الثورة التكنولوجية

الثورة التكنولوجية

بعد حوار طويل دار بيني وبين احد ابنائي تناولنا خلاله الحديث حول ماضينا وحاضرهم فوجئت به يقول لي بأسلوب مفعم بالانتصار حقا اننا جيل محظوظ من الله عليه بالتمتع والتنعم بمعطيات هذا العصر الذي نتواجد فيه ونتعايش مع ثورة التكنولوجيا، وقمة الاختراعات ومجد الكمبيوتر والاقمار الصناعية، وسيادة الانترنت الذي اصبح العالم بواسطته قرية صغيرة وتابع كلامه قائلا، اننا ننعم بما توفره لنا الحياة الحديثة بمعطياتها المتعددة الاشكال والاهداف. سرحت بخيالي بعيدا واخذت احدث نفسي قائلة للأسف الشديد لم يدر بخلد جيل هذا العصر المعبأ بالمتناقضات، ان المدنية الحديثة والحضارة السائدة التي نعيشها اليوم سحقت معاني كثيرة جميلة واغتالت مشاعر انسانية رائعة واجتثت قيما وروابط كثيرة من اصولها في عالمنا، وكذلك سرقت منا كنوز القناعة، وتركت جرذان الانانية تجوب طرقات واقعنا واقتلعت عواصفها سنابل الطمأنينة من صدورنا وزرعت مكانها بذور القلق والجشع. من ابرز ما افرزته معطيات هذا العصر سيادة المادة التي اصبحت كل شيء في حياتنا بالرغم منا والبوصلة التي تحدد تحركاتنا، حلنا وترحالنا رحيلنا واستقرارنا. فالكل يجري ويلهث وراء المادة من يملكها ومن يفتقر اليها .. فسيادة العالم اصبح محورها الاساسي الاقتصاد والمادة تلك التي سلبت ارادتنا بحكم من مجريات العصر، وتنفيذا لذلك الحكم تغربنا وناضلنا وذقنا طعم القتر وبوجود المادة ووفرتها انحرفت فئة من الناس وتشردت اخرى وكثرت المشاكل ووقعت خلافات مضنية بين فئة واخرى. ومن قمة المآسي اغتيلت ارواح وازهقت من اجل المادة. وبكل اسف حكمتنا المادة وبحكمها استقر الكثيرون في زنازن السجون. لقد حرمتنا المادة من المصالحة مع انفسنا، وحرمنا انفسنا اجمل ما منحتنا اياه وهو الشعور بطعم الحياة الحقيقي الخالي من المنغصات وشعور الامن والامل بمستقبل مشرق زاهر، كما حرمتنا الاستقرار النفسي والابتعاد عن التفكير الجاد بما يحمله الغد لنا من مفاجآت مختلفة. اننا نعيش في عصر زاخر بمتناقضات كثيرة لا حصر لها، كالصراع بين الخطأ الذي وجد له ارضا خصبة نما وترعرع عليها، وبين الصواب الذي تاه بين منعطفات الحياة ولم يعد له مأوى متين على صفحاتها، وايضا الصراع الداخلي بين حقيقة ما يجب ان يوجد وبين ما هو موجود بالفعل فالجيل الحالي يعاني من التيارات التي تتقاذفه، والثقافات الغربية البعيدة عن واقعنا وتقاليدنا المكتسبة عن اسلافنا تلك التي تزحف اليه متسللة من خلال وسائل الاعلام المختلفة، وتعمل على اجتذابه نحوها وتراه يعاني من ذلك التناقص الواضح بين ما يسمعه وما يراه .. بين ما يكتسبه من البيت والمدرسة وبين ما يتعايشه واقعا خارج محيطهما، كما انه لم يعد يستطيع تحديد هويته وسط ذلك الكم الهائل من المعطيات. تلك الهوية التي رضعناها ورضعها اسلافنا منذ الولادة ولم يشعروا بفقدانها، لقد فقد جيل هذا العصر اكثر معاني الحياة واجلاها. فقد المعنى الحقيقي للترابط الاسري فقد تلك الحميمية والعمق في العلاقات العائلية، فقد بهجة الحياة ومعاني البراءة التي سلبتها منه لصوصية العصر وتركته يعيش متأرجحا بحبال التشتت والضياع. لقد وجد كل شيء وفقد الاهتمام بكل شيء والحماس لأي شيء غير انه يعاني من الاجهاد النفسي الذي اصبح سمة لمعظم ابناء هذا العصر، الذين لم يعرفوا معنى لتلك الامراض النفسية التي تفشت في معظم المجتمعات ويمثل القلق ابسطها، والذين فقدوا الشعور بالألم تجاه المعذبين في الارض من جراء ويلات الحروب التي افقدتهم كل شيء عدا المرارة والانكسار ولم يرف له جفن لدى رؤيتهم تلك المذابح والمجازر التي تقوم ببثها ونقلها الشاشات الفضائية فجيل العصر الحالي محروم من الكثير من الجماليات والمشاعر الانسانية ومن الروابط الاجتماعية ودفء العلاقات الاسرية كما ذكرت في البداية. فالمدينة الحديثة والحضارة السائدة حملت لنا الراحة المادية والجسدية ولكنها حرمتنا الراحة النفسية، وتركتنا نلهث ونحن لا نعلم ما نهاية الطريق، وندوس في لهاثنا على الكثير من القيم ولا نشعر بقيمة الكثير من الاشياء وقد نسينا انفسنا وتركنا رياح الايام تعبث بها كيفما تشاء لا نشعر بأحد ولا أحد يشعر بنا، ولم نعد نلتقي بذوي النسب والقربى الا في المناسبات الهامة «الافراح والاتراح» حفظنا الله وحمانا مما يخبئه لنا هذا العصر.