سلطان الزغول *
من سقراط الإشراقي
إلى أرسطو الحسّي
بعد أن كان فلاسفة الإغريق قبل سقراط قد وجهوا عنايتهم إلى الطبيعة يحاولون كشف أسرارها، ومعرفة أصل ظواهرها المادية، قرر سقراط أنّ معرفة النفس هي المعرفة الأولى قبل كل معرفة؛ لأنها تتيح للإنسان معرفة الفضيلة والسعادة والوقوف على حقائق الأشياء. كما أن الإنسان يستطيع عبر معرفة نفسه أن يهتدي إلى الإله. فالنفس عند سقراط ذات روحية قائمة بذاتها، وهي جوهر الإنسان، أما البدن فليس إلا أداة لها، ولن تستطيع النفس أن تدرك الحقيقة إلا إذا قطعت صلتها بالجسم الذي يعوقها عن المعرفة الحقة، فهو يرى أن في الموت خلاصا وتحريرا للنفس من أسر الجسد.
أما أفلاطون فيعدّ تلميذ سقراط المخلص الذي نظّم أفكاره وتجلياته، وصاغ منها فلسفة متكاملة ظلّت مؤثرة أبعد تأثير عبر التاريخ، خصوصا في الشرق الإسلامي. ويرى أن النفس هي المبدأ الذي تفيض منه الحياة على الجسم، وهي التي تحركه وتدبّره وتعنى بأمره، وعلاقتها بالجسد تشبه علاقة الربان بالسفينة، فالإنسان مركب من نفس وبدن كل منهما مستقلّ عن الآخر ومختلف عنه، والتشويه يلحق النفس بسبب اتصالها بالبدن، لكن طبيعتها لا تتبدّل، فإذا ما فارقت الجسم واستطاعت الصعود إلى المحلّ الأرفع الذي هبطت منه تحررت من كلّ تشويه لحقها في حياتها الدنيا. والنفس عنده نقطة اتصال بين عالم المثل: عالم الخلود، وعالم الحسّ: عالم الحدوث. والإنسان يجهل حقيقتها ما دام سجين البدن. وليس من هم لدى النفس سوى البحث عن وسيلة للخلاص من سجن البدن؛ لأنها تتوق إلى معرفة حقيقتها. وهو يعتقد أن النفس تحاول تخفيف تعاسة هبوطها من حياتها السماوية بالعمل الصالح في الدنيا حتى تعود مطهرة إلى سمائها، ولا يفوق الحكمة والمعرفة في تطهير النفس سوى نوع من الإلهام أو الفيض الإلهي الذي يغمرها دفعة واحدة فتشرق عليها المعرفة الحقة وتسمو بها.
بما أن أفلاطون يعدّ النفس من العالم الأول، فهي عاجزة عن تدبير البدن في عالم الحس بطريقة مباشرة، من هنا قال بتقسيم النفس إلى نفس عاقلة تنتمي إلى عالم المثل ولا ترضى عن المعرفة الحقة بديلا، ونفس شهوانية تتصف بالعنف والشره وحب المال، وهي تعبر عن حاجات الجسم، ونفس غضبية هي الوسيط بين الاثنتين، وتتصف بحب الغلبة والنفوذ والشهرة. وعدّ الخلود خاصاً بالنفس العاقلة وحدها، أما الغضبية والشهوانية فإنهما من عالم الحس، وقد وجدتا من أجله وبسببه، فمن الطبيعي أن تفنيا بفنائه. أما المعرفة عند أفلاطون فهي فطرية في النفس، ويوضح هذا في قوله: كانت النفس تدرك جميع الحقائق في عالمها المثالي، فلما هبطت منه غابت الحقائق عنها، لكن بذور المعرفة بقيت فيها وهي تحاول من خلال التذكر الوصول إلى هذه المعرفة، لكن غالبية النفوس تضل في غياهب الجهل لشدة تعلقها بالعالم الحسي الذي تظنه الوجود الحقيقي .
على أن هذا الفهم الأفلاطونيّ للنفس الإنسانية قد انحسر على يد أرسطو الذي كان أول من نادى بوجوب الاعتماد على ملاحظة الأمور الحسية والواقعية في دراسة النفس، وانطلق في تعريفها من نظريته الخاصة بالتفرقة بين المادة والصورة، من هنا فقد رأى أن النفس للجسم كالصورة للتمثال، لا يمكن الفصل بينهما؛ فالبدن جزء من ماهيتها وهي لا تؤدي وظائفها إلا إذا استعانت به. ورغم ذلك فقد عرفها بأنها كمال أول لجسم طبيعي توجد فيه الحياة بالقوة ، فهي كمال وليست صورة فقط، لأن وجودها شرف وكمال للبدن، كما أن صورة التمثال شرف للحجر أو الرخام. وهذا الكمال ينطبق على جميع أنواع النفوس عنده؛ فللنبات نفس نباتية هي كمال له، وللحيوان نفس حسية هي شرف وكمال له أيضا، وكذلك الإنسان الذي يتغذى وينمو ويتوالد (كالنبات والحيوان)، ويحس ويتحرك بالإرادة (كالحيوان)، إضافة إلى أنه يتخيل ويفكر، فله نفس عاقلة أسمى من نفسَي الحيوان والنبات، وهي أكمل الصور التي يمكن نسبتها إلى الجسم الطبيعي الذي توجد فيه الحياة بالقوة.
ويقرر أرسطو -دون لبس- أن الحياة صفة ذاتية في البدن، توجد فيه بالقوة، أي على هيئة استعداد كامن، فليست النفس هي التي تخلع الحياة على الجسد، لكن دورها هو إخراج هذه الحياة من القوة إلى الفعل، فهي تجعلها ظاهرة بعد أن كانت خفية كامنة. أما نظرية المعرفة فتنطلق عند أرسطو من اعتقاده أن العالم الحسيّ الذي نعيش فيه عالم حقيقي وليس ظلا لعالم المثل الأفلاطوني، والأشياء المتغيرة فيه أشياء حقيقية تدركها النفس -لا عن طريق التذكر كما رأى أفلاطون- بل عن طريق الحواس والعقل.
من هنا فإن المرء يبدأ بإدراك الأمور الجزئية عن طريق حواسه، ثم ينتهي به التفكير إلى معرفة العناصر الثابتة في الأشياء، والتي هي المعاني الكلية المجردة. والوصول إليها يكون عبر تجريدها من المادة المتقلبة المتحولة ومن آثار هذا التحول.
الفلسفة الإسلامية بين التقليد والإبداع
أخذ فلاسفة المسلمين عن أرسطو تعريف النفس والعناية ببيان وظائفها، إلا أنهم أجمعوا على عدّ النفس جوهرا روحيا قائما بذاته، فقد كان فكر أفلاطون يسير في ثنايا نصوصهم الناهلة من الأرسطية.
فإذا ما نظرنا إلى رأي الفارابي وجدناه يأخذ عن أرسطو تعريفه للنفس، إلا أنه يعدّ النفس العاقلة جوهرَ الإنسان الذي يتكون من عنصرين أحدهما من عالم الأمر (العالم الإلهي)، والآخر من العالم الحسي. وهو يميل إلى الأخذ بنظرية المعرفة الأفلاطونية، وإن رفض فكرة وجود النفس قبل البدن، ورأى أنها تحدث وقت حدوثه واستعداده لقبولها. كما اعتقد الفارابي بنظرية الفيض التي جاء بها أفلوطين، وتتلخص في أن الخلق لا يتم دفعة واحدة، وإنما يفيض عن الإله سبحانه عقل أول، ثم يفيض عن هذا العقل عقل ثان وهكذا حتى ينتهي الفيض إلى تسعة أو عشرة عقول آخرها العقل الفعال. ويطلق الفارابي على هذا الأخير اسم واهب الصور ، وهو المصدر الذي تفيض منه صور الجماد والنبات والحيوان والنفوس الإنسانية.
لكن الفارابي رغب عن القول بتعدد النفوس في البدن الواحد، ورأى أن كل نفس تختص ببدن معين، فإذا فني البدن فربما استطاعت الرجوع إلى المصدر الذي فاضت عنه، وهذا الرجوع لا يكون فرديا؛ بما أن النفوس صور للأجسام فإنها تتحد بعد خروجها منها بسبب زوال علة الاختلاف، فتصبح نفسا كلية.
كانت فلسفة ابن سينا أكثر تماسكا وتوازنا من فلسفة الفارابي المترددة بين أرسطو من جهة وأفلاطون والنظرة الدينية الإسلامية من جهة أخرى، ولعلنا نلمح في بعض جوانب الفلسفة السينية سمات الإشراق والتدبر في الآيات القرآنية لاستخلاص رؤية عميقة لعالم النفس الذي يقود إلى معرفة الله مصداقا للقول المأثور: من عرف نفسه فقد عرف ربه . وهو يرى أن معرفة النفس تقود إلى معرفة الله التي هي مصدر السعادة في الدنيا والآخرة، وأن الله سبحانه قد علق نسيان النفس بنسيانه في قوله تعالى: نسوا الله فأنساهم أنفسهم (الحشر: 19)، وهي قرينة على أن تذكره بتذكرها ومعرفته بمعرفتها.
قدم ابن سينا براهين كثيرة لإثبات وجود النفس، قبل أن يتحدث عنها واصفا إياها بأنها قديمة قدم الألوهية ذاتها، لأنها فاضت منها على هذا القالب الترابي الذي أعده الله وهيّأه لقبولها ، مما يذكرنا بنظرية الفيض التي سرت في الفلسفة الإسلامية ثم تغلغلت في فكر المتصوفة حتى صارت جزءا لا يتجزأ منه.
ويحدد ابن سينا ماهية النفس وعلاقتها بالبدن ذاهبا إلى القول: إن النفس جوهر غير محتاج إلى هذا البدن، بل هو يضعف بمقارنة البدن ويتقوى بتعطله، فإذا مات البدن وخرب تخلص جوهر النفس عن جنس البدن، فإذا كان كاملا بالعلم والحكمة والعمل الصالح انجذب إلى الأنوار الإلهية وأنوار الملائكة والملأ الأعلى انجذاب إبرة إلى جبل عظيم من المغناطيس، وفاضت عليه السكينة وحقت له الطمأنينة، فنودي من الملأ الأعلى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر:27-30) .
ويبرهن ابن سينا على جوهرية النفس ببراهين كثيرة تعود كلها إلى أن إدراك المعنى المجرد -وهو ملكة خاصة بالنفس الإنسانية التي هي محل الحكمة- يستلزم جوهرا عاقلا قائما بذاته غنيا عن الجسم. وهذا الجوهر الروحاني له قوتان في الإنسان العاقل: قوة عاملة تسوس البدن ويسميها العقل العملي ، وقوة عالمة يسميها العقل النظري ، وتتجه نحو المعرفة النظرية البحتة والمبادئ العالية.
ثم يتبنى رأي أفلاطون في خلود النفس التي تنتمي إلى عالم الملكوت (عالم المثل)، قبل أن يقدم رأيه في معاد النفس الإنسانية، عادّاً للنفس المطمئنة لذّاتٍ وسعادات عقلية تتمتع بها بعد مفارقة البدن، ثوابا على تقواها وعملها وإدراكها للحق، وهي أجلّ وأجمل من اللذات الجسمانية التي وصفها الشرع. والسبيل إلى معرفة وتقرير هذه اللذات العقلية هو العقل، فالعقل وحده الطريق إلى معرفة السعادة الروحية، أما السعادة البدنية فيعنى بوصفها الوحي والشريعة.
وتعبر القصيدة العينية لابن سينا أصدق تعبير عن آرائه في النفس، فهي تتسق مع تعريفه لها وبراهينه على وجودها وآرائه في طبيعتها، ويتساءل في آخرها عن الحكمة من هبوطها فيرى -على عكس أفلاطون- أنها لم تغادر عالمها الأول لتكفر عمّا ارتكبت من خطايا، ولكن هبوطها كان لحكمة إلهية، حيث أتاح لها الاتصال بالبدن معرفة العالم الحسي.
لا نغالي إذا قلنا إن نهل ابن سينا من النص القرآني مثل بوصلة الأمان له من الضياع في حسية أرسطو، وهو قد حاول التوفيق بين تأثير أرسطو الكاسح على الثقافة العربية وبين فكره الديني، لاجئا إلى أفلاطون بمثاليته الأقرب إلى الدين، والتي لا تحل كل اصطدامات الدين الإسلامي مع أرسطو -في هذا الموضوع الشائك-، حتى صياغة فلسفة سينية مترابطة ومؤثرة في كلّ من جاء بعده من فلاسفة ومتصوفة إشراقيين أو قائلين بوحدة الوجود.
وإذا كان ابن سينا إشراقيا في بعض تجلياته العقلية، فإن ابن رشد (شارح أرسطو الأكبر) عقليّ حتى الصميم في فلسفته ومطارحاته الفكرية، وهو يوفّق بين يقينه الإيماني المستمد من الإسلام وعقليته الفلسفية الفذة التي لا ترضى عن المنطق والعقل بديلا. حاول ابن رشد أن يوفق بين رأي أرسطو ورأي ابن سينا في تعريف النفس، فقال إنها صورة للبدن وجوهر مستقل في الوقت نفسه؛ فهي صورة للبدن بمعنى أنه لا وجود للبدن دونها، ولا يعقل تصوره إلا بها. أما النفسان النباتية والحيوانية فليستا مفارقتين للبدن وتفنيان بفنائه، وأما النفس الإنسانية فتفارقه وتستقل عنه، فهي ذات روحية مستقلة، لكنها تتحد بالجسم اتحادا من نوع خاص اقتضته العناية الإلهية حتى تستكمل النفس وجودها. وابن رشد يرفض نظرية الفيض ويقول: ليست معرفة النفس فيضا ولا إشراقا، بل يخلق الله النفوس دون واسطة العقول المفارقة، ثم تكتسب هذه النفوس المعرفة عن طريق الحواس والتجريد . فهو أقرب إلى أرسطو في موضوع اكتساب المعرفة، إذ ينكر عالم المثل الأفلاطوني. وخلاصة فلسفته في موضوع النفس قوله إن الإنسان وسط بين عالمين، هما عالم الحسّ وعالم العقل، بيد أنّ النفس هي جوهره الحقيقي.
بين الفلسفة والتصوف
يمثل الغزالي بداية حلقة التصوف العقلي الذي راح ينهل من الفلسفة في صياغة نظرياته الدينية. وقد أخذ عن الفلاسفة تعريفهم للنفس وكثيرا من آرائهم في طبيعتها، خصوصاً آراء ابن سينا، كما أخذ عن هذا الأخير جلّ براهينه على وجودها وخلودها. وقد فرّق الغزالي بين معنيين للفظ النفس، فعدّ المعنى الأول يعبر عن الصفات الحيوانية الشهوانية المذمومة، وهو المعنى الذي قصده الرسول (صلى الله عليه وسلم) في قوله: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك . أما المعنى الآخر فهو حقيقة الإنسان وجوهره الذي يصلح أن يكون محلا للمعقولات. ثم فرّق بين الروح والنفس، فقال: أما النفس فهي ذلك الجوهر الجامع بين عالمين هما عالم العقل (العالم الإلهي)، وعالم الحسّ (العالم المادي) . وقد ذهب إلى أن الثاني ظلّ الأول وخياله، وإلى أن الأول يحتوي جواهر نورانية شريفة هي الملائكة التي تفيض الأنوار على البشر. وأما الروح فقد يراد به البخار اللطيف الذي ينبع من القلب ليصعد في العروق إلى المخ، ثم يهبط منه مرة أخرى بواسطة العروق، فينتشر في جميع أنحاء الجسم، ويكون سببا في حياته وحركته.
ونلاحظ أن الغزالي يصف العالمين الإلهي والمادي على نحو وصف أفلاطون لهما، وأنه يقول بنظرية الفيض التي جاءت بها الأفلاطونية الجديدة، رابطا بينها وبين الفكرة الإسلامية عن عالم الملائكة النوراني.
وقد جعل الغزالي للعقل معاني ثلاثة: أولها العقل الأول، أول المخلوقات حسب نظرية الفيض، وأطلق عليه فلاسفة الإسلام اسم المعلول الأول أو المبْدَع الأول ، وثانيها جوهر النفس الإنسانية بما أنها من عالم العقل، وجوهرها عقل وتفكير، وثالثها يستخدم للدلالة على الإدراك -إحدى صفات النفس- ويقابل الإحساس.
عدّ الغزالي النفسَ همزة وصل بين عالمي الأمر والحسّ، يدلّ على ذلك قوله إنها تحتوي على قوتين تتجه إحداهما صوب عالم الحق، وتولي الثانية وجهها نحو البدن تخضعه لأمرها وترعى مصالحه. وقد نشأ عنده مفهوما القرب والبعد بمعناهما الصوفي، أي قرب النفس من عالم الجلال والحق أو ابتعادها عنه والتفاتها إلى عالم الجسد متّبعة شهواتها. ولا يتحقق القرب إلا بالمعرفة والفضيلة، أي كمال كل من العقل النظري والعملي الذي يجعل الأنوار الإلهية مشرقة على النفس، والقرب أكبر سعادة يمكن للإنسان أن يصل إليها، حيث يتجرد في رقيه من كل ما يشغله من حسّ وخيال وشهوة لأنه لا يريد شيئا سوى الله، ولا يشتاق إلا للقاء الله، ولا يفرح إلا في حضرة الربوبية. ويقابل هذا القرب مفهوم البعد الذي هو نتيجة للجهل والرذيلة.
لم يكن الغزالي بدعا في نهله من الفكر الأفلاطوني ونظرية الفيض بين فلاسفة التصوف، أو في تأثره بابن سينا والفارابي ثم الهجوم عليهما، فها هو السهروردي مؤسس الحكمة الإشراقية يتابع هذا النهج، فيصف أفلاطون بإمام الحكمة، ويلقّبه بصاحب الأيد والنور. ويقول د.محمد علي أبو ريان: إن الإشراقية ليست سوى الصورة الإسلامية للأفلاطونية، أو هي على وجه الدقة المدرسة الأفلاطونية في مرحلتها الإسلامية . وقد عرفت حكمة السهروردي بالحكمة الإشراقية نسبة إلى الإشراق الذي هو الكشف، وقد تعرف أيضا بالحكمة المشرقية -كما عرفت حكمة ابن سينا- نسبة إلى المشارقة الذين هم أهل فارس، وحكمتهم ذوقية تعتمد على ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها في النفس عند تجردها. فالإشراق بالمعنى الصوفي الفلسفي هو تلقي المعرفة الإلهية عن العالم العلوي الروحاني بعد سلوك طريق التجرد من رياضة روحية ومجاهدة للنفس حتى تصفو من كدورات البدن، وحينئذ تشرق فيها العلوم والمعارف. ولما كان البدن مانعا للنفس من تحقيق رقيها وتحررها كان الهروب منه واجبا، ويكون هذا الهروب بالعلوّ في مراتب الوجود ليزداد ما تستقبله من إشراق حتى ترقى إلى العالم الذي صدرت منه.
لا يقف السهروردي بالفيض عند العقل الفعال، فنور الأنوار، الذي يرمز إلى الله، يفيض على كل ما تحته من الأنوار القاهرة (عقول الأفلاك)، والأنوار المجردة (النفوس الإنسانية)، وهي بالتالي يفيض كل منها على ما يليها؛ العالي على السافل. لكنه ينكر قدم النفوس على الأبدان -معاكسا أفلاطون ومتابعا الفارابي- ثم يقول: إن وجدت النفس قديما في عالم القدس فوجودها لا يصح إلا على أساس اتحاد النفوس كلها دون تمييز، أما اختلافها ففي العوارض واللواحق التي تتعلق بها بعد اتصالها بالبدن . فهو ينقل فكرة النفس الكلية التي رأيناها عند الفارابي من ما بعد انفصال النفس عن الجسد، إلى ما قبل اتصالها به.
والإشراقية التي قادت السهروردي إلى القتل خنقا لم تتوقف عن الإنتاج بعده، وإن تعددت مشاربها بين أعلام الصوفية، وعارضت بعض طرقها جزءا من أفكاره، بل إنّ هذه المعارضة صدرت عن بعض تلامذته الذين رفضوا إنكاره قدم النفوس، لأن هذا الإنكار يلغي تميزها عن الأبدان. وأوصلتها طرق أخرى بأفكار ابن عربي الذي ظهر في الفترة نفسها -النصف الثاني من القرن السادس الهجري- وكان السهروردي يرفض نظرية وحدة الوجود التي جاء بها.
يوصي ابن عربي باعتماد طريقي المعرفة العقلي والكشفي، على أن يسلك المريد كلا منهما منفصلا عن الآخر، يقول في كتاب الوصايا: عليك أن تجمع بين العلم الذي أعطاك الإيمان وبين العلم الذي اقتضاه الدليل العقلي، ولا تطلب الجمع بين الطريقين، بل خذ كل طريقة على انفرادها واجعل الإيمان لقلبك بما أعطاك من معرفة الله بمنزلة البصر لحسّك بما أعطاك من معرفة ما تقتضيه حقيقته.. فإن الله أوسع من أن يقيده عقل عن إيمان أو إيمان عن عقل . ورغم أهمية العلم فإنه يغدو في وقت من الأوقات حجابا على المعرفة الحقة التي تنال بعين اليقين: المعرفة حجاب على المعرفة، والحكمة باب يكون عنده الوقوف . فهو لا يرفض أيّا من الطريقين في معرفة الله، سواء طريق الفيلسوف أو طريق المتصوف العارف، وإن رأى أن طريق التصوف أوفر حظا في الوصول إلى نور المعرفة.
فإذا ما تناول النفس قال: النفس بين عالم العقل وعالم الحس، فتارة تأخذ من عقلها، وتارة تأخذ من حسّها . وتظهر دقة التجلي والرمز في أن ابن عربي يخلص إلى هذه النتيجة بقراءة قصة يوسف (ع) مع امرأة العزيز قراءة تأويلية تحيل كل لفظ إلى جزئية من جزئيات عالم النفس الذي عرفناه عند الفلاسفة.
وإذا كان بعض الفلاسفة يقولون بقدم النفس، فإن ابن عربي لا يرى في الأزل -من خلال علم اليقين لا التفكير- إلا واحدا هو الحق سبحانه: الوجود كله هو واحد في الحقيقة لا شيء معه.. فما ثمّ إلا غيب ظهر، وظهور غاب، ثم ظهر ثم غاب، ثم ظهر ثم غاب، هكذا ما شئت، فلو تتبعت الكتاب والسنة ما وجدت سوى واحد أبدا، وهو الهو... .
إن نظرة ابن عربي للتوحيد وفهمه له هما مفتاح وحدة الوجود عنده، إذ لو استقل الممكن بالوجود لحظة لاستغنى في هذه اللحظة عن الخالق وشاركه الغنى بالألوهية. فتوحيد الألوهية يقتضي عند ابن عربي توحيد الوجود. ووحدة الوجود ليست قائمة عنده على رؤية الوحدة في كثرة المظاهر، بل على نفي وجود الكثرة، فالحق هو الظاهر في كل صورة، والمتجلي في كل وجه، وهو الوجود الواحد والأشياء موجودة به، معدومة بنفسها. ولا ينحصر وجود الحق ويتحدد بظهوره في المظاهر، بل هو وجود متعال خاص به، فالحق مطلق، وفعل الخلق دائم مستمر، وهذا الفعل هو تجلّي الحق الدائم في صور المخلوقات المفتقرة دائما له، إذ إن لها العدم من ذاتها لولا إيجاده لها بظهوره فيها.
لم يعد من جدال عند ابن عربي في ماهية النفس أو صفاتها أو قدمها أو خلودها، إن النفس مجرد تجلّ واحد من تجليات الحق في صور المخلوقات.
بقي أن نشير إلى إشراقي معاصر هو قطب الدين محمد الأويسي، الذي يحول الإشراقية إلى صوفية جامعة لا ترفض أحدا ما دام طريقه فهم النفس ومحاولة الوصول إلى الحق. وهو يلخص فكر الأويسية بقوله: إن ذات الوجود هو الله، إذن فهو في كل مكان. إن الحق هو روح الدنيا والدنيا بكليتها بدن. والملائكة بأنواعها قوى هذا البدن، والأعضاء هي الأفلاك والعناصر والمواليد. وهذا هو التوحيد . ثم يتابع: تمام الخليقة مظهر تجليات الله في ثلاث مناطق: أولها العقل الكلي وهو مظهر تجلياته المطلقة في منطقة الجبروت، وثانيها النفس الكلية وهي مظهر تجليات صفات الحق في منطقة الملكوت، وثالثها الطبيعة الكلية وهي مظهر تجليات أفعال الحق في منطقة الناسوت. ولكل واحدة من هذه المناطق بالنسبة لقربها شأن من شؤون الذات (الله)، وهي واسطة فيض بالنسبة للمرحلة التي تليها، وفي مجموعها غارقة في جذب الروح المنبسطة إلى الحق، وكذلك منجذبة إلى بعضها في إدارة عجلات الكائنات بحسن انتظام حكيم. ونفس ابن آدم هي الفهرس الجامع والنسخة الكاملة للعالم الكبير، وأساس شرفه المعرفة، وتنتهي معرفته بمعرفة النفس التي تفضي إلى معرفة الله . أما وسيلة هذه المعرفة فتظهر في قوله: ليس العلم بكثرة التعلم، بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء . ونجد توضيحا لمراتب النفس في قول الأويسي: للنفس الإنسانية سبع مراتب: الأمارة واللوامة والملهمة والمطمئنة والراضية والمرضية وفوقها جميعا النفس القدسية ، وسالك هذا الطريق يحاول أن يصعد في هذه المراتب إلى أن يصل إلى القدسية.
ينهل الأويسي من كلّ المصادر، ولا يجد غضاضة في تبني المفاهيم الإشراقية الروحية، سواء ظهرت في حضارة المصريين القدماء، أو عند البوذيين، أو الزرداشتيين، أو الأفلاطونيين، مضيفا كل ذلك إلى مفاهيم الغزالي وابن عربي الصوفية، وتجليات جلال الدين الرومي وغيره من متصوفة إيران. فكأنما غدت الحكمة الإشراقية عنده مدرسة إنسانية تفتح ذراعيها للعالم شرقه وغربه. لكن يبقى ابن عربي هو الممون الفكري الأكبر للأويسية المنفتحة.
النصّ القرآني
لقد كان القرآن الكريم محركا أساسيا لآراء كثير من فلاسفة المسلمين ومتصوفيهم في النفس الإنسانية، وإذا كانوا قد نهلوا من الفلسفة اليونانية كثيرا من أفكارها، فإنهم قد تشبّعوا بروحانية الإسلام وفهمه لخَلْق النفس ومعرفتها وخلودها. والقرآن الكريم يدعونا إلى التأمل في أنفسنا: وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات:20-21). ففي الأرض كثير من مظاهر الإعجاز في الخلق التي يجد فيها الموقنون بعظمة الله ما يدعم إيمانهم، ويثبت يقينهم، والتي يمكن للإنسان أن ينظر فيها فيستنبط أدلة وجوده وقدرته وتدبيره سبحانه، ولكنه قلّ أن ينظر في نفسه. من أجل ذلك يدعونا القرآن إلى أن نبصر في أنفسنا -وليس أن ننظر إلى أنفسنا- بعد أن نبهنا إلى ما في الأرض من آيات. إنه يدعونا إلى تأمل خلق النفس الإنسانية لتتكشف الأدلة والبراهين ذاتها، التي نراها في الأرض حولنا. فإذا أدرك الإنسان نفسه أدرك العالم حوله، ووجد في نفسه دليلا على الموجد المبدع، وعلى قدرته وتدبيره سبحانه وتعالى. إن معرفة الإنسان نفسه هي الطريق إلى معرفة الله التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة كما نبّه سقراط وأفلاطون، وكما أكد ابن سينا وكل فلاسفة التصوف بعده.
المصادر والمراجع
1- قاسم، محمود: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 3، 1962
2- خليف، فتح الله: ابن سينا ومذهبه في النفس، جامعة بيروت العربية، 1974.
3 البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين: الزهد الكبير، تحقيق تقي الدين الندوي، دار القلم- الكويت، 1983.
4- المهدلي، محمد عقيل بن علي: دراسة في التصوف الفلسفي الإسلامي، دار الحديث، القاهرة، 1993.
5- أبو ريان، محمد علي: أصول الفلسفة الإشراقية، دار النهضة العربية، بيروت، ط 2، 1978.
6- ابن عربي، محي الدين: رسائل ابن عربي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001.
7- الحكيم، سعاد: المعجم الصوفي، دار ندرة، لبنان، 1981.
8- الأويسي، قطب الدين: رحلة الإنسان من الجنين إلى الجنان، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، دار الثقافة، القاهرة، 1978.
9- إسماعيل، عز الدين: نصوص قرآنية في النفس الإنسانية، د.ت، د.ن.
* شاعر أردني