ميكافيلي والميكافيلية

ميكافيلي والميكافيلية

كان ميكافيلي يتميز بعينين براقتين تنمان عن نظرة ثاقبة معبرة، وبطول متوسط، وبشفتين دقيقتين تفصح عن ابتسامة عما يجول في اعماق نفسه.
ولد ميكافيلي فقيرا فتعلم الحاجة قبل المتعة، وكان مولده في فلورنسا وسط ايطاليا وعندما شبّ درس القانون والتاريخ.. ولكنه وهو في سن السابعة من عمره بدأ بتعلم اللاتينية لغة العلم والثقافة آنذاك - وفي بداية شبابه اظهر ميكافيلي الميل نحو الثقافتين القديمة والحديثة فقرأ خطب الروماني المعروف شيشرون ودرس مؤلفات ارسطو وتابع باهتمام مؤلفات رائدي النهضة دانتي وبترارك. الا ان مدرسة ميكافيلي الأساسية كانت شوارع مدينة فلورنسا التي تميزت بنشاطها السياسي الواسع الذي لم يقتصر على النخبة.
ويضيف د. كمال مظهر احمد في كتابه ميكافيلي والميكافيلية الصادر عن سلسلة الموسوعة الصغيرة عام 1984 عن هذه الشخصية الشهيرة (ميكافيلي) انه قد عرف بسرعة البديهة بشكل نادر وبتأثيره على مستمعيه وباجادته الحديث الجاد والمرح مع مختلف المستويات بدءا بالحطابين في قريته، ومرورا بأمراء ايطاليا وانتهاء بملوك اوروبا، محاولا في كل الأحوال ان يكون مرغوبا قريبا الى قلوب الآخرين.
وكان ميكافيلي ودودا في غاية الاخلاص لأصدقائه يأتي كل ما في وسعه عملا وقولا، من أجل خيرهم ورفعتهم، وكان بعيدا عن القسوة في حياته.. يعطف على كل ضحية بريئة مما يبدو جليا من وسائله الكثيرة لأصدقائه، اما في صراحته فلم يضاهه أحد من اعلام عصره، وهو الى جانب كل ذلك كان شكاكا ومتوسوسا.
ونقرأ في الكتاب : ان الوقوف على آراء ميكافيلي السياسية فهي من خلال دراسته ثلاثة من أهم (مؤلفاته الأربعين) ''الأمير'' و''المطارحات'' و''فن الحرب''.. هذا ويعتبر كتاب الأمير من أصغر مؤلفاته حجما واكثرها شهرة، مع ان مؤلفاته الاخرى لا تقل خطورة عن ''الأمير''، الا ان المرء عندما يقرأه يشعر حقا ان السنوات الخمس عشرة التي كرسها ميكافيلي (لادارة قضايا الحكم لم تذهب سدى) كما يقول ذلك بنفسه.. بدأ تداول هذا الكتاب بشكل مخطوط في حياته على نطاق واسع.. وقد طبع لأول مرة في العام 1532 أي بعد وفاة صاحبه بخمس سنوات!! وسرعان ما ترجم الى جميع اللغات الاوروبية ومن ثم الاخرى، وأعيد طبعه عشرات المرات بل واكثر وحظي بدراسة المئات من المفكرين والساسة والمؤلفين، وهو اليوم يدخل ضمن مواد التدريس في العديد من المؤسسات الاكاديمية المعروفة منها جامعة اكسفورد والجامعة الاميركية في بيروت وغيرهما.. وقد دفع كل ذلك بالمختصين الى اعتبار الأمير (نتاجا خالدا عن حق) من بين نتاجات النهضة الايطالية المعطاءة.
لقد اعتبر ميكافيلي في البداية ان (الجمهورية) نظاما امثل للحكم.. لكن بعد تحليلة للأوضاع القائمة في ايطاليا التي كانت في عهده مقسمة الى خمس دول هي: مملكة نابولي في الجنوب، دوقية ميلان في الشمال الغربي، جمهورية البندقية الارستقراطية في الشمال الشرقي، جمهورية فلورنسا، والدولة البابوية في الوسط والتي كانت علاقاتها تتسم باستفحال الحروب والخلافات فيما بينها مما جعل كل الوطن هدفا سهلا للغزو الاجنبي المستمر. وتوصل ميكافيلي في كتابه (الأمير) الى الاستنتاج بأن خير نظام يمكنه تحقيق وحدة ايطاليا والذود عنها هو ذلك النظام الذي يستند الى سلطة مركزية دكتاتورية مطلقة قوية لا تقف في سبيلها الاعتبارات الدينية والدنيوية والأخلاقية.. فان مصالح الدولة العليا وبوجه خاص وحدة البلاد، تبرر رأيه لجوء الأمير الى جميع السبل كاستخدام القوة التي تشكل - كما كان يؤكد - أساس الحق والقسوة.
ولكن ذلك لا يعدو كونه ذروة الميكافيلية بصورتها المشوهة، فان الرجل لم يطلق آراءة الخطيرة تلك دون ضوابط اخلاقية رفيعة او تفسيرات منطقية تبيّن الأمور على حقيقتها وتضع السياسة في اطارها الواقعي زمانا ومكانا. فالخير كل الخير للأمير في ان يتظاهر (بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين) وان يكون (فعلا متصفا بها) ولكن عليه ان يعد نفسه (عندما تقتضي الضرورة) ليكون متصنعا بعكسها، لذا فان من واجب الأمير ان يجعل عقله مستعدا للتكيف مع الرياح، ووفقا لما تمليه اختلافات الجدود والحظوظ وان لا يتنكر لما هو خير اذا امكنه ذلك شريطة ان ينزل الاساءة والشر اذا ما اضطر الى ذلك وضويق.
وهنا يشير المؤلف د. كمال مظهر موضحا انه في الواقع ان التاريخ لم يعطنا مثلا واحدا لم ينزل فيه الأمير وحتى غير الأمير ''الاساءة والشر اذا ما اضطر الى ذلك وضويق'' فهذه حقيقة تكاد تكون سمة ملازمة لطبائع الناس شئنا أم أبينا، اعترفنا أم بررنا. فلا تكمن الخطورة اذن في هذا الجانب من آراء ميكافيلي الذي رأى مثل غيره ولكنه لم يسكت، على العكس من غيره. انما تكمن المأساة في ان القيم والضوابط التي اراد ميكافيلي ان يتصف بها الأمير في الظروف الاعتيادية - ''الرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين'' اندر في بطون التاريخ من الماء في الصحراء.. فلو عمل كل أمير بآراء ميكافيلي لتقلصت الصفحات السوداء في سجل التاريخ الى حد كبير.
ويستمر ميكافيلي في كتابه الأمير واضعا الخطط والدروس لأميره الجديد بقوله: فعلى الأمير ''ان يكون حريصا على ان لا يفضح نفسه بأقواله'' وعليه ان يجعل الناس ''يرون فيه ويسمعون منه الرحمة مجسدة، والوفاء للعهود والنبل الانسانية والتدين'' وعليه ان يتجنب ''كل ما يؤدي الى تعرضه للاحتقار والكراهية وهو يتعرض للكراهية'' واذا اصبح سلابا نهابا يغتصب ممتلكات رعاياه ونساءهم فهذا ما عليه ان يتجنبه، وقد يعتبر الأمير ''دنيئا حقيرا اذا رأى الناس فيه تقلبه، وتفاهته وتخنثه وجبنه واستخذاءه، وهي امور يجب ان يقي الأمير نفسه منها، على اعتبار انها الصخرة التي تمثل الخطر، وان يدبر أمره بحيث تبدو من اعماله مخائل العظمة والحيوية والرصافة والجلد''. اما بالنسبة الى حكم رعاياه فعلى الأمير ''ان تكون احكامه مبرمة لا تقبل النقض، وان يتمسك بقراراته فلا يسمح لانسان بخديعته او الاحتيال عليه''.
ويؤكد ميكافيلي ان على الأمير لا يخشى كثيرا من المؤامرات اذا كان الشعب راضيا عنه، اما اذا كان مكروها ويحس بعداء الشعب له، فان عليه ان لا يخشى من كل انسان ومن كل شيء''!!.