الفن التشكيلي فـي الأردن.. البدايات والجذور (1-4)

الفن التشكيلي فـي الأردن.. البدايات والجذور (1-4)

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 11-4-2008
No Image
الفن التشكيلي فـي الأردن.. البدايات والجذور (1-4)

حسين دعسة * - ثمة اتفاق على سحر الاردن الحضاري، وعلى اثره في الحداثة التي اتسمت بها البدايات الفنية التشكيلية في الاردن، وخصوصا ما ارتبط منها في المكان الحضاري وعلاقته الجدلية بقضايا الابداع والاصالة والالتزام. ولعل صورة حضارة الانباط، والبترا، خير شاهد على مثل هذا الوعي الفني الجمالي المبكر، المهيمن، بما في جغرافية التكوين من روعة: ''في البدء كان المؤسسون الاوائل (العرب الانباط) حول الحميمة واذرح ضواحي المدينة الأم. من أذرح يشمر الفرسان عن سواعد الليل ومكنون الغد، وفي الحميمة يحلم الملك النبطي بأنه يبني مدينة حوراء، فيسارع البناة، وينجزون الحصون والقلاع والسدود والطرق والدروب والسواقي. في البدء كان الاستئناف في المشروع الحضاري العربي الاسلامي، كانت الطريق الممتدة ما بين أذرح والحميمة، نقطة الانطلاقة وجغرافية التكوين الحقيقية حينما حملت اعظم واهم دولتين رسمتا معالم الحضارة العربية الاسلامية. من أذرح كانت بداية بني أمية ومنها عرجوا على دمشق، ومن الحميمة كانت دولة بني العباس ومنها عرجوا على بغداد. من هنا، من المشرق الأردني يأتي المشرق العربي'' (1).
ولأنه المشرق، وفيه روح الفن الجميل، كان حضور البترا والحضارة النبطية طاغيا على الفن التشكيلي في الاردن، ولعل الاشارة النقدية التي وردت في كتاب ''الفن المعاصر في الاردن'' لمؤلفته الاميرة الفنانة د.وجدان علي (الهاشمي)، تؤكد هذا الاستلهام الفني عند الفنان في الاردن: ''.. والفنان الاردني مثله مثل اخوانه الفنانين العرب يحاول الربط بين تقنيته وادائه المبنيين على دراسة الفن الغربي، وجذوره المحلية والعربية، فيصل الى ذلك اما باستلهام تاريخه النبطي او الاسلامي، واستعمال الحرف العربي في تكويناته الخطية او الاعتماد على الموضوع المحلي في تأكيد هويته الفنية'' (2).
ان فهم جذور الفن التشكيلي المعاصر في الاردن يعيدنا الى أهمية سؤال الهوية الثقافية الوطنية الاردنية، ومدى تماسها مع وجع الهوية الثقافية القومية العربية، التي حققت صراعها الذاتي وحفرت صورتها في الثقافة العالمية المعاصرة، بكل تجلياتها ومعالم ريادتها.
وقد يتساءل المرء هنا عن المصادر. وفي سياق الإجابة نلاحظ ان قلة مصادر ومراجع الدراسات والابحاث حول الفنون الجميلة و/أو الفن التشكيلي المعاصر و/أو الفنون التطبيقية والتراثية، بما في ذلك مصادر التاريخ الثقافي والفني والحضاري الاجتماعي في الاردن التي نشرت بعد كتاب الناقد العراقي مؤيد البصام الذي صدر في عمان بعنوان ''الفن التشكيلي المعاصر في الاردن''، ولجأ فيه البصام الى التخفي (...) باعتماده على الاسم المستعار ''ذيب حماد''، والكتاب من منشورات دار فيلادلفيا، سلسلة المكتبة الفنية، ربما في العام 1974، أي قبل 34 عاما .
ان صدور ''معجم الفنانين التشكيليين الاردنيين'' عن وزارة الثقافة في العام 2005 يعزز سؤالنا حول المصادر. فهل حمل هذا المعجم مشروعية الفنان التشكيلي في الاردن وهويته ومنجزه، بما في ذلك الاجابة عن اسئلة تجذر العمل الفني الابداعي ومعالم اصالته والممارسات التي جرت وتجري على خصوصية الهوية التشكيلية الابداعية في الاردن، ومدى قدرتها على اجتياز مخاوف الريادة والاصالة والهوية؟ (3)، (4).
وحده الفنان الناقد محمد العامري، استطاع تقديم بحوثاً نظرية - تطبيقية حول وهم تحرير الفنون والهوية والاتباع في التجربة التشكيلية الاردنية وذلك في كتابه المهم ''عزلة الفراغ''.




@ أولاً: تاريخ الفن المعاصر والحركة التشكيلية في الأردن
واجهت المملكة الاردنية الهاشمية، خلال العقود الثلاثة الاولى من تأسيسها مشاكل اكثر إلحاحا من انشاء حركة فنية معاصرة بالمعنى الغربي المتمثل في اللوحة الحرة المعلقة على الجدار من اجل تجميل حيز معيشي او منحوتة من الحجر تنتصب امام بناية من اجل تفخيم واجهتها. غير ان عدم وجود حركة تشكيلية في العقود الاولى، لا يعني انه لم تكن هناك انواع اخرى من التعبيرات الفنية المحلية، فقد كان الناس يعبرون عن حبهم للجمال، ويلبون حاجاتهم الفنية من خلال ممارسة فنون شعبية تطبيقية محلية مختلفة، مثل: حياكة البسط، والتطريز وصناعة الفخار وشغل الفضة وصياغة الذهب والرسم على الزجاج وحفر الخشب وفن الخط.
في العام 1927 انتهى وجود الفنان اللبناني عمر الانسي من عمان، بعد ان كان موظفا في بلاط الامير عبدالله زمن امارة شرق الاردن التي تأسست سنة 1923، وبعد رحيله عن الأردن، بقيت لوحات الأنسي في الذاكرة الاردنية والعربية، الى ان جاء خلفه الفنان التركي ضياء الدين سليمان الذي برزت اعماله الفنية في الرسم والتصوير الزيتي منذ اوائل الثلاثينيات وحتى وفاته في السلط سنة 1945، وكان هذا الفنان من اوائل العرب، والاردنيين الذين اقاموا حركة فنية في مجال الرسم والتصوير الزيتي والفن المعاصر عموما، فقد اقام سليمان اول معرض يقام في الاردن سنة 1938.
وتبدو مفارقات الواقع الثقافي والفني في الاردن قد هيأت ظهور الفنان الروسي جورج ألييف الذي ظهر بعد ثلاث سنوات من وفاة الفنان سليمان، وبقي في عمان حتى العام 1967. وايضا كان للفنان الايطالي ''أرماندو برونو'' الذي توفي في العام 1963 دوره في التأسيس لظهور حركة فنية تشكيلية راقية في الاردن، من خلال عمله في نواة معهد الفن والرسم الذي اسسه د.حنا قيالة سنة 1952، ولم تتح له فرصة الاستمرار في عمله في هذا المجال، ربما بسبب الاوضاع التي مر بها الاردن، ودول المنطقة عموما.
يتوافق ذلك مع رأي الفنانة وجدان في كتابها ''الفن المعاصر في الاردن'' الذي صدر في العام 1996 وفيه قالت: oيجب ذكر اساس مهم جدا ننطلق منه حتى نتمكن من كتابة البدايات وتوثيقها وما يتبعها من مرتكزات وعوامل اساسية سايرت العمل الفني التشكيلي الابداعي، على صعيد الحركة التشكيلية في الاردن، او واقعها المعاش، الى بداية القرن الجديد بكل تداعياته. حوالي (60) عاما من الرسم الفن الجميل. حيث التحولات الجذرية في كل مناحي الحياة والفن والسياسة في الاردن والبلاد العربية وفي العالم وهذه المنطقة التي نعود اليها وفيها مستقر روافدنا الابداعية والحضارية. ولتجميع بعض الآراء حول قصة الفن التشكيلي في الاردن، القصة التي وضع خيوطها وحبكها ولون ظلالها وآفاق مستقبلها الفنان المبدع في الاردن، بمثابرة واصالة جعلت من الحركة الفنية رافدا مهما للحركة العربية المماثلة، وبالذات على الصعيد التشكيليa.
ويذكر ابو صالح الالفي، استاذ تاريخ الفن بكليتي الفنون الجميلة بالقاهرة والاسكندرية وكلية الآثار بجامعة القاهرة، في كتابه ''الموجز في تاريخ الفن العام'' ما يلي فيما يخص الحركة التشكيلية في الاردن:.
''بدأت الحركة الفنية التشكيلية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية بتأثير من الوافدين الاوروبيين الذين حملوا معهم سمات الفن الاوربي عقب الحرب، ففي خلال الاربعينيات وبالشكل العفوي لبداية اشباع غريزة حب الجمال ولدت مجموعة من الهواة، عرضت اعمالها في بعض المحلات العامة والبيوتات المهتمة بالفنون''.
ونلاحظ هنا مدى تقارب هذا المصدر مع مصدر د.بهنسي الذي اشرنا اليه سابقا، ومدى التغيير في صناعة الصورة عند الاخير، ونلفت إلى ان الفنان والناقد التشكيلي الاردني عبد الرؤوف شمعون ذكر في احدى مقالاته لمجلة ''الاقلام'' التي تصدر في بغداد/ العراق ما يلي:
''لا بد من العودة قليلا الى الوراء في محاولة للتعرف على البدايات الاولى لهذا الفن والتي اختطها جماعة من الهواة بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بتأثير من الوافدين المستشرقين الاوروبيين، هؤلاء امثال ضياء الدين سليمان وعمر الانسي وغيرهما من الذين يعرضون اعمالهم في الاماكن العامة''.
وعلينا اذن ألا ننحاز الى الآراء التي تقول ان البداية الحقيقية للفن التشكيلي المعاصر في الاردن متأخرة نسبيا قياسا بالبدايات العربية المعاصرة، ذلك انها بداية ما تزال وثائقها وادبياتها مجهولة، ومع ذلك فإن المراجع القليلة تؤكد ان البدايات الاولى للفن التشكيلي الاردني ظهرت على يد فنانين وافدين سبق الحديث عنهم كالفنان اللبناني عمر الانسي والفنان التركي ضياء الدين سليمان، وهذا ما تؤكده الشهادات العديدة لمحمد رفيق اللحام، مهنا الدرة، الاميرة وجدان، احمد نعواش وغيرهم (5).
ولتحديد الرأي حول بداية الفن التشكيلي في الاردن، يجب ان نذكر ان الفنان التشكيلي رفيق اللحام والفنان ابراهيم النجار ابو الرب، قد اوضحا في كتاباتهما بعض القضايا المتعلقة بتاريخ الاردن منذ الازل والى الآن، ومدى علاقة التاريخ المعاصر للاردن بالحركة التشكيلية والفنية المزدهرة في الاردن، مع انهما - عموما - اعتمدا على الرأي السائد نفسه حول نشأة الحركة التشكيلية بشكل عام.
ونجد بهذا الخصوص، اتجاهاً عاماً لدى الباحثين حول تأثّر البلاد العربية بحركة الهجرات والرحلات الاجنبية الاستشراقية والاستعمارية الى منطقة الشرق وآثار هذه الحركة على الابداع، مجالاته المختلفة: الفنون الجميلة والموسيقى والمسرح والآداب والصحافة وغيرها.
فمثلا، يذكر التشكيلي اسماعيل شموط في دراسة قيمة عن الفن التشكيلي العربي المعاصر، قدمها الى لجنة التخطيط الشامل للثقافة العربية في الامانة العامة لجامعة الدول العربية ما يلي:
''كانت بلادنا العربية قد شهدت في القرن التاسع عشر واوائل القرن الحالي، عدداً كبيراً من البعثات الاوروبية الاستكشافية والتبشيرية.. وقد اصطحب بعضها الرسامين الذين بهرتهم مظاهر الشرق وحياة شعوبها.. ولربما يمكن القول ان اولئك الفنانين الغربيين شكلوا مجموعة من الاساتذة الاول الذين على ايديهم وبإشرافهم تعلم الرواد التشكيليون العرب في بداية القرن. ولتحديد اكثر دقة للمسار الطبيعي لحركة الفن التشكيلي في الاردن، يجب ان نصف الفنانين المؤثرين في الوعي الفني والابداعي في بدايات الحركة الفنية بأنهم الرواد والمؤسسون من الناحية التاريخية''.
ونحاول البحث في فترة ما بعد تأسيس امارة شرق الاردن وصولا الى الخمسينيات، وهي المرحلة الاولى والطليعية التي ارى انها كانت البداية الحقيقية للنهضة الفكرية - الاجتماعية حول مفهوم الفن - بالذات الفن التشكيلي في الاردن - وطبعاً ضمن نطاق العاصمة عمان واربد والسلط (5).
وكان لهذه المرحلة نتائج مهمة، ساعد على ظهورها ازدياد الوعي والتذوق الجمالي والفني وعودة عدد كبير من الفنانين الاردنيين الذين درسوا خارج الاردن وكانوا الرواد المؤثرين من الناحية الفنية - أي حملة الراية الى بداية الستينيات.
ويرى بعض الباحثين ان الاهتمام بالفنون ''اتخذ شكلا اكثر جدية في بداية الخمسينيات لدى جيل الشباب الذي ارتبط من خلال الانفتاح الحضاري على الفنون الاوروبية، وارتبط ذلك ايضا بالتطور الحضاري داخل الاردن، حيث تشكلت اكثر من جمعية ورابطة فنية''.
وكان لعدد من الفنانين دور كبير وجهاد معنوي ومادي على المستوى الفني والادبي وفي مجال الثقافة الفنية والتشكيلية، نذكر منهم: مهنا الدرة، محمد رفيق اللحام، وجدان ، دعد التل، الراحل معين قاقيش.
وخلال المرحلة التالية نلاحظ مدى انتشار الوعي الفني وكثرة عدد الدارسين للفنون الجميلة والتخصصات الاخرى، خصوصا في البلاد العربية. فهناك من درس في كلية الفنون الجميلة بالجامعة المصرية، وفي جامعة القاهرة، وفي جامعة حلوان، وفي اكاديميتَي الفنون الجميلة في بغداد ودمشق. ومن سمات هذه المرحلة فتح المجال لدراسة التربية الفنية وفنون العمارة والتصميم الداخلي والديكور ومجالات الفنون التطبيقية والصناعية.
وشكلت هذه المرحلة (التي يمكن تحديدها خلال فترة الستينيات وحتى نهاية السبعينيات) رافدا ما يزال يقدم وينبض بالعطاء للحركة الفنية التشكيلية الاردنية، خصوصا مع تزايد عدد الفنانين الدارسين في تلك الاكاديميات، وبروز الاهتمام بضرورة تأسيس التجمعات الفنية والثقافية والتي جعلت من الفنان مشاركاً في المشهد الثقافي محلياً وعربياً وعالمياً.
إذ تأسست ندوة الرسم والنحت الاردنية (1962/1963)، وكان لها فرع في القدس المحتلة، كما تأسست ندوة اخرى باسم ''الندوة الاردنية للفنون الجميلة'' (1964/1965)، وتأسست أيضاً رابطة رعاية الفنون والآداب في الفترة نفسها. هذه التجمعات وسواها اتسمت بالعشوائية، حيث غابت عنها الأهداف الواضحة والجهود المحددة الكفيلة باستمرارها. وبسبب عدم الجدية وانعدام المثابرة، انتهت هذه التجمعات دون نتائج فنية عملية واضحة.. اضافة الى ان المناخ الادبي والثقافي والسياسي العام الذي تأثر بالظروف الاجتماعية والسياسية التي تعرض لها الاردن وفلسطين والوطن العربي عموما، جعل المصير العام متأزماً نتيجة نكسة 1967 بعد الحرب العربية - الاسرائيلية وتعاقب الهجرات السكانية على الاردن وسورية والدول العربية المجاورة. وقد وصف (الراحل) اسماعيل شموط هذا المناخ فقال: ''ولما كان الفن جزءاً من الحياة البشرية، متأثرا بها ومؤثرا فيها اجتماعيا وسياسياً واقتصادياً، فقد كان للحرب التي شنتها اسرائيل ضد العرب عام 1967 والتي عرفت بالنكسة، ولنتائجها أيضاً، ردود فعل في المجتمع العربي بشكل عام وعند المثقفين بشكل خاص''.
ومع زيادة الوعي وضرورة العمل الجاد في ظل تلك العوامل، وبعد سنوات من المخاض والروتين، تأسست ''رابطة الفنانين التشكيليين الاردنيين'' في اواخر السبعينيات، والتي اصبحت مؤشراً ورافداً مهماً ساعد على تأكيد دور الفنان الاردني، خصوصا خلال الثمانينينات. وحتى العام 1990 كان للرابطة دورها في جمع شمل الفنانين لولا بعض القضايا الادارية والاجراءات الفنية التي شلت اداءها خلال سنوات حاسمة من تاريخها، وبدا دورها خاملاً في السنوات التي تلت ازمة الخليج/ العدوان الثلاثيني على العراق، واستمرت الى اليوم (6).
لقد جمعت هذه الفترة الطويلة، روافد الفن المحلي في الاردن وفلسطين من محترفين وهواة. من جيل الستينيات الى جيل شباب جامعة اليرموك.. مما عزز قيمة الفنان الرائد (او المؤسس) ورفع من شأن الفنان.
وقد ظهر في هذه الحقبة اسماء سادت ثم غابت، واخرى ما تزال تبدع حتى الآن، وهناك اسماء لجأت الى هوايات واعمال اخرى او هاجرت خارج الاردن، لظروف مختلفة، ومن بينها: سهى شومان، راتب شعبان، احمد نعواش، احمد ابو سلمى، نصر عبد العزيز، ياسر الدويك، عفاف عرفات، محمود صادق محمود طه، كرام النمري، علي الغول، سعاد ملحس، كايد عمرو، عزيز عمورة، علي ماهر، جلال الرفاعي، حنان الاغا، ابراهيم النجار ابو الرب، اسحق نحلة، اوفيميا رزق، احمد حسان، حفيظ قسيس، خالد خريس، عبد الرحمن المصري، فؤاد ميمي، سامية الزرو، حسين دعسة، منى السعودي، قاسم العامودي، واصف المومني، جانيت جنبلاط، غادة دحدلة، هيلدا الحياري، رائد قاقيش، كمال عريقات، محمد قيتوتة، محمد العامري، اسماعيل شموط وتمام الاكحل.
وقد برزت اتجاهات واساليب فنية متعددة على الساحة، واصبح هناك تمييز في العمل الابداعي لدى كل فنان سواء من ناحية الرسم والتصوير او النحت او الخزف او الطباعة والتصميم الصناعي والفني، وكذلك برز الاهتمام بتطوير مفاهيم اللوحة الحديثة سواء من حيث الشكل او الادوات والتقنيات اللونية والخامات الاخرى في اللوحة والخزف والنحت.
واتجه الفنان الاردني عموماً الى ابراز الجماليات الفنية بشكل أساسي، وظهر الاهتمام واضحا بمعالجة القضايا العامة في المجتمع والتي تشغل الوطن والامة، واتخذ العديد من الفنانين اساليب واضحة مقتبسة او مبتكرة، فمنهم من كان رمزياً او واقعياً او سريالياً، وهناك من اتجه إلى اشغال الحديد والخشب والكولاج والرسوم الكاريكاتورية التي ابدع فيها رباح الصغير، عماد حجاج، زكي شقفة، محمود صادق وغيرهم.
وقد تحمل الفنانون المؤسسون للطليعة مشقة نشر العمل الفني وخلق ادبياته ومفاهيمه، كما كان لهم من الحس الفني والادراك الجمالي بمقدار ما للفن من صلة عميقة بجذور الثقافة العربية الاسلامية، ولقد تميزوا في تأصيلهم لهذا الاتجاه.. خصوصا من خلال رعاية الجمعية الملكية للفنون الجميلة والاميرة وجدان والاميرة (الراحلة) فخر النساء زيد، وكذلك دور الفنان مهنا الدرة. وكان للفنانة وجدان دورها في الدعوة الى انشاء التجمعات الفنية والفكرية، وعملت على تأسيس الجمعية الملكية للفنون الجميلة والتي يتبع لها المتحف الوطني الاردني للفنون الجميلة الذي يضم بدوره مجموعة متميزة من اللوحات، والاعمال الفنية العربية الاسلامية ولوحات المستشرقين. كما كانت الفنانة وجدان تقوم بأعباء عميدة كلية الفنون في الجامعة الاردنية، وعملت مع فريق الجامعة الأكاديمي على جعلها اكاديمية رائدة على مستوى الاردن والعالم.
وكان للفنانة فخر النساء زيد دورها المكمل والمتوج لكل هذه الجهود. فأسست حال استقرارها في الاردن، مدرستها الفنية الملكية التي تعدّ ابرز مدرسة خاصة تضم مرسماً لتعليم الفنون للمرأة الفنانة (7).
ورغم كل ذلك، يذكر بعض الباحثين أن الفترة ما بين 1973 و1975 غير مؤثرة من الناحية التشكيلية. واذا ما عرفنا ان حرب رمضان 1973 بين العرب واسرائيل قد تركت بصماتها على الفنون التشكيلية العربية بشكل عام، فإن الفن التشكيلي في الاردن - على رأي الباحثين - لم يكن ذا اثر يذكر، ولم يشكل حالة ثقافية او نقدية او بحثية. فمثلا يقول د.فواز احمد طوقان في مقدمته لكتاب ''آراء نقدية'' لأسامة فوزي يوسف''، معللا عدم الاهتمام بالفن التشكيلي من قبل صاحب الكتاب:.
''ويتساءل القارئ عند هذا الحد عن خلو الكتاب من فصول في الفنون التشكيلية الاردنية او الجهود الفنية التشكيلية او الجهود الفنية في الموسيقى والفلكلور وما الى ذلك من المجالات الثقافية الاخرى، والاجابة عن هذا التساؤل كله: فالاردن ما يزال غض العود في هذه المجالات بالذات، ولو ان الفنون التشكيلية بدأت تظهر في الساحة الثقافية بشيء من الجرأة والثبات، الا ان انتشارها بازاء المسرح او الشعر مثلا انتشار يظل محدوداً وضمن اطر اجتماعية محضة، وعليه اقتصر اسامة في كتابه على الاوجه الاكثر جماهيرية من حيث المنتج والمستهلك..''.
هذا الامر يجعلنا نضع علامات تعجب عدة حول الرأي والكتاب مدار البحث، لعلمنا ان تلك الفترة كانت من اكثر الفترات التشكيلية المحلية مخاضاً، فقد برزت امور جعلت الفنان المحلي يعمل جاهداً على تأسيس مكانته المحلية والعربية، وربما يكون العام 1975 من الاعوام المفصلية في مجال الفن التشكيلي المحلي في الاردن.
وهناك مرحلة انتقالية مهمة شهدتها الحركة التشكيلية الاردنية، وهي تقع في الفترة ما بين نهاية السبعينيات وحتى منتصف عقد الثمانينيات، وهي مرحلة ما وصفته بالجيل الثالث، فالجيل الثالث هو الرافد الدائم والحيوي لهذه الحركة، فقد تعرضنا الى فترة التأسيس ومن ثم فترة الوعي والانتشار. فكانت بداية الثمانينات هي المؤشر الواضح لهذا الوعي الجديد الذي تابع العمل التشكيلي، يحلم ببدايات قوية لتأصيل وتأريخ وتوثيق ونقد بناء وصحيح للحركة الفنية التشكيلية في الاردن، ونتج في هذه الفترة قيام ابرز مجموعة فنية اردنية تشكيلية هي ''الفنانون الاردنيون الشباب'' سنة 1981، واكدت هذه المجموعة وجودها وابداعها الفني من خلال مجموعة معارضها السنوية التي اقيمت في الاردن بشكل تقليدي، وهي معارض جماعية حملت اسم ''الاردن'' فأقيمت سنوياً حتى العام 1987، واجريت ترتيبات لاقامة معارض مهمة انجز منها معرض مهم في القاهرة في بداية العام 1984، وآخر في دمشق سنة 1986، وثالث في الكويت سنة 1987. وقد تلاشت هذه المجموعة مع بداية التسعينيات من القرن الماضي (8).
الهوامش
1- الطويسي، د. باسم: جغرافية التكوين: اذرح والحميمة، مجلة راية مؤتة، المجلد الثالث، العدد الثالث، تشرين الأول 1997، جامعة مؤتة، ص (141 - 150).
2- د. وجدان علي (الهاشمي)، الفن المعاصر في الاردن، الجمعية الملكية للفنون الجميلة، عمان - الاردن 1996: ص 37.
وذكرت الأميرة وجدان في كتابها الفنانين الذين رسموا او تأثروا بمحيط ومكان وروح الحياة النبطية وتراثها العربي الأصيل امثال: حازم الزعبي (في جدارية ''رموز نبطية'')، وخالد حجازي (في محفورة ''الجرافيك بتراء'')، وسهى شومان (في لوحاتها ''اسطورة البتراء'').
3- يمكن الرجوع الى موسوعة د.عز الدين المناصرة: الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين، قراءات توثيقية تاريخية نقدية الصادرة في جزءين عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع 2003، وايضاً:
كتاب: الفن المعاصر في الاردن للدكتورة وجدان علي، الصادر عن الجمعية الملكية للفنون الجميلة.
وايضاً: كتاب: فخر النساء زيد، متصوفة الفن والجمال لمؤلفه حسين دعسة، دار ازمنة - عمان.
4- يتفق جميع من كتب وارخ للحركة التشكيلية الاردنية، على بعض من هذه الحقائق التي تم نقلها عبر شهادات شفاهية مهمة لكبار رواد الحركة التشكيلية امثال رفيق اللحام.
راجع كتاب:
فنانون تشكيليون من الاردن ، شهادات ودراسات، دارة الفنون ، مؤسسة خالد شومان الثقافية ص (28) وما بعدها.
5- دعسة، حسين: فخر النساء زيد، والكتاب هو المرجع العربي الوحيد عن فن وابداع هذه الفنانة الرائدة في الاردن وتركيا وعدد من الدول الاوروبية.
6- يمكن الرجوع الى كتاب: د. ابراهيم النجار ابو الرب: (الفن الاردني المعاصر) الصادر عام 2001 عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الاليسكو) تونس، وفيه استعراض واسع لنشوء جماعة الفنانيين الشباب، فيما نرى في كتاب محمد ابو زريق، فنانين اردنيين معاصرين - قراءات بصرية، بعضا من خصوصية تجربة كل فنان شارك في هذه الجماعة امثال: د. ابراهيم ابو الرب، اسحق نحلة، حسين دعسة، عدنان يحيى، محمد عيسى.
7- دعسة،حسين:، فخر النساء زيد.
8- د. وجدان، الفن المعاصر. وانظر ايضا كتاب ابراهيم النجار المشار اليه سابقا. 


* ناقد وتشكيلي أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }