشية حيث لم تكن المدرسة تدفع رواتب العطلة الصيفية لمدة ثلاثة أشهر، اضطر للعمل في معسكرات الجيش البريطاني لفترة من الزمن ، ليعود للتدريس في كلية ترسانطة في القدس ، لينزح بعد ذلك خلال عام 1948 م إلى الأردن فوصل إلى السلط ، وبعد فترة عمل في الحصن مدرساً في مدارس الإتحاد الكاثوليكي ، وتحوّل للعمل الإداري لهذه المدارس في عمان ، لكن حبّه للتغيير دفعه للعمل مدرساً في كلية ترسانطة في عمان.
كان العمل الأطول في حياة عيسى الناعوري، هو عمله في زارة التربية والتعليم الذي إمتد من عام 1954م وحتى عام 1975م ، ليتقاعد ويعمل بعد ذلك أميناً عاماً لمجمع اللغة العربية الادبي حتى وفاته ، ولعلّ من أهم منجزاته في الصحافة الثقافية، هو عمله على تأسيس مجلة مختصة بالأدب باسم '' القلم الجديد '' وذلك عام 1952م ، ورغم قلّة الإمكانيات والصعوبات الإدارية إستمرت بالصدور عاماً كاملاً ، حيث اضطر لإغلاقها لغياب التمويل من جهة ، ولتعديل قانون المطبوعات الذي إشترط في رئيس التحرير أن يكون جامعيّاً ومتفرغاً ، وهذان الشرطان لم يكونا متوفرين عند عيسى الناعوري ، لكن إصداراته الأدبية كانت كثيرة ومتنوعة ، وقد نشر في الصحافة المصرية واللبنانية والفلسطينية والأردنية . وأصدر في الشعر : الربيع الذابل 1939م ، أناشيدي 1955م ، أخي الإنسان 1962م ، همسات الشلال 1983م ، وغيرها من الدواوين . في القصة أصدر محموعة كبيرة منها : طريق الشوك 1955م ، خلّي السيف يقول 1956م ،أقاصيص أردنية 1963م ، حكايات جديدة 1974، وغيرها الكثير . وله في الرواية : مارس يحرق معداته 1955م ، بيت وراء الحدود 1967، ليلة في القطار 1974 م وغيرها.
وله دراسات عديده منشورة وكتابات في أدب الرحلات وترجمات مختلفة عن اللغة الإيطالية نشرت على فترات متعددة.
لقد نال عيسى الناعوري التكريم الكبير، الذي دل على ما تمتـع به من مكانة أدبية وعلمية كبيرة ، فمنحته جامعة باليرمو الإيطالية درجة الدكتوراة الفخرية ، وحصل على عضوية الشرف في مركز العلاقات الإيطالية العربية ، وعضوية أكاديمية أصدقاء أومبريار ، كما منحته الأكاديمية العالمية للفنون والثقافة في تايوان الدكتوراة الفخرية .
ولأن روحه قد تقاسمتها الأماكن في طفولته وشبابه ، فإن وفاته جاءت تتويجاً لذلك ، ففي الثالث من تشرين الأول من عام 1985م أصيب بنوبة قلبية وهو في تونس مشاركاً في مؤتمر ثقافي خاص بمجلة ''الفكر'' ، وفارقت جسده الروح وهو في الطريق من الفندق إلى المستشـفى ، ليدفن بعد ذلك في عمان تاركاً إرثاً أدبياً وفكرياً لن تمحوه الأيام ، ورحل كما عاش عزيز النفس دائم العمل والعطاء.

moc.liamtoh@54irarabh

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }