مواجهة معرفية متجددة

مواجهة معرفية متجددة

لا نعلم كم نفد من فوسفور الادمغة في متابعة قضايا علم الكلام ومسائل اللاهوت في العصور القديمة، وفي عصرنا هذا، ولكنني اعتقد ان قلة قليلة من المشتغلين في هذه القضايا امتلكت شرف المواجهة المباشرة لها، او تقدمت فيها باطاريح اصيلة لم تضاهىء فيها الاخرين، او تردد مقولاتهم. ثم ان كثيرا من الموضوعات التي اشتجرت فيها الاقلام والاحلام لا تعكس جوهر الفكر الانساني بقدر ما تمثل طبيعة الظروف السائدة في مرحلة من مراحل التاريخ، وما انعكس من هذه الظروف على الاذهان. ونحن حين نقرأ تراثنا الكلامي او تراث الاوروبيين اللاهوتي، فإنما نقرأه لنحتشد احتشاد السابقين لا لنكرر ما كانوا يقولون على نحو ما قالوه، ولنصطفي الجوهري الذي لا يفقد اهميته بتراخي العصور وتتابع الدهور. ولعل بعض المسائل الشائكة التي نذر لها الاقدمون الكتب المفردة ذات الاجزاء ان تكون اكثر بساطة مما تبدو عليه للوهلة الاولى، مثال ذلك مسألة الذات والصفات، فلو اننا تناولناها من باب ان الصفة قائمة بالموصوف لا معه، لما قام في الاخلاد ان ثبوت الصفات قاص بالتعدد او بالاشراك. او ان كلمات الله - وكل مبدعاته سبحانه كلمات له - هي شركاء له في الالوهية. على اننا لا نملك ان نحكم على الكلاميين الاسلاميين واللاهوتيين المسيحيين في ضوء معاييرنا المعاصرة. فكما توجهنا وقائع زماننا ومجريات الاحداث فيه الى ضرب دون اخر من ضروب النظر والتحليل، فقد كان لحدثان الايام وتقلبات الزمن الاثر الاكبر في توجههم الى مسائل بعينها مما لا نراه اليوم على قدر من الاهمية يسوّغ ذلك الاهتمام الكبير او يكون له شفيعاً. لقد اراد كلاميونا العظام ان يمتلكوا معطيات زمانهم والازمنة السابقة بوعي محيط يستشعر مسؤوليته الكونية ورسالته الانسانية. وكانوا يباشرون ذلك بروح غير منكسرة ولا مهزومة. وكانت لهم في تضاعيف هذه المواجهة المعرفية مواقف نقدية لما يقرأون من تراث الامم ولما يبصرون من احوالها. فاذا اردنا ان نكون امتداداً حياً لهم لزمنا ان نتجرد لهذه المهمة بالروح نفسها، وبما تقتضيه من اذكاء الهاجس المعرفي، لا بتكرار المقولات او باجترار الافكار، بشتى الحجج والمعاذير، آناء الليل واطراف النهار.. لقد قال القوم في الذي عاصروه ما قالوا، فأعذروا مصيبين او مخطئين، ونالوا اجر المجتهدين. فهل يكون لنا ان نتصدى لمثل ما تصدوا له، او ان نواجه زماننا بالقوة والاصالة واشتعال العقول التي واجهوا بها زمانهم؟