دبلوماسية المناورات «العسكرية»!!
12:00 29-12-2004
آخر تعديل :
الأربعاء
دبلوماسية المناورات «العسكرية»!!
في مفاجأة من الحجم الثقيل جاء اعلان وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف بان روسيا والصين ستقومان باول مناورات عسكرية مشتركة «في الصين» خلال النصف الثاني من العام الجديد 2005، ليلفت الانظار الى طبيعة التحالفات والاصطفافات التي طرأت على العلاقات الدولية وبما يمكن ان تحمله من اشارات لطبيعة الصراع الدولي المقبل والذي يدور الآن في ساحات خلفية وبوسائل متعددة تأتي في مقدمتها عقيدة بوش والمحافظين الجدد في الادارة الاميركية الذين اهتبلوا فرصة تفجيرات 11 ايلول 2001 ليضعوا عسكرة العلاقات الدولية ومبدأ الضربات الوقائية على اولويات جدول اعمالهم في الفترة الرئاسية الاولى لبوش والتي توشك على الانتهاء والمرشحة للاستمرار «وربما» بضراوة في الفترة الثانية التي ستبدأ رسميا في العشرين من الشهر المقبل.
ان تبدأ بكين وموسكو اول مناورات عسكرية بينهما في عهد ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي رغم انهما كانتا في عداء حد قيام حرب حدودية بينهما في تلك الحقبة، يعني ان ثمة قراءات استراتيجية توافقية ادت الى نضوج مثل هذا التطور الذي ستكون له انعكاساته الدبلوماسية والسياسية وربما العسكرية في منطقة المحيط الهادىء بكل ما يؤشر اليه ايضا من ان الصين «الشيوعية» التي دخلت حقبة جديدة ومختلفة منذ العام 79 وبعد وصول دينغ هيساو بينغ واستمرار تلامذته في الحكم من بعده، جيانغ زيمين وخليفته الحالي هيو جينتاو، قد اعادت النظر جذريا في كل طروحاتها السابقة ولم تعد ترى في روسيا خصماً او منافساً لاسباب جيوسياسية واخرى ذات طبيعة براغماتية ليس أقلها ان روسيا على رغم ما لحقها من ضعف وتراجع لنفوذها ودورها وتفكك الجمهوريات السوفياتية ما تزال المورد الأول للسلاح لبكين وما تزال تلعب دورا مؤثرا في النادي النووي الدولي وفي منظمة الامم المتحدة وايضا تبقى جار الصين الشمالي الذي يصعب انكار وجوده، وبخاصة ان ليس هناك اية خلافات ايديولوجية كتلك التي برزت بعد وفاة ستالين وازدادت حدة في اواسط الستينات اثر اتهام بكين لموسكو خروتشوف بالتحريضية والابتعاد على جوهر الماركسية اللينية التي بات ماوتسي تونغ هو الامين على تطبيقها «وفق الدعاية الصينية وقتذاك» ..
اللافت ايضا وربما في شكل غير مقصود هو تزامن الاعلان عن المناورات الروسية الصينية المشتركة مع صدور «الكتاب الابيض» الاول في عهد هيوجنتاو حول الدفاع القومي الصيني وتعهد بكين «بسحق» اي محاولة لاعلان استقلال تايوان «وبأي» ثمن وذلك «وفق ما جاء في الكتاب» بسبب التنامي الضار للقوى الانفصالية في تايوان.
ما يعني ان ثمة مخاوف صينية من انهيار حال توازن القوى الراهن في المنطقة مضافا اليها خشية بروز اليابان العدو «التقليدي» للصين كقوة عسكرية لم يتردد الكتاب الابيض الصيني في لفت الانظار الى انها «اليابان» .. زادت الى حد كبير نشاطاتها العسكرية في الخارج وهي تعد نظاما للصواريخ لنشره مستقبلا «...».
من السابق لاوانه الحديث عن تغييرات دراماتيكية في المشهد الدولي واعتبار المناورات التاريخية هذه بداية لظهور نظام دولي متعدد الاقطاب وان كانت رسالة موسكو وبكين لا تهمل ذلك من حساباتها ومن الحكمة استدعاء الاقتراح المثقل بالرسائل الذي كان اقترحه رئيس الوزراء الروسي الاسبق قبل سنوات قليلة بقيام محور ثلاثي يتكون من الصين والهند وروسيا وهو اقتراح لم يلق حماسة في بكين لطبيعة التوتر الدائم والتاريخي بين نيودلهي وبكين اضافة الى ان قادة الهند من حزب بهاراتيا جاناتا اليميني المتطرف كانوا في حال «غزل» مع واشنطن اسهم كثيرا في تقاربهما على نحو لا يهمل المحللون الاستراتيجيون احتمالات صعوده الى مرحلة تحالف بعد ان فقدت الباكستان موقعها المهم في الاستراتيجية الاميركية وان كانت في عهد برويز مشرف ما تزال لها مكانة ما لاسباب معروفة تتعلق بملف مكافحة الارهاب والحرب على تنظيم القاعدة الذي ما يزال على درجة من الحضور ليس أقله ان اسامة بن لادن وايمن الظواهري ما يزالان يمارسان نشاطاتهما في المنطقة بين باكستان وافغانستان المسماة وزيرستان ناهيك عن فلول حركة طالبان وزعيمها الطليق الملا محمد عمر..
الموقف الاميركي من المناورات الروسية الصينية لم يعرف بعد والكتاب الابيض الصيني لحظ «ان الوضع الدولي برمته يميل الى الاستقرار الا ان (والكلام ما يزال للكتاب الابيض) عوامل عدم الاستقرار وانعدام الامن الى ازدياد».. ما يؤكد أن خطوة موسكو وبكين لم تأت من فراغ وان ثمة توقعات باحتمال حدوث توترات عاصفة في العلاقات الدولية على رغم ان القيادتين الروسية والصينية لم تخفيا ابداً رغبتهما ببقاء جورج بوش في البيت الابيض بل وذهب بوتين الى توجيه انتقادات قاسية للمرشح الديمقراطي جون كيري.
ماذا تحمل دبلوماسية المناورات العسكرية من مفاجآت؟
.. لا بد من الانتظار!!
kharroub@jpf.com.jo