حكمت النوايسة*
عتبات النص
- العنوان
تأتي شعرية هذا العنوان من خلال نسبة السرادق إلى متناقضين؛ الحلم والفجيعة، وإذا كان من غايات العنونة التلخيص، فإن هذا العنوان يمثل ذلك التلخيص، والتأشير على ما تنوي الرواية أن تقوله، فهو يشف عن وجود حلم، ووجود فجيعة، ولعلّ السير في الرواية وقراءتها يوضحان وينمّان عن ذلك.
كما يشير العنوان، ويؤشر من خلال مفرداته إلى أن الرواية ستأخذ من مفردات القرآن الكريم معينا تغرف منه ما توظفه في نسيج المدونة اللغوية للنص؛ فكلمة ''سرادق'' تذكرنا بقوله تعالى: ''إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها'' (الكهف، 29).
- الإهداء
يرد الإهداء في الرواية كالآتي: ''إلى الغرباء''.
ويظهر من خلال الإهداء أننا أمام إهداء لا يعين، مسافرا في الزمان والمكان، ذلك أن تعريف الغرباء بـ''أل'' التعريف يجعل هذه الصفة تشمل الأموات منهم والأحياء، فضلا عن شمولها كلّ من تنطبق عليه هذه الصفة في العالم والتاريخ على السواء، ومثل هذا الإهداء يشكّل عتبة نصيّة مهمة تدخلنا في صميم العمل الروائي، إذ إنها تفتح شهية التلقي على أفق إنساني، غير مقيد بخصوصية.
ولعلّ هذا الإهداء بهذه الروح هو ما يقود إلى ما سمّاه المؤلف ''الفاتحة''، إذ إن الفاتحة جاءت مأخوذة من أبي حيان التوحيدي، ما يثير الذاكرة إلى الإشارات الإلهية بوصفها مرجعا.
- فاتحة
الفاتحة كما قلنا مأخوذة من أبي حيان التوحيدي، وهذه الفاتحة تلخص رؤية الرواية، تقول: ''الهوى مركبي، والهدى مطلبي، فلا أنا أنزل عن مركبي، ولا أنا أصل إلى مطلبي... أنا بينهما مأخوذ عن حقيقة الخبر بتمويه العبارة''.
وفي مثل هذا الاستهلال نقرأ جملة أسئلة محاولين الإجابة عنها، من هذه الأسئلة:
لم اختير أبو حيان التوحيدي مرجعا، أو مصدرا للافتتاح به؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال نرى أن في شخصية التوحيدي قدرة على تلخيص، ذلك أنها شخصية راسخة في الوجدان والفكر العربي، تشير أول ما تشير إلى الاغتراب، ومفارقة الزمان والسلطان، فالتوحيدي في مقابساته، وإشاراته الإلهية، يمثل نموذجا لأدب الاغتراب في الزمان السياقي، من خلال البحث خارج الموجود عمّا يغني في الوجود.
وإذا تأملنا العبارة المأخوذة من التوحيدي لتكون فاتحة، فإننا نتساءل:
كيف يكون الهوى مركبا لمن أراد الهدى مطلبا؟ فمن يريد أن يصل إلى الهدى عليه أن ينزل عن مركب الهوى، أما إذا أراد هذا وذاك، فإنه لعمري يلخّص حال كثيرين ممن نراهم، وربما نكون منهم، ممّن يريدون أن يكونوا من المهتدين (كلٌّ بحسب فهمه للهداية) ولكنّهم لا يركبون طريقها الصعبة المحفوفة بالمكاره.
أما السؤال الآخر، فإنه متعلق بآخر جملة في عبارة التوحيدي، فإذا كان لكل طرف في الهوى، والهدى طريقه الخاص، وأدواته الخاصّة، فإن الإنسان، لا بدّ، سالكٌ أحدهما، وإلا، كيف يمكن أن يكون؟
ويكون الجواب في العبارة نفسها:
''أنا بينهما مأخوذ عن حقيقة الخبر بتمويه العبارة''.
إنه إذًا سحُر اللغة وعنفها، والسكنى إليها، ذلك أن اللغة التي وجدت للإفصاح عن المعاني التي في النفوس، هي نفسها القادرة على طمس هذه المعاني وحجبها، فساكن اللغة قادر على أن يكون هذا وذاك، بل، لعلّه هو القادر على أن يكون هذا وذاك، لكنه سيبقى الغريب الباحث عن الغرباء الذين يشابهونه، وبهذا يمكن أن ننسب هذا الافتتاح إلى السارد، كما يمكن نسبته إلى مرجعه التاريخي.
وبهذا تكون هذه الفاتحة مفتاحا آخر لقراءة النص.
أما السؤال الآخر، الذي لا يبتعد كثيرا عن السؤال الأول، فهو: لم اختير أبو حيان ونصه في هذا الزمن؟
- الخاتمة
وليس غريبا، وإن كان مثيرا، أن تأتي الخاتمة بعد الفاتحة مباشرة، أي خارج النص، أو من عتباته؛ ذلك أن مثل هذه الخاتمة المثيرة هي فاتحة من نوع آخر؛ إنها لا توحي بالنهاية، بقدر ما توحي بالبداية، وهي تشير إلى ما هو غير معروف إلا إذا قرئ النص، وبهذا تقدم إغراء بقراءة النص، من خلال غربتها في الحيز النصي، ومن خلال ما تشكله من عصف ذهني باتجاه الحدث.
وإذا كان ما قدّمته ''الفاتحة'' يشير إلى الاغتراب بين المطلوب ووسائله، فإنها (الخاتمة) تشير إلى استمرارية البحث عن مرتكز يمكن الوقوف عليه، وهذا البحث هو بحث الإنسان مطلقا، إذ إنه لو انتهى لانقسم الوجود إلى أسود وأبيض، والرواية بعد قراءتها، لا توحي بذلك.
فالبحث عن الجودي الذي رست عليه سفينة نوح بعد الطوفان، هو بحث عن مستقر للسفينة الغرباء، والغرباء هنا هم غرباء كلّ زمان ومكان، إنهم حاملو راية الفكر، والمدافعون عن الحقيقة الذين يركبون المكاره التي حفَّت بها جنّة الحلم، أو جنة العقد المقدس.
أما الجانب الآخر من المبحوث عنه، فهو حقيقة مآل المدينة المومس، وهي تشير إلى المدينة التي سادها الظلم واستمرأته وقبلت حكم الغراب والفئران، والسؤال عن مآلها سؤال لا تكون إجابته في المراجع التاريخية، بقدر كونها استشراف لما ستؤول إليه هذه المدينة، وإن شئت قلت'' المدنيّة'' التي نعيش.
- الأسئلة
ثم سؤالان ولاّدان، موضوعهما حقيقة الطوفان، وحقيقة الناجين وحقيقة النجاة نفسها. ومثل هذه الأسئلة تدخل في عنصر التشويق النصّي؛ ذلك أنها أسئلة مثيرة ملبسة لجهتين:
الأولى: إيحاؤها بما تحمله الدلالة الأوّلية في سؤالها حول ما هو راسخ في العقد التاريخي، الطوفان.
الثانية: اتكّاؤها في يقينها القاطع على رمز صنعه المخيال الجمعي، شهريار، وفي هذا أكثر من دلالة، إذ إنها تشير إلى تفسير الموثّق المتفق على صدقيته، بما هو غير موثق، وغير موقن بصدقيّته، وهنا المفارقة، فالتشكيك بحقيقة الطوفان يوحي بعقل أكثر صرامة في تقّبل الخبر، غير أن مجيء الإجابة من قصّة ''ألف ليلة وليلة'' يخلق الهوة بين الطريق والمطلب، فالطريق الصعبة بالسؤال المتشكّك لا يمكن أن يكون جوابها بالاتكاء على الخرافة، أو الرواية مجهولة الراوي.
النص والنص الغائب
تستلهم الرواية التراث من جهتين: الشكل، والمادة. أما الشكل، فهو متمثّل في التقسيم الذي اتبعته الرواية، إذ جعلت الأحداث في شكل قصص بعنوانات فرعية من مثل: ''الفأر والحصاة'' و''القوّال والعناكب''.... وهذا يذكّرنا أول ما يذكّر بتقسيمات كتاب ''كليلة ودمنة'': ''البوم والغربان'' و''الحمامة المطوقة''... وإذا كانت تفريعات ابن المقفع تلتقي جميعا في عظة الكتاب، فإن تفريعات جلاوجي هنا تقدم الجوانب المختلفة، والقصص الفرعية التي تشكّل القصّة الكبرى، قصة الغريب المغترب والمدينة.
ويمكن تقسيم الرواية بين السرد الذاتي والسرد الموضوعي؛ فالسرد الذاتي، هو ما حُمّل بالغنائيّة المترتبة على الرؤية الشعرية للعالم، وانعدام المسافة بين السارد/ البطل الغريب الذي يتنقل خلال المدينة المومس وبين ما يروي؛ فتحت عنوان ''أنا والمدينة'' نقرأ:
''الغربة ملح أجاج
وحدي أنا والمدينة
....
لا دفء في القلب الحزين
لا ولا شوق ولا غيث ولا حلم أمين...''.
وليس بخاف ما يحمل هذا من رؤية شعرية غنائيّة للعالم.
وإذا كانت المدينة، كونها رمزا، تحيل إلى بناء رمزي للنص، فإن ذلك الرمز، تحت وطأة الرؤية الشعرية، لا يصمد كثيرا، وسرعان ما يتمزّق عنه الستار، ويصير الخطاب مباشرا؛ ذلك عندما يتحول من خطاب الغياب والثكل للمدينة إلى الخطاب المباشر الموجه للمدينة الحاضرة فيسائلها:
''إلى متى ترضعين الحمقى والأغبياء؟
إلى متى أيتها المدينة تمارسين العهر جهارا دون حياء؟''
وينهي المقطع بعبارة أكثر مباشرة:
''يا غرباء العالم اتحدوا''.
***
وإذا كانت الرواية رواية مغترب في مدينة، فإننا نسأل عن مصدر هذا الاغتراب، وفي الرواية إجابة عن هذا السؤال، إذ إن مصدر الاغتراب هو انقلاب المعايير، وتبدلها، بما يخالف قوانين الطبيعة، ويخالف الطبع الإنساني:
''من بالوعة القاذورات يخرج فأر أغبر يمشي الخيلاء يبصر قطا متكورا على نفسه يضحك الفأر ضحكة هستيرية يجري خلفه يفزع القط، يندفع فارّاً تتناثر أعضاؤه هنا وهناك يهتف العجاج عاليا لبطولة الفأر يرتجف قلبي كبندول الساعة أفتح فمي إلى آخر نقطة ممكنة أحس بشهوة الصياح والصراخ والعويل''.
وفي هذا السياق المقلوب، لا بد من إسكات الضمائر والألسنة، وهي أداة التغيير وكشف الحقائق، وهنا لا بدّ من وسيلة لذلك، فالسارد الذي يدهشه المشهد تحاربه المدينة، وقبل أن يقول يُخرس لسانه:
''على عجل تتحرك حصى كانت ترقب المشهد عند سفح الرصيف تقفز في فمي وتستقر تحت لساني أحاول طردها بكل قواي ولكن لا مندوحة. لقد تشبثت علقةً''.
أما استلهام الرواية للمادة التراثية، فإنه يأتي من جهتين: جهة الأداة/اللغة، وجهة المضمون.
أما جهة الأداة، فإن مفردات القرآن الكريم وجمله تتناثر في أروقة الرواية، بمناسبة وبغير مناسبة، والأمثلة كثيرة إلى الحد الذي يقنع بلا جدوى إحصائها والتمثيل عليها، وفي هذا نرى أن هذا الاستثمار للغة القرآن الكريم لم يأت عبثا، أو لعبا بالكلمات، وإنما جاء حاملا دلالة رمزيّة أخرى تضاف إلى رمزية البناء الكلّي للرواية؛ فإذا كانت لغة القرآن هي المعين الذي نهل منه السارد عندما أراد أن يصف أو يقول، فإن ذلك يشير إلى مرمى آخر، وهو أن القرآن عندما يكون مرجعا لغويا، يتحول إلى ظاهرة صوتية تصويتية، يتكئ عليها من أراد أن يقلب الحقائق باحثا عن شرعيته في وسط يكوّن هذا النص عنده عقده المقدس، وفي هذا إدانة لتجزئة النص، وإخراجه من سياقة المتسق المنتظم الشمولي، إلى مجرّد وسيلة تستثمر محرَّفة، محرِّفة فهم الجماهير ووعي الرعية، باتجاه القبول بالآلهة المصنوعة، وإذا كان السامري قد أخذ شيئا من أثر الرسول، فإن صانعي الآلهة الجدد يأخذون من القرآن الكلمات والجمل مبتورة من سياقها ليزيّنوا بها آلهتهم.
أما جهة المضمون، فإن الرواية تستثمر قصّة الطوفان، وقصّة السامري؛ قصّة الطوفان في استشراف المستقبل، ذلك أن الغرباء/ الأنبياء، ما يزالون يصنعون ويعدّون سفينتهم لأنهم يستشعرون الطوفان....
وأما قصّة السامري، فإنها تستثمر في بيان كيفية تشكل القبح الذي تعيشه المدينة المومس، فالآلهة التي يعبدها الناس هي من صنع أيديهم، تماما كما فعل السامري:
''ما هي إلا ساعات حتى كان النصب شامخا... إلها
جسدا له أنين... نعيق..
قال أحدهم
لن نبرح عليه عاكفين''.
وإذا كان أن اتفق عاشقو المدينة المومس على صنع إلههم، فإن الغرباء الذين يملكون الحقيقة، أو أسئلتها لا بدّ لهم من مرجع يطمئنون إليه، وهكذا نرى البطل يقصد الشيخ، الذي يمثل اغترابا أبديا عن عشاق المدينة المومس، ولدى هذا الشيخ يجد الوصفة التي يستطيع بها الغرباء الانتصار على انقلاب المعايير، وتحكم الآلهة المصنوعة بمصائرهم، وهنا نجد النصيحة التي لا بدّ أن يُعمل بها لإنقاذ المدينة، أو لإنقاذ الغرباء من إغراء المدينة المومس:
''تريد أن تبلغ مجمع البحرين.. وقلبك معلّق بالحوت، ولبّك عاشق للعجل.. عد اذبح العجل، واحْي الحوت... دون ذلك فلن تستطيع معي صبرا''.
وفي هذا نجد تكثيفا واستنطاقا لقصّة البحث عن المعرفة، معرفة موسى من هو أعلم منه، ومعرفة الغريب في زماننا للحقيقة، أو باب الخلاص.
وهنا يأخذ الشيخ الذي يقصده البطل مكان الرجل الصالح الذي يقصده موسى ليتعلم منه، وإذا كانت نصيحة الرجل الصالح لموسى أن لا يسأل عن شيء، فإن نصيحة الشيخ للبطل أن يقتل العجل ويحيى الحوت، وفي هذا التوظيف إشارة إلى رؤية الرواية، ذلك أنها رواية بحث عن خلاص، ولا يتم إلا إذا استطاع طالبه أن يحسم أمره في وجهة واحدة، ويجع قلبه معلقا بما يريد وحسب، فإن أراد الخلاص ومعرفة طريقه، فعليه أن يقتل العجل/ رمز الآلهة التي نصنعها فتحكم مصائرنا فيما بعد، وفضلا عن هذه الرمزيّة، فإنه يأخذ قيمة دلالية أخرى، من خلال إشارته إلى توافه الأمور في الحياة، وتعلق الإنسان بها، ويمكن أن نمثل عليها بالمنصب أو الجاه وما يشبه ذلك، وقتل العجل يعني قتل التعلّق بتوافه الحياة التي جعلت طالبيها يصنعون إلها كما يريدون، على أن لا تكلّفهم عبادته شيئا.
ينقسم العالم في هذه الرواية قسمين: عالم الخير، وعالم الشر. وإذا كان عالم الخير هو عالم المغتربين في الزمن الذي يسيطر فيه الغربان والفئران، وإذا كان لهذا العالم كتابه المقدس، فإن لعالم الشر والمدينة المومس كتابهما المقدس أيضاً. والكتاب المقدس الذي تتكئ عليه المدينة المومس هو إعادة إنتاج للكتاب المقدس الأصل، فكما أعيد إنتاج الإله ليكون ''عجلا جسدا'' سيعاد إنتاج المعرفة التي تتفرع عن هذا الإله، وهنا يعاد إنتاج قصة الخلق كما في الفصل المعنون ''الهبوط''، وكما في قلب مفهوم المسخ، إذ الأصل أن الذي يمسخ الإنسان، أما أن تمسخ الشياطين أناسا، فإن ذلك يشكّل إنعاما في تشويه المدينة المومس من الزاوية التي يقف فيها البطل.
إن الصراع بين الخير والشر موضوع مستهلك إذا ما نظر إلى الرواية وفق هذا الجانب، لكن الجديد هو اسمترارية الحدث أبديا، والجديد أيضا، الأسئلة التي تطرحها الرواية في بعض جوانب هذا الصراع الذي تبلور على شكل طريقين؛ ذلك أن الرواية تلمّح للصوت الثاني، وزاوية النظر الأخرى، وذلك بانتقال البطل من خانة الغرباء إلى خانة المدجّنين دون قصد منه، وسواء أكان الأمر بقصد أم بغير قصد، فإن النقد يتعامل مع كل ما يرد في الرواية على أنه مقصود، وعلى ذلك نرى أن هذه الرواية تقدّم جديدا من حيث توسع دائرة معرفة الراوي العليم، إذ إن البطل في الرواية يتحوّل من خصم مغترب عن مجتمع المدينة المومس، إلى باحث عن معرفة، ويكون ذلك بأن يتبع الغراب ليعرف سر النسور التي تحكم المدينة، وتتحكم بمصائر سكانها، وحين ينكشف له السر، ويعرف أن النسور المزعومة ما هي إلا فئران تتنكر بزي النسور، حين ذلك يصبح الغراب فاقدا لقيمته عند الفئران، وتتحول هذه القيمة إلى البطل، إذ يُلقى في قلبه حب المدينة غير الفاضلة، وتدين له، وتقول له: ''هئت لك''، وهنا نجد الصوت الآخر، ويتغير كلّ شيء:
''لقد تغير كل شيء، فلا المذاق كريها، ولا الرائحة كريهة.. أين الخلل في الأمر؟ هل كان اعتقادي الأول خاطئا؟ أم إن حواسي قد تغيرت؟
كل شيء غدا أمامي جميلا بديعا...
وأحسست كأن طبقة الشعر التي كانت تغطيني قد ازدادت كثافة...
ودار في خلدي أيضا أنني روح خفاش...
تجمّع حولي حشد من الناس وقد تغيرت النظرات بيني وبينهم، ولم أعد أنظر إليهم نظرة إشفاق بل نظرة تعال... ولم يعودوا ينظرون إليّ احتقارا، بل تبعيّة''.
ثم يقول بعد ذلك مدونة في عشق الحبيبة الجديدة، وتتحول مدونة العشق الموجهة إلى الحبيبة القديمة، نون، اليوتوبيا الغائبة، تتحول إلى ترانيم أمام الحبيبة الجديدة/ المدينة التي كانت مكان طرد، ويتحول حب الغرباء والبحث عنهم، إلى كره.
وفي بحثه المحموم عن الغرباء لينتقم منهم، يسقط، وفي هذه السقطة ترتد ذاكرته، ووعيه القديم، ويعود إلى زاوية النظر الأولى، ولكنه هذه المرة أكثر إيمانا، وعاد يحمل ألواحا وجذوع أشجار ليبدأ بصناعة الفلك الذي سيحمل الغرباء، وهو يحذّر من الطوفان الآتي لا محالة.
''إني ذاهب لأصنع الفلك
الطوفان آت''.
وكان يمكن أن تنتهي الرواية نهاية مفتوحة، لكنّ وعي الكتابة لا يسمح بذلك، فالراوي العليم الذي يحرّك الخيوط بيديه، ويفتح الرؤوس ويرى ما فيها، هذا الراوي لا يغادر الرواية مفتوحة، فتنتهي الرواية بنهايات مقترحة استنادا إلى تقنية تعدّد الرواة؛ رواية تقول إنه بقي يصنع الفلك إلى أن مات، وأخرى تقول إنه نجح وأكمل عمله وجاء الطوفان وأغرق الظالمين.
*شاعر وناقد أردني