كان صديقا للعذاب وشقيقا لليأس .. حسني زيد الكيلاني المولود في السلط عام 1905 والراحل عام 1979، ذلك الفنان المبدع والفيلسوف الذي لو أدركنا سمو مكانته فينا، وقدرناه حق قدره لبكته القلوب والحناجر، مثله من لا يمر بحياة الأمم والشعوب الا تذكره!!. انه ذلك المفكر والعبقري الذي ضيّعناه على ارصفة الاهمال والنسيان!! كان ذلك الفقير المتوجع المتألم، والمندفع نحو الشراب ولعل ذلك كان هروبا من واقعه المر المؤثر.. ثيابه رثة.. لا يستر جسمه غير اسمال بالية!! هذا ما جاء في وصف شاعرنا حسني زيد الكيلاني في المراجع الأدبية الاردنية قديما في العام 1982 والعام 1983 عبر كتاب أعلام الفكر والأدب في الاردن لـ ''محمد أبو صوفة'' وفي دراسة لـ ''عبدالفتاح حياصات'' في مجلة الشباب.
وعن هذا الشاعر البوهيمي فقد أورد عنه الباحث والناقد كايد هاشم في كتابه قاموس المؤلفين في شرقي الاردن: ''ان حسني زيد الكيلاني كان قد تعلم في مدارس السلط واشتغل في شبابه بالتعليم، ثم انصرف الى الشعر، الا انه (انقطع) عنه في مرحلة مبكرة من حياته!! على الرغم من شاعريته المتدفقة!!''.
هذا وكان للشاعر الكيلاني والذي لم يتزوج أبدا ديوان شعر واحد يتيم طبع عام 1946 في عمان!! ولذلك فضل للناشر (أمين أبو الشعر) الصحفي والسياسي والاعلامي الشهير قديما وصاحب مجلة (الرائد) الاسبوعية و(الرأي العام) اليومية الاردنية.. اذ انه عز عليه ان يرى أشعار حسني زيد الكيلاني مبعثرة هنا وهناك في الصحف وفي أوراق حسني الخاصة.. فقدم لصديقه وللأدب الاردني خدمة كبيرة وذلك بالقيام بجمع أشعاره في ديوان صغير أصدره عام 1946!! ولولا ذلك لضاعت ربما أشعار هذا الشاعر الاردني المهم.. لأن صاحب هذه الأشعار كان دائما فارغ الجيب ومليء البطن بالشراب!! ولأن هذا ما كان يعيش عليه يومه كما عاش من قبل صديقه الحميم المرحوم مصطفى وهبي التل.
وفي دراسة قديمة لأديبنا الاردني عيسى الناعوري رحمه الله ظهرت في مجلة رسالة الاردن في الستينات نقرأ بعضا منها اذ يقول: ''ان صمت (أديب عباسي) الطويل ينطبق كذلك على صاحب الديوان اليتيم (أطياف وأغاريد) حسني زيد الكيلاني.. فقد صمت الكيلاني عن الشعر منذ بدء النكبة (نكبة فلسطين) او قبل ذلك بزمن ما.. فلم نعد نقرأ له شيئا جديدا، وكان من قبل لا يعرف الصمت أمام الحسن والجمال وفي مشاهد الطبيعة وازاء الكأس ورقة الحب. لقد كان حسني شاعرا موهوبا، وكان اكثر ما ينطقه الجمال!! فشعره (غزلي) في أغلبه، وان يكن في ديوانه الوحيد قد قسم قصائده الوانا وفصولا: قصائد المناسبات، والقصائد الاجتماعية، والقصائد الوطنية، والقصائد الوصفية والغزلية، وقصائد البؤس والمراثي.
وكان قد نعى نفسه وشعره الى الناس في قصيدة بعنوان (رثاء نفسي) ومما جاء فيها:
انا ابن يأس قاتل
ولربما أقضي بيأسي
ذهب الشباب فلا رجاء
ولا عزاء ولا تأسي
ماذا اؤمل في الدنى
والشيب مشتعل برأسي
ماتت لياليَّ الحسان
وغال صرف الدهر أُنسي
عفّى الزمان على الهوى
وعلى المدامة والتحسي
وعلى ليال اطلعت
من دنها المخبوء شمسي
ويعقد الأديب والناقد عيسى الناعوري مقارنة ما بين شاعرنا الاردني حسني زيد الكيلاني والشاعر العراقي (احمد الصافي النجفي) ويقول: ''ان بينهما شبه كبير، فهما بوهيميان وبائسان، وقد صورا بؤسهما جليا في شعرهما. واذا كان حسني قد (رثى) نفسه حيا. وقد (هجا) الصافي نفسه وشكله فقال:
وجهي دميم وقلبي - عدو كل دميم
لو كان وجهي بكفي - ألقيته في الجحيم
أبيع جسمي بديم - لو صح بيع الجسيم
وفي كتابها عن (حسني زيد الكيلاني - حياته وشعره) تقول الباحثة (عيدة الهربيد): ''لقد امعن شاعرنا حسني في وصف البيئة التي عاش في أحضانها ولازمها في طفولته وشبابه، انها مدينة السلط وواديها الذي اشتهر باخضراره على مدار العام، وتفتح أزهاره، وجذب زواره اليه، فوصف هذا الوادي وصفا دقيقا من حيث الأشجار بغصونها، الأزهار بألوانها كالنرجس، ووصف تجرد الوادي من الليل ودخوله في الصباح، وتتبع الشمس الى مشارف الأفول ساعة الأصيل، واكتمال مشاهد الطبيعة في (وادي السلط) بكثرة الجداول فيه التي تمتاز بالمياه العذبة السلسة وهي تزين الوادي نهارا بانعكاس الشمس فيه، دليلا بانعكاس النجوم فيه.. وقد قال في ذلك:
كم طوى دهرك عنا أمما
رشفوها مثلنا بالأكؤس
فانشد البان وناج العلما
عن هوى في صدرنا محتبس
هذا وقد اعتادت الفتيات على التجوال والتنزه في وادي السلط، فأصبح الوادي كعبة حسن له هيبة مقدسة:
درك الله اذا جزت الربوع
ورأيت عينك أسراب المها
فارسل القلب نديا بالدموع
أنت في كعبة حسن وبها
اما المنطقة الثانية فهي (غور الاردن) وجاء وصفها من خلال مدح الملك عبدالله الأول، فوصف نباتها المتجدد، والندى المتناثر على الأعشاب كالاكليل والمياه المنسابة كالذهب، ثم أشار الى ما فيه من حياة للانسان والطيور، وعرّج على الزهور وعبيرها، ثم ذكر الليل بهدوئه وصمته.
ثم انه يصف الاردن عامة بانه فردوس بما فيه من طبيعة غناء، فهو جنة شكلتها امجاد الجدود:
انما الاردن فردوس الخلود
صفحة غراء من مجد الجدود
وكان الكيلاني قد عمل ايضا في الجيش ككاتب مدني لمدة (8) سنوات حيث أحيل الى التقاعد في سن الخمسين، فقد عومل خلال هذه الفترة برفق ولين ولم تطبق عليه قوانين الجيش الصارمة، فقد كان ينتظم بومين او ثلاثة ثم يتغيب بقية الاسبوع.. وقد كان راتبه الشهري الذي يتقاضاه بعد تقاعده يكاد لا يذكر!! وفي الحقيقة فقد كان يتلقى المساعدة من الملك عبدالله الأول ثم من الملك الحسين رحمهم الله جميعا.
وكان يقيم مع أمه في سفح (جبل القلعة) في عمان في حالة يرثى لها من البؤس والعدم، ولم يعد يستطع العمل وقد غزته الشيخوخة ونفثت الأمراض سمومها في جسده المتهالك.. وكان يقول:
يئست من الدنا او من بينها
كأني في الحقيقة لست فيها
أخيرا توفي حسني زيد الكيلاني في مدينة الزرقاء ودفن فيها في العام 1979 ونعاه الشعراء والأدباء.
ذكريات الوطن والناس.. حسني زيد الكيلاني
12:00 8-3-2008
آخر تعديل :
السبت