محمود طافش الشقيرات - تتمحور العلاقات الاجتماعية بين الطفل ووالديه وأخوته على أسس من الروابط الانفعالية التي تفيض بالمشاعر الجياشة، لذلك فإن الطفل يظل بحاجة ماسة إلى الحب والرعاية والحنان والاستقرار، وخير من يقدم له هذه المشاعر اللازمة لنموه الانفعالي هما الوالدان المتفاهمان. وتنهض الأم بالدور الأكبر، فإن استطاعت أن تتعرف على حاجات طفلها في الوقت المناسب، وأن تشبعها بصورة متوازنة، فإن من شأن ذلك أن يولد لديه الثقة التي تكفل له نموا انفعاليا متوازناً، لعل من أبرز مظاهره كثرة الابتسامات وشدة التعلق الآمن بالأم، وبمن يحتضنه ويداعبه ويبتسم له. ويتوقف هذا النمو العاطفي على مدى الدفء، والقدرة على إشباع الحاجات.
وتعتبر الفترة المحددة ما بين الشهر السادس ونهاية السنة الثانية من عمر الطفل فترة حرجة إذ تنمو فيها الثقة والتعلق الآمن، ويترتب على انفصال الطفل عن أمه إثارة مشاعر الخوف والقلق عنده، ويكون لذلك آثار ضارة على نموه الانفعالي، إذ قد يفشل في بناء علاقات إيجابية مع الآخرين، وتظهر عليه مظاهر عدم الاستقرار والخجل والاكتئاب، واضطرابات النوم والتأتأة وقد يُشاهد الطفل القلق يقضم أظافره أو يمص إصبعه، وربما يتبول على نفسه ليلا.
وتتبوأ الأم المكانة الأسمى في تربية وجدان الطفل؛ فهي المؤثر الرئيس في تكوين شخصيته، منذ أن يكون في بطنها وحتى يوارى الثرى، وذلك للأسـباب الآتية :
1- أن الأم هي المدرسة الأولى له فهو يختار أصدقاءه، وينظر إلى معلماته من خلالها، ويقيّم المواقف الحياتية التي يراها ويتعامل مع المجتمع وفق ما تربى عليه في أسرته ؛ فالأم في مرحلة الطفولة المبكرة تكون على اتصال دائم بالطفل، وتتفاعل معه، وتؤثر به أكثر من الأب، ومنها يكتسب العديد من القيم وأنماط السلوك التي تتأصل في نفسه، وتتحكم في العديد من ممارساته ومعاملته مع الآخرين من حوله.
كذلك فإنَّ الأم هي المصدر الأقوى الذي تنبع منه سعادة الأسرة ؛ فإليها يسكن الأب قرير العين، ومن معين حنانها الذي لا ينضب ينهل أطفالها السكون والطمأنينة ويتربون على الاستقلالية وهم سعداء أشداء، مما يؤثر إيجابا على نموهم العاطفي.
2- ان الطفل وهو جنين يتأثر بالحالة الصحية لأمه، فهو يتأثر بتدخين الأم أو بتعاطيها المخدرات أو الأدوية سلباً، كما انه يتأثر بالحالة الانفعالية للأم أثناء فترة الحمل، فإن غضبها يؤثر في زيادة الهرمونات التي تفرزها، فتؤثر على حالتيه الصحية والانفعالية، يضاف إلى ذلك أنَّ تغذية الأم تؤثر في تكوين بنية الجنين، ولها دور كبير في الحالة الصحية التي سيولد بها.
3 - أن الأم تؤثر بقوة في تنشئة الطفل الوجدانية، فيستقي الرضيع الحنان مع حليب أمه، فالرضاعة الطبيعية ؛ تؤثر إيجاباً على صحة الطفل ونفسه، لذلك فإن الأطباء يؤكدون باستمرار على أهمية الرضاعة الطبيعية لما لها من أثر ملموس في تربية وجدانه. والأمومة هي الهدف الأول الذي تنهض به المرأة، لذلك فإن الأم السوية تصاب بالعديد من الأمراض النفسية والجسدية إذا حيل بينها وبين احتضان أبنائها.
4- والأم مصدر الحماية والأمن ؛ فالطفل يحتاج بطبيعة تركيبه وحجمه وضعفه إلى حب وحماية وأحاسيس رقيقة تحنو عليه، وتضمه إلى صدرها، وتبعث الطمأنينة والهدوء في قلبه الصغير، وهي بالتالي أكثر معرفة بأحوال أبنائها وبناتها من الأب الذي يظل خارج البيت فترة طويلة حسب طبيعة عمله، ويظل التوافق بين الأبوين هو العامل الأقوى الذي يتحكم في توجه الأبناء السلوكي في حين تشكل الخصومات خطراً مدمراً.
ويتكامل دور الأم والأب لتربية الطفل، لكن دور الأم يظل هو الأقوى والأعمق أثراً، حيث يستمد الطفل خلال السنوات الأولى من عمره ممارساته وعاداته من تصرفات وعادات أمه، وإنَّ هذه الممارسات والعادات ستؤثر بلا شك على شخصيته عندما يكبر، وستظل عالقة به مهما امتد به العمر.
5- والأم أكثر قرباً من الأب ؛ وذلك لأنها بحكم واجباتها تطلِّع على التفاصيل الخاصة لأطفالها ؛ فهي التي تتعامل مع ملابس أبنائها، وتعمل على ترتيب أثاث البيت الخاص بهم.
ولكي يضمن الوالدان لطفلهما نموا انفعالياً سوياً، فإنه ينبغي عليهما العمل على إشباع حاجاته واحتضانه بحنان ليشعر بالثقة والأمان، وأن يجتنبا الابتعاد عنه لفترة طويلة ؛ لأن من شأن ذلك أن يجعله ينشأ قلقا، وقد يعاني من حالة برود عاطفي كتلك التي تلاحظ لدى الأطفال الذين يتربون في دور رعاية الأيتام.
وبناءً على ما سبق فإنَّ الأم مدرسة في واحد، وهذه الكلمة قاموس ضخم من المعاني السامية الجميلة؛ فإن كانت الأم ذات علم وخلق ونفس سوية وشخصية متزنة، وتربت في أحضان الفضيلة، وفي كنف أم عظيمة فإنها سينطبق عليها قول القائل : '' إنَّ الأم التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بشمالها ''. ولعل المكانة العظيمة التي تبوأتها الأم لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت من دورها العظيم في إعلاء شأن البيت ورفعته وتماسكه وتميّزه.
* مشرف تربوي بمدارس الحكمة بعمان