شفيق طه النوباني* - حقق ديوان أمل دنقل "أقوال جديدة عن حرب البسوس" شهرة كبيرة في الوطن العربي، ولعل لاعتماد دنقل على السيرة الشعبية وروحها دورا بارزا في انتشار هذا الديوان الذي تتلاحم قصائده لتشكل قصيدة واحدة، وفي ذلك ما يغري القارئ بدراسة علاقة هذه القصيدة الديوان بالسيرة الشعبية المشهورة (قصة الزير السالم أبو ليلى المهلهل).
في سيرة الزير سالم
يمثل الثأر المحرك الأساسي للأحداث في قصة الزير سالم ، إذ لم يتوقف الثأر على الحرب التي قامت بين بكر وتغلب من قيس، بل امتدت هذه الفكرة إلى جميع حيثيات الحكاية، فبعد أن قرر التبّع اليماني أن يهاجم قيس سيطر على بلاد الشام، وانتهى الأمر إلى شنق ربيعة أبى كليب ونجاة مرّة أخي ربيعة الذي تقدم من التبع حسان اليماني يرجوه النجاة إذ قال: "الأمان يا ملك الزمان نحن الآن عبيدك وطوع ايديك وجميع أمورنا راجعة إليك" (1)، وعندما سمع التبع حسان بجمال الجليلة بنت مرة أراد أن يتزوجها فبعث إلى أبيها بمراده في يوم زواجها من كليب، فدبر كليب خدعة وقتل التبع حسان في قصره. وصممت البسوس على الانتقام لأخيها التبع حسان، فأوقعت الفتنة بين بكر وتغلب من خلال ناقتها الجر باء، إذ أقبل جساس على قتل كليب مما أقام الحرب الشهيرة التي استمرت أربعين عاما، وانتهت بمقتل جساس على يد الجرو بن كليب.
ولم تقف فكرة الثأر على الأحداث التي تشكل الحبكة الأساسية في السيرة ، بل تعدتها إلى القصص الفرعية، فعندما أكل الأسد حمار الزير سالم بنى الأخير قصراً من جماجم الأسود انتقاما لحماره، وعندما كبر الزير في السن أراد أن يخرج في البلاد للتنزه، فبعث معه الجرو عبدين، وكانا ينويان قتل الزير ، فعرف الأخير نيتهما، فبعث معهما وصيته:
من مبلغ الأقوام أن مهلهلا
لله دركما ودر أبيكما
ففهمت اليمامة قصد عمها، وقالت إن عمي لا يقول أبياتاً ناقصة بل أراد أن يقول:
من مبلغ الأقوام أن مهلهلا
أضحى قتيلا في الفلاة مجندلا
لله دركما ودر أبيكما
لا يبرح العبدان حتى يقتلا
" ثم انهما قبضا على العبدين والقوهما تحت العذاب والضرب الشديد فأقرّا انهما قتلاه ودفناه فقتلهما الجرو في الحال وهكذا انتهت حيــــــاة الزير وقد أخذ ثأره في حياته وبــــــــعد مماته" (2).
بين نص دنقل والسيرة الشعبية
أخذ أمل دنقل هذه الفكرة -فكرة الثأر- ووجهها ضمن رؤيته في العصر الحديث للواقع العربي، يقول: "وقد حاولت أن أجعل من كليب رمزاً للمجد العربي القتيل أو للأرض العربية السليبة التي تريد أن تعود للحيـــــــــــــاة مــــرة أخرى" (3). لكن صياغة دنقل لم تتوقف على الفكرة العامة للسيرة، بل تجاوزتها إلى إيجاد تعالقات نصية أنتجت دلالات عميقة.
ولعل طبيعة المتعالي النصي الذي اتخذه الشاعر لقصيدته يتيح له أن يخرجه إلى العصر الحديث بهذه الصورة، فالسيرة الشعبية معرضة لتحول مضامينها ولغتها بحسب التحولات التاريخية والاجتماعية التي تطرأ على المجتمع الذي ينتجها (4).
شرع دنقل في هذه القصيدة بصياغة أخرى للسيرة تقوم عليها وتوظف شخصياتها للمحنة العربية الحديثة، إذ تحل قيمة استحياء الأرض مكان قيمة الثأر للفرد.
البناء وفق المتعالي النصي
يقوم ديوان "أقوال جديدة عن حرب البسوس" على ثلاث قصائد تلتحم معا لتكون قصيدة واحدة لا يفصل بينها غير العنوان والصفحة الجديدة، فهي تستقي من المتعالي النصي نفسه، وتمثل كل واحدة منها استمرارا للقصيدة السابقة وتكميلا لها.
جاءت القصيدة الأولى "لا تصالح" في عشر وحدات شعرية مستوحيا الشاعر عدد هذه الوحدات من وصية كليب لأخيه الزير:
واسمع ما أقلك يا مهلهل
وصايا عشر افهم المقصود
فأول شرط اخوي لا تصالح
ولو أعطوك زينات النهود
وثاني شرط اخوي لا تصالح
ولو أعطوك ما لامع عقود
.........
وعاشر شرط اخوي لا تصالح
وإلا قد شكوتك للمجيد
ولم يكتف كليب بهذه الوصية، بل طلب من العبدين اللذين بعثتهما البسوس أن يكتب وصية أخرى:
يقول كليب من سادة ربيعه
ودمعي فوق خدي كالقناة
.....
هديت لك يا مهلهل
عشر أبيات تفهمها الزكاة
أول بيت أقول استغفر الله
إله العرش لا يعبد سواه
......
وعاشر بيت إن خالفت أمري
أنا وإياك إلى قاضي القضاة.
ومن الواضح أن هذه الأبيات ترتكز على الرقم عشرة، إذ لم يخرج دنقل عن هذا الرقم الذي يحمل دلالة التكثير في القصيدة الأولى "لا تصالح" .
لم يتوقف دنقل في قصيدته عند لغة السيرة الشعبية البسيطة، بل تجاوزها إلى لغة تصويرية إقناعية تستوحي الكثير من دلالاتها من سيرة الزير ومن وصية كليب التي كتبهما على البلاطة بالتحديد:
لا تصالح
....ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى
فالشاعر يستمد مقاومة الإغراء المادي للصلح من وصية كليب ومن المغريات التي أغريت بها السلطة السياسية وقت الصلح، فجاء نقل هذه الدلالة سائغا بالنسبة للنصين، نص السيرة الشعبية ونص القصيدة التي تصوغ رؤية جديدة لهذه السيرة تتلاءم مع المعطيات السياسية المعاصرة، كما تتلاءم مع الوعي السياسي الذي أراده دنقل للفئات الشعبية التي تتناقل قصيدته.
ولعل محافظة دنقل على صيغة الشرط "لا تصالح... ولو..." تعود إلى نزوع النص الحديث إلى موقف كليب حين كتب وصيته، فهو موقف من أردته رماح الغدر فتعمقت لديه مشاعر الرغبة بالانتقام.
وتأتى "أقوال اليمامة" تحت الرقم (1) مما يغري القارئ بالبحث عن الرقم (2) فلا يجده، ذلك إنها أقوال تصب في مقولة واحدة، فاليمامة ترفض الصلح إلى أن يعود أبوها إلى الحياة:
أبي...لا مزيد!
أريد أبي، عند بوابة القصر،
فوق حصان الحقيقة
منتصباً من جديد
وتأتي المقولة الثانية بعد الجملة: "أقول لكم" لتؤكد المقولة الأولى وتنقلها من صورة كليب الأسطورة إلى صورة الأرض التي تنزع إلى عذريتها
أقول لكم أيها الناس كونوا أناسا!
هي النار وهي اللسان الذي يتكلم بالحق
......
لا تدخلوا معمداً نية الماء
بل معمدا نية النار
كونوا لها الحطب المشتهى والقلوب: الحجارة
كونوا إلى أن تعود السماوات زرقاء، والصحراء بتولا
تسير عليها النجوم محملة بسلال الورود
ولم تخرج المقولة الثالثة عن تسويغ الحرب.
أقول لكم: لا نهاية للحرب هل في المدينة يضرب بالبوق، ثم يظل الجنود على سرر النوم؟
وتظهر ملامح دعوى السلام القائمة لتتجلى الصورة المعاصرة بوضوح:
من يطالبني أن أقدم رأس أبي ثمنا... لتمر القوافل آمنة
وتبيع بسوق دمشق: حريرا من الهند.
أسلحة من بخارى،
وتبتاع من بيت جالا العبيد
وإذا ما عدنا إلى المتعالي النصي "قصة الزير سالم" لوجدنا أن أحداثا كثيرة تتوالى قبل مجيء الجليلة إلى ابنتها اليمامة تطلب الصلح، فقد هزم قوم الزير، اثر إثخان الزير بالجراح وتوهموا موته، لكن أخته ضباع أسهمت في إنقاذه، فوضعته في صندوق ليجد نفسه في لبنان ويحارب الصليبيين بانضمامه إلى اليهود، ثم عاد إلى قومه ليرد إليهم القوة بعد أن استولى جساس على السلطة.
لقد تجاوز دنقل كل ذلك من أي توظيف في قصيدته، لينتقل إلى قول اليمامة حين طلب قوم جساس الصلح، فأجابت إجابة قاطعة:
أنا لا أصالح حتى يعيش أبونا
ونراه راكب يريد لقاكم
" فلما فرغت اليمامة من شعرها ونظامها وفهمت الجليلة فحوى كلامها رجعت مع أخيها وباقي النساء إلى الحي بدون إفادة" (5).
ولنلحظ في هذا السياق تحويل دنقل قول اليمامة إلى أقوال تدل على مقولة واحدة في دلالة على اختلاف السياق وحاجته إلى تكرار القول وتأكيده وبرهنته بأكثر من طريقة.
وإذا ما انتقلنا إلى قصيدة مراثي اليمامة وجدنا أن العنوان غير مسبوق بتقديم، فليس هناك ما يمكنه أن يستعين به في السيرة لتقديم المراثي، فاليمامة لم ترْثِ أباها بصورة صريحة في السيرة.
لقد تعمد دنقل هذا الخروج على المتعالي النصي لتلائم قصيدته المعطيات التاريخية المعاصرة، ومن الملاحظ في هذه القصيدة تخلص الأبيات الأولى من صيغة المتكلم المفرد ليطغى ضمير المتكلمين.
صار ميراثنا في يد الغرباء
وصارت سيوف العدو: سقوف منازلنا
نحن عباد شمس يشير بأوراقه نحو أروقة الظل.
وبالرغم من ها التصوير الذي يبتعد عن نص السيرة تبقى الأخيرة تلقي بظلالها عليه، بل وتصوغ بناءها، فقد جاءت القصيدة في ثلاثة أجزاء وفقا للتفاحات الثلاثة التي رمتها اليمامة إلى أخيها الجرو، إذ يستغل دنقل هذه الحادثة الأسطورية لبناء قصيدته:
يجيء أخي
(كان يعرفه القلب)
اقذف تفاحة
يتصدى لها وهو يطحنها بالركاب.
(هي الخطأ البشري الذي حرم النفس فردوسها
الأول المستطاب)
أثني فاقذف تفاحة.
تستقر على رأس حربته!
(أيها الوطن المستدير...الذي تثقب الحرب عذرته
بالحراب)
...وتفاحة تتلقفها يده!
(هي جوهرة الملك،
جوهرة العدل
جوهرة الحب..
فالحب آب!)
..........
قلوب ثلاثية شارة الزمن القادم المستجاب.
قفوا يا شباب!
لقد أوّل دنقل رميات اليمامة الثلاثة لتتناسب مع رؤيته للحاضر والمستقبل، فالرمية الأولى تمثل الخطأ البشري الذي حرم النفس من فردوسها المستطاب. وهذا ما انعكس في المقطوعة الأولى التي تركت دون ترقيم وكأنها تشير إلى الأزل لتلوحَ صورة الجنة المفقودة بمكوناتها الطبيعية البكر:
أسائل:
من للصغار الذين يطيرون -كالنحل- فوق التلال؟
ومن للعذارى اللواتي جعلن القلوب
قوارير تحفظ رائحة البرتقال
ومن سيروض مهر الخيال؟
ومن سيضمد -في آخر الصيد- جرح الغزال؟
لقد فُقِدت هذه الجنة بكل مكوناتها، كما فُقِد ميراث اليمامة وقومها ليؤول إلى يد الغرباء.
ويؤوّل دنقل رمية اليمامة الثانية التي أصابت رمح أخي اليمامة إلى ما حلّ بالوطن. والناظر في المقطوعة الثانية من "مراثي اليمامة" يجد أن الخصومة التي أقامها الشاعر بين اليمامة والسماء خصومة مؤقتة؛ فالله تعالى -لا ريب- يمثل الحق والعدالة، وهو الذي سيعيد الأمور إلى نصابها؛ فكأن هذه الخصومة تمثل الثقب الذي يحرم الوطن من عذريته:
هذا الكمال الذي خلق الله هيئته،
فكسا العظم باللحم،
ها هو: جسماً -يعود له- دون رأس،
فهل تتقبل بوابة الغيب ما شابه العيب،
أم إن وجه العدالة:
أن يرجع الشلو للأصل،
أن يرجع البعد للقبل،
أن ينهض الجسد المتزق مكتمل الظل
حتى يعود إلى الله... متحداً بهاه؟
ويتلقف الجرو التفاحة الثالثة لتكون جوهرة الملك والعدل والحب، فيظهر أخو اليمامة ليحقق الأمل:
قفوا يا شباب!
كليب يعود..
كعنقاء أحرقت ريشها
لتظل الحقيقة أبهى..
(1) قصة الزير سالم أبو ليلى المهلهل، المكتبة الثقافية، بيروت، ص 15.
(2) قصة الزير ، ص 168 - 169.
(3) مجلة آفاق عربية، 1981، نقلا عن: دنقل، أمل: الأعمال الشعرية، دار العودة، بيروت، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص 427.
(4) انظر: عبد الرحمن أيوب: الآداب الشعبية والتحولات التاريخية، مجلة عالم الفكر، م 17،ع 1 ، 1985، ص 19.
(5) قصة الزير، ص 125.
* كاتب اردني