العولمة لماذا؟الى أين؟ وكيف؟

العولمة لماذا؟الى أين؟ وكيف؟

تاريخ النشر : الاثنين 12:00 17-3-2008

د. معن أبو نوار -  من لديه الوقت الحر، ويشده الشوق الى معرفة ما يعنيه مصطلح العولمه يستطيع أن يقضي ساعات، أسابيع، أو أشهرا عديدة وهو يبحث في حقائقها وتفصيلاتها. مثلا؛ في دوريات مكتبة البودليان في أوكسفورد، وجدت أطنانا من المقالات ووقائع المؤتمرات، خاصة في منشورات هيئة الأمم المتحدة، تبحث في العولمة. ومن يفضل الإنترنت يجد عشرات المواقع التي تشتمل على مئات المقالات والأبحاث في هذا الشأن المهم. وقد حضتني بعض مقالات الرأي الغراء على السعي لمعرفة المزيد عن ما كتب، وما زلت أغوص في بحر من المعلومات.. في عصر ثورة المعلومات، وعولمة المعرفة.
لا بد لي قبل البدء في هذه المداخلة أن أنوه أنني انطلق في تفكيري في العولمة من حقيقة أن الإنسان يلد في أسرة من أب وأم، وينمو من كونه جسما حيا لا يقوى إلا على البكاء إذا جاع أو توجع، إلى ما تربيه أسرته عليه طفلا، ثم إلى ما يكون فيه مجتمعه من خصال وقدرات. الإنسان يلد بلا لغة يفقهها وتنمو لغة أسرته فيه مع كل يوم من أيام حياته. وهكذا تسيطر اللغة والأسرة والبيئة الاجتماعية.. المدرسة والجامعة.. والدين والتقاليد والأعراف.. على تكوينه في سن الرشد. لقد خلق الإنسان منذ أقدم عصور التاريخ وحتى اليوم من إنتاج المجتمع الذي يلد وينمو ويعيش فيه عضوا من أعضائه. وحقا؛ لو لم يكن الإنسان كذلك، لكان وسيبقى جسما أبكم بلا عقل.
يقال أن الإنسان البدائي كان أكثر تمسكا بمجتمعه وقيمه وتقاليده وثقافته وحضارته من إنسان عصرنا الحالي الذي يميل إلى الاستقلالية الفردية. ويعزى السبب في ذلك إلى أن المجتمعات البدائية كانت تفتقر إلى ما توفره المجتمعات العصرية من التعددية في الحرف والمهارات ولاختصاصات ومستويات المعيشة وفرص تحقيق الأشواق والحاجات والسعي إلى السعادة والرفاهية والقناعة والأمن. إلا أن معظم ما قيل لم يغير الحقيقة؛ ففي أي مجتمع بدائي أو عصري تبقى الحاجة إلى الاعتماد المتبادل بين أعضاء المجتمع مهما كانت حرفهم أو اختصاصاتهم أو مهاراتهم هي التي تكوَن المجتمع الذي يلد الإنسان فيه ليكون من إنتاجه. ولذلك يتصف الإنسان بمجتمعه، مثلما يتصف المجتمع بمجموع كل إنسان فيه.
ولكي لا يطول بحثنا في الأوصاف، دعونا نبدأ بمجتمع الدولة الحديثة. وتختلف الدول اختلاف لغاتها وثقافاتها وحضاراتها وأديانها وتقاليدها وعاداتها وقيمها ومستويات عيشها ونظام الحكم فيها ودساتيرها وقوانينها وجميع مؤسساتها. كما تختلف اختلاف قوتها العسكرية والاقتصادية، وتقدمها العلمي والتقني، وتصرفاتها الدولية والعالمية. وطبيعي أن تختلف اختلاف مواقعها الجغرافية على الكرة الأرضية، بين شرقية وغربية، وشمالية وجنوبية؛ وفي تاريخ كل منها منفردة أو ضمن القارة التي تقع فيها. نعم، تختلف اختلاف بقية خصائصها الأخرى سياسية، اقتصادية، استراتيجية أو إنسانية.
بالرغم من ذلك كله، أدت تعددية الدول منذ قيامها، خاصة بين الدول المتجاورة إلى تبادل المعارف والمعلومات، والمهارات والخبرات، وأساليب الحياة في الطعام والشراب والسلوك والسكن والفنون وأسباب الرفاه. واقتبست من بعضها ما ينفعها من أنظمة وتدابير وتقاليد وعادات وتعابير ومصطلحات. كان في تعدد واختلاف الدول حتى أيامنا هذه فوائد لا تحصى، ومنافع كثيرة. ولكن، في كثير من الدول لم يكن تبادل المنافع ناجما عن حرية الاختيار فيما يتبادل من تجارة ومعارف ومهارات؛ بل كان التبادل مفروضا، خاصة في عهد الإمبراطوريات الاستعمارية التي غطت بسلطانها غالبية الكرة الأرضية، من الأقوياء على الضعفاء، من العارفين على الجاهلين، من الأغنياء على الفقراء، ومن المستغلين على من يستغلونهم.
وأدت عمليات الفرض والقهر والاستغلال أو الاستعمار القديم النزاع بين الأمم؛ ونشبت هنا وهناك منذ الحروب الصليبية وحتى هذ ه الأيام حروبا تكاد لا تحصى بمختلف أنواعها وأسلحتها، أهمها العالميتان الأولى والثانية؛ ومنها الكورية والفيتنامية والغزو الثلاثي على مصر وأفغانستان والعراق؛ ومنذ تسعين عاما الغزو الصهيوني على فلسطين. وكاد كل شيء في الدنيا أن يتغير.!.
الذي لم يتغير هو انتماء الإنسان إلى المجتمع الذي ولد الإنسان فيه.. إلى أمه وأبيه.. إلى إخوانه، جيرانه، زملائه، أقرانه، أحبائه، أرضه، بيته، مرابعه، ملاعبه، أطلال آبائه وأجداده.. أرضه مصدر رزقه وطعامه وشرابه وهوائه.. الى وطنه.. الى هويته الوطنية، دولته، وأمنه الوطني.
***** إذا كانت العولمة تعني نظاما عالميا جديدا فلا بد لها أن تقوم بمحض إختيار دول العالم بواسطة الديمقراطية الدولية؛ وفي هيئة الأمم المتحدة بالذات. وقد فشلت أول محاولة لقيام نظام عالمي، أو العولمة، بانهيار عصبة الأمم، وها هي هيئة الأمم المتحدة تتداعى على مشارف الفشل بعد أن أهملت أشواق وطموحات وحاجات الدول الأعضاء التي تكونها بسبب تسلط الخمسة الكبار على منظمتها من خلال النقض ومجلس الأمن، وديكتاتورية الدول الغنية الصناعية السبعة التي تفرض على بقية العالم ما تشاء اقتصاديا؛ وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على هيئة الأمم المتحدة والغنيات السبعة، حتى أصبحتا في هذه الأيام مكتبا جانبيا من مكاتب وزارة الخارجبة الأمريكية.
بعد انهيار حلف وارسو، وتعثر القوة الاقتصادية السوفياتية، بقيت قوة جماعية واحدة، حلف الأطلسي، مسيطرة في مجال القوة العسكرية، بالرغم من تهديد دمار العالم الكامن في قوة روسيا الذرية. إلا أن ما يجري في أفغانستان والعراق يقترح عدم الانسجام الكامل بين استراتيجيات دول حلف الأطلسي. إذن لم يبق من العولمة سوى ما هو ملك يمين دول حلف الأطلسي بقيادة أمريكا، إذا أرادتها تبقى تناطح كالثور الهائج؛ وإلا ستبقى مصطلحا عالميا لغويا فارغ المحتوى.
من هذا المنطلق، يمكن القول بكل موضوعية وواقعية؛ ليست العولمة في حياة الأمم الدولية أكثر من مصطلح رديف للنظام الدولي، لكنها في مفاهيم الأباطرة الاستعماريين وسيلة جديدة لبعث امبراطورياتهم من قبورها برداء جديد.. لاستعمار سلمي سياسي اقتصادي ثقافي حضاري معلوماتي إعلامي للسيطرة على العالم وتحقيق المصالح الاستعمارية مهما كانت. إنها ليست أقل مثقال ذرة من وصف رديف لواقع الامبراطوريات الاستعمارية. وهي مهما كان اسمها لطيفا ورقيقا لا تعني أقل من استعمار جديد لا يستخدم القوة العسكرية التي لا مثيل لها في تاريخ العالم فتكا وتدميرا؛ ولكنه يتسلل إلى قلب كل دولة سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، وحضاريا. إنها استعمار جديد يتحلى بشعارات براقه، ويزدهي بنعوت لامعة : مكافحة الدكتاتورية؛ نشر مباديء حقوق الإنسان؛ رفع مستوى الدول الفقيرة بواسطة الرأسمالية الدولية؛ المساواة بين الدول ؛ مثلا؛ بين أمريكا والصومال، وبين ألمانيا وجيبوتي؛ إشاعة الاستقرار الوطني والدولي؛ مثل قصف أطفال العراق في يد؛ وحرية اسرائيل في امتلاك 200 قنبلة ذرية في اليد الأخرى؛ المحافظة على البيئة العالمية؛ وصيانة الأمن والسلام الوطني والدولي، حتى مستوى صلاحيات المحاكم الوطنية لمحاكمة مواطنين من دول أخرى. وفي حواري مع محب للعولمه سألني أليس في ذلك الذي تسميه زالاستعمارس منافع؟؟. وسألته؛ إذن لماذا قتل الملايين في مقاومته؟.
العولمة السلمية تمس كل شأن وطني داخلي : من موسيقى السنباطي الى البوب وشيرلي باسي وبيتهوفن، ومن الدشداش والكبر والعباءة إلي زبنطلونس الجينز والقميص المزركش وربطات العنق المعفاة من الجمارك؛ ومن الفلافل والحمص والفول إلي ماكدونالد والكنغ بيرغر والبيتزا، ومن الكازوز الى البيبسي والكوكاكولا؛ ومن يوسف وهبه وأم كلثوم إلي جون وين وإيلزابيث تيلور، وغيرها مئات بل آلاف؛ تدخل كل بيت بالفيديو الأقمار الصناعية والأنترنيت وما تبث؛ تمس الأطفال والشباب والكبار في كل أمة قادرة على الحصول عليها. قد تكون كلها جميلة، لذيذة، شهية، مطربة، مسرة، ومفيدة، ولكنها تبقى؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فإذا كانت كذلك في الشؤون الشخصية غير المهمة، فكيف بالشؤون السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، خاصة الخصخصة، والثقافية والحضارية؟؟. ترى هل ستمس الشريعة الإسلامية أو المذهب الأرثوذكسي أو الدين الهندوسي.. وغير ذلك من أسباب انتماء الإنسان الى اسرته، مجتمعه المحلي والوطني، وأشواقه القومية، ووطنه، وعلمه، ودولته؟.
يقال أنه إذا ز عطستز أمريكا، تصاب أوروبا بزكام شديد، ويصاب العالم الثالث بنزلة صدرية حادة. ترى هل ستفرض أمريكا بعطسة من عطساتها أمركة العالم؟ نعم من أمريكا انطلق مصطلح العولمة، منذ أعلن الرئيس السابق جورج بوش قيام زالنظام العالمي الجديدس، فعمل فيه السياسيون والاقتصاديون والفلاسفة من مختلف المشارب والاختصاصات تشذيبا وتهذيبا وأحيانا تقليما حتى أصبح تلك الشجرة الوارفة المظلة الساترة للمنتفعين، وغير المثمرة للفقراء والمحتاجين.
نحن العرب أعطينا منافع كثيرة لكبار العولميين، ولا نقدر أن ننكر أننا انتفعنا أيضا من عولمتهم: ونحن ما زلنا كذلك، على مشارف الاستعمار الجديد، نعطيه بترولنا بسعر يفرضه علينا ليحمينا من بعضنا، ويعطينا السلاح بقدر يكفي للإقتتال بيننا. هل هذه هي خلاصة العولمة؟؟؟؟؟؟؟ الأردن دولة نامية، مثل كل الدول النامية، دولة مديونة مثل كل الدول المديونة، وفي أرض مجاورة لنا دولة إسرائيل التي فرضت علينا؛ يفوق اقتصادها اقتصادنا أربعين مرة، وتكاد تكون اغنى الدول في العالم. نحن نتلقى معونة أمريكية تفارب 200 مليون دولار سنويا.. ولكن إسرائيل تتلقى معونة أمريكية تقدر ب 2000 مليون دولار سنويا؛ فأين عولمة المساواة بين الشعوب؟، نحن بحاجة ماسة الى الخروج من أزمة ديوننا، وقد عبرنا عن صداقتنا ومودتنا الى العولميين؛ فهل سيمدوننا بعولمتهم ويشطبون ديوننا؟.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }