فايز محمود* - تعود الثقافة الحديثة، تعود لى البحث عن المنابع الرئيسة للوعي الانساني. وتركز المباحث الفكرية خاصة، على هذا النبع: بدائية الانسان.. وصلة نبعه الاول بتياراته من ثم، وبمصباته الشاسعة العميقة من بعد. وهناك ممن يقول بان التفكير في ما يسمى الشعوب البدائية يقع في مرتبة ادنى من التفكير العلمي. وهؤلاء يعتبرونه كذلك ليس بسبب من مسألة الاسلوب فحسب، بل لانه خاطىء بالمعنى العلمي. نجد (الدوس هكسلي) في مداخلته ''ابواب الادراك'' يقول: ان السواد الاعظم من الناس يستخدم جزءا محددا فقط من قواه العقلية بينما يظل الباقي منها حلبسا بشكل تام. وهل نحن على ضوء هذه الملاحظة من هدر طاقات العقل: هل نحن - وضمن اشكال الحياة التي نعيشها الان - نستخدم جزءا من طاقاتنا العقلية يقل عن الجزء الذي يستخدمه الشعب البدائي، والذي يفكر بطريقة اسطورية؟ سنرافق فيما يلي المفكر المعاصر (كلود ليفي شتراوس) احد اشهر الفلاسفة في هذا المجال - في اجابته على هذا السؤال والذي ضمنه كتابه ''الاسطورة والمعنى''. في القرنين السابع عشر والثامن عشر قامت الهوة الحقيقية والانفصال الحقيقي بين العلم وما يمكن ان نسميه الفكر الاسطوري. في ذلك الوقت بوجود (بيكون) و(ديكارت) و(نيوتن) الاخرين - فرضت الضرورة ان يشيد العلم نفسه في مواجهة الاجيال القديمة من الفكر الاسطوري ووالصوفي. وقد ساد الاعتقاد بان العلم لم يرسخ اقدامه الا بادارة ظهره لعالم الحواس: العالم الذي نراه، نشمه، نذوقه، وندركه، لقد كان الحسي عالما خادعا، بينما تمثل العالم الحقيقي في النسب الرياضية التي لا يمتلك ناصيتها سوى المثقف، التي كانت على خلاف تام مع حساس للاتجاه المستقيم...
ان مشكلة التجربة في مواجهة العقل تنطوي بأسرها على حل في بنية الجملة العصبية، وليس في بنية العقل او التجربة - بل في مكان ما بين العقل والتجربة، بالطريقة التي تبنى فيها جملتنا العصبية، وبطريقة توسطها بين العقل التجربة. ان طريقة التفكير السائدة لدى الشعوب التي نسميها ''بدائية'' على سبيل الاعتياد والخطأ - والاجدر بنا تسميتها شعوبا دون كتابة، اذ ان الكتابة عامل التمييز الحقيقي بين الشعوب المتمدنة والشعوب البدائية. ان طريقة تفكير هذه الشعوب، جرى تفسيرها بطرازين مختلفين يتساويان كلاهما في الخطأ. الطريقة الاولى تجلت في اعتبار ذلك التفكير سمة اكثر فظاظة. الطريقة الثانية لا تضع فكر الشعوب في مرتبة ادنى بل تعتبره فكرا مختلفا من حيث الاساس. ويثبت (شتراوس) في كتابين له هما ''الطوكمية'' و''العقل المتوحش'' يثبت تبيان حقيقة ان الشعوب البدائية التي كانت تعيش حياة خاضعة كليا لحاجة اشباع جوعها، لحاجة الاستمرار في القدرة على البقاء ضمن شروط مادية شديدة القسوة - هي شعوب تمتلك قدرة تامة على التفكير اللانفعي: وهو التفكير الذي يدل على حضارة الانسان. فالشعوب البدائية تتحرك بدافع الحاجة او الرغبة في فهم العالم المحيط بها. في فهم طبيعته وفهم مجتمعهم من جهة اخرى ولتحقيق هذه الغاية تقدمت تلك الشعب عبر وسائل فكرية عقلانية صرفة - كما ينبغي ان يفعل الفيلسوف او العالم في حدود منطقة. ان الطموح الكلياني من قبل العقل المتوحش، لدى الشعوب البدائية - يختلف تماما عن اجراءات التفير العلمي. فالعقل المدني والحضاري قادر على بسط سيطرته على الطبيعة من خلال التفكير العلمي - لكن الاسطورة لا نصيب لها من النجاح في اعطاء الانسان قوة مادية اشد للسيطرة على البيئة. ان الفكر الاسطوري يعطي الانسان وهم القدرة على فهم الكون وانه فعلا يفهم الكون، وهذا بالغ الاهمية لكنه مجرد وهم بالطبع. بيد اننا لا بد ان نلاحظ كيف نستخدم كمفكرين علميين قدرا محدودا للغاية من طاقتنا الذهنية. نحن نستخدم ما تقتضيه حرفتنا او تجارتنا او الموقف الخاص الذي نحن فيه تلك اللحظة - فاذا قدر لامرىء ما ان يلازم فعل الاساطير او انساق القرابة طيلة عشرين عاما او تزيد - لبات لزاما عليه استخدام هذا الجزء من طاقته الذهنية.
لكننا لا نستطيع المطالبة بان يهتم كل منا بالاشياء ذاتها، ولهذا يستخدم واحدنا قدرا معينا من طاقتنا العقلية وفقا للحاجة او الاهتمامات نحن اليوم نستخدم طاقتنا العقلية بدرجة اقل واكثر مما كنا نفعل في الماضي: انها ليست النوع ذاته من الطاقة العقلية السابقة، نحن على سبيل المثال نستخدم النزر اليسير من مدركاتنا الحسية. لقد امتلكت الشعوب المفتقرة للكتابة معرفة دقيقة مدهشة ببيئتها وكافة مصادر ثرواتها. لقد فقدنا كل هذه الاشياء لكننا لم نفقدها دون سبب: نحن اليوم قادرون على قيادة حافلة دون اخطار تصادم، قادرون على تشغيل المذياع وجهاز التلفزيون - هذه ممارسات تنطوي على تدريب للطاقة العقلية التي لم تمتلكها الشعوب البدائية. ولربما ان تلك الشعوب، بما امتلكته من طاقة آمنة، احتلت موقعا يتيح لها امكانية تبديل مساواتها في الذهن، لكن الحاجة لم تقتض ذلك قياسا على نوع الحياة والعلاقة مع الطبيعة المتوفرين في زمنها. ليس بوسع المرء تطوير كامل الطاقات العقلية الخاصة بالنوع البشري دفعة واحدة. انه يفلح في استخدام قطاع صغير، ولا يكون هذا القطاع مماثلا للثقافة بطبيعة الحال، فالعقل البشري بالرغم من الفروقات الثقافية بين مختلف اجزاء البشرية هو ذاته هنا وهناك، وانه يمتلك الطاقات ذاتها. لا يجب ان نفهم بأننا نضع التفسير العلمي والتفسير الاسطوري على قدم المساواة: اننا نريد الخلاص الى ان عظمة وتفوق التفسير العلمي تكمن في انجازات العلم العقلية والعملية دون سواها. بل ايضاً في الحقيقة التي نشهدها يوماً بعد آخر - حقيقة ان العلم اخذ يمتلك القدرة لا على تفسير مشروعيته الخاصة فقط - بل ايضاً تفسير ما هو مشروعه الى حد ما التفكير الأسطوري،. ان اهتمامنا المعرفي والفكري يتصاعد شيئاً فشيئاً - فالعلم الذي قام على رؤية كمية محضة بدءاً من القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر، اخذ يتكامل مع الجوانب الكيفية للواقع ايضاً: ولا شك في ان امراً كهذا سيمكننا من فهم العديد من الاشياء القائمة في الفكر الاسطوري. لقد كنا فيما مضى، نميل الى نبذ الفكر الاسطوري، باعتبار ان هذا التفكير سخيف لا معنى له.. وكان هذا الاتجاه سيقودنا الى الايمان بأن القوة المطلقة بين الحياة والفكر غير قائمة - بل كانت في واقع الأمر مقبولة من ثنائية القرن السابع عشر الفلسفية. واذا قادنا الطريق الى الايمان بأن ما يجري في عقلنا امر لا يختلف جوهريا وفي الأساس عن ظواهر الحياة الاساسية ذاتها. ثم اذا بلغنا حد الاحساس بانه لا توجد هوة من النوع الذي يستحيل تجاوزه بين البشرية من جهة والكائنات الحية الاخرى (ولا نقصد الحيوانات فقط بل النباتات ايضا) من جهة اخرى.. فلعلنا عندها نتوصل الى اكتساب حالة ارفع مما نظن أنفسنا قادرين على اكتسابها.
* كاتب أردني