السيرة الذاتية في التراث العربي

السيرة الذاتية في التراث العربي

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 7-3-2008
No Image
السيرة الذاتية في التراث العربي

حميد سعيد - ارتبط تعبير السيرة الذاتية في تاريخ الكتابة العربية، بسيرة الرسول العربي، وحين تقول كتابة السيرة فإن هذا التعبير لا ينصرف إلا إلى سيرة ابن اسحاق، أو إلى سيرة ابن هشام، التي هي صدى للأولى ونقلٌ عنها، لكن الثانية صارت أكثر شهرة وتداولاً، حتى ليمكننا القول إنها أزاحت الأولى عن طريقها.
ومن ثمَّ ظهرت سيرٌ أخرى، كتبها مؤرخون، فعُرفوا بها وعُرفت بهم، منها سيرة معاوية وبني سفيان لعوانة الكلبي، وسيرة أحمد بن طولون لابن الداية، وسيرة صلاح الدين لابن شداد، غير أن هذه السير وسواها، وقد كتبها مؤرخون، لا تدخل في محيط السيرة الذاتية، لأن السيرة الذاتية هي التي يروي فيها شخصٌ حقيقي صفحاتٍ من حياته.
في أوائل تسعينيات القرن الماضي حاولت قراءة الفتوحات المكية لابن عربي، لكنني حين انتهيت من المجلد الأول ووصلت الى ما يقرب الثلث من المجلد الثاني، لم أجد في نفسي الرغبة لإتمام قراءة الفتوحات المكية أو الجلد على ذلك، وعزفت عن مواصلة قراءته، لكنني لم اكتشف في ما قرأت منه، أن الشيخَ يوزع احداث حياته على صفحات سفره المعروف، لكن حين قرأت كتاب د.حامد أبو زيد هكذا تكلم ابن عربي وجدت سيرة الشيخ كما ينبغي للسيرة الذاتية ان تكون، حيث يتحدث عن طفولته وعن والده، في إطار الحديث عن نشأته، مكاناً وزماناً وأحداثا وأناساً،كما يتحدث عن تجربة ستقوده الى مستقبله الصوفي، وما فاته الحديث عن شيوخه، وما كان له من نِدِّيةٍ في علاقاته بأولئك الشيوخ.
ويواصل الحديث عن مراحل سيرته الذاتية وما ميزّها من احداث، كالسفر في انحاء بلاد المغرب ونواحي الاندلس، وما قرأ من جديد، وما كتبَ من صفحات، كما تحدث عَمَّن التقى بهم في أسفاره من شيوخ أو مريدين، وتحدث عن لقاءاته بابن رشد، ولم يتوقف عن ذكر ابن رشد حتى شاهدَ جنازته، في مشهد حزين، كذلك عن لقاءٍ ب الخضر ، بل لقاءات، وما عرف من رؤى خُصَّ بها، وعدّها بشرى من الله، بما سيحقق من مكانة وتميز، ثم عن رحلته الى مكة، واكتمال تجربته الروحية فيها، وهناك كتب ديوان ترجمان الأشواق وواصل رحلته الى بغداد وحلب والقدس والقاهرة ومالطة وقونية، وفي قونية كتبَ رسالة الأنوار ، وأخيراً أقامته في دمشق، حيث توفي ودفن فيها.
وليس الشيخ ابن عربي في تراثنا العربي، وحده الذي كتب سيرته الذاتية، خلال صفحات كتاب له، لم يكن الهدف من كتابته أن يكون سيرة ذاتية، فالإدريسي، في مؤلفاته الجغرافية، وضعنا أمام صفحات من أحداث حياته، وهذا ما كان من كتب الرحالة القدامى، مثل ابن فضلان وابن جبير وابن بطوطة وغيرهم، ولعل هذا التداخل بين الرحلات والسيرة الذاتية، هو الذي جعل نوري الجراح ينشر كتاب ابن خلدون التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً بعنوان رحلة ابن خلدون وعده واحداً من أصحاب كتب الرحلات، حيث قال عنه: شأنه في ذلك شأن كل الرحالة القدامى ، وهناك من يعد التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً و شرقاً سيرة ذاتية، ومنهم المغربي محمود عبد الغني، الذي أنجز دراسة أكاديمية مهمة جداً عن هذا الكتاب، صدرت عن دار أزمنة في عمّان.
يقول عبد الغني: ترك ابن خلدون سيرة ذاتية، تعد هي الأطول في السيَّر الذاتية القديمة ، وسأعتمد في ما سأشير إليه مما له علاقة بسيرة المؤرخ الجليل، على هذه الدراسة، وإذا كان غير باحث لم يعط التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً صفة السيرة، فلهذا الموقف أسباب من أهمها افتقارها الى معلومات تتعلق بطفولة الكاتب وحياته العائلية وتأملاته الشخصية تجاه الأحداث ، وهي كما ينقل عبد الغني عن عبد السلام الشدادي قوله: لأن القصد الأول الذي رمى إليه -العبقري المحيّر- هو تدقيق سيرته العلمية الخاصة، حيث أراد عن وعي أن يظهر كمؤرخ، تشمل شهادته القصوى حياته الخاصة .
ومهما كانت دوافع كتابة هذا النص الخلدوني المميز، فهو تشخيص لابن خلدون المفكر والموظف والمؤرخ، حيث تكون معرفة القارئ بأكثر الاحداث أهمية في عصر ابن خلدون، عبر مشاركته فيها، سواء كانت في الأندلس أو بلاد المغرب أو الشرق العربي، ويعرف طبيعة إقامته في قلعة ابن سلامة بتلمسان، وفيها كتب سفره التاريخي، ثم رحلته لأداء فريضه الحج، لكنه يقيم في القاهرة ويدرِّس في الازهر، قبل أن يعينه السلطان برقوق قاضياً لقضاة المالكية، ثم يرافق السلطان الناصر الى دمشق في حملته على تيمورلنك، ثم لقاؤه بهذا الطاغية، وأخيراً عودته الى القاهرة حيث توفي فيها .
وممن كان له السبقُ في كتابة سيرته، هو محمد بن زكريا الرازي، الفيلسوف والطبيب، اذ كتب رسالة تحدث فيها عن سيرته الفلسفية، وكذلك ابن الهيثم، الذي كتب سيرته الفكرية. وينقل عبد الغني عن كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: إن اول قطعة من السيرة الذاتية، وصلتنا من العصر الإسلامي، ما رواه سلمان الفارسي عن نفسه ، وفي الأغاني للأصبهاني، يجد القارئ ما رواه الشاعر نصيب عن نفسه، وهو من شعراء العصر الأموي، وممن كان يحضر مجلس سكينة بنت الحسين، وكذلك ما رواه ابراهيم الموصلي من سيرته، ويمكنني القول إن روايات الموصلي التي يتوحد فيها الخيال و الواقع، تسجل ريادة تاريخية في فن السيرة الذاتية التي وصلت في ما كتبه مبدعو القرنين الأخيرين، الى أن تكون جنسا أدبياً متميزاً.
أما ابن أبي أصيبعة، فيقدم في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء صفحات من سيرة حنين بن اسحق، أشهر مترجمي العصر الذهبي، وكبير مترجمي بيت الحكمة، وتتوحد السيرة الذاتية بالإبداع، في الكثير من كتابات عملاقي النثر العربي، الجاحظ والتوحيدي، وفي ما كتب الشاعر المفكر أبو العلاء المعري في أعماله النثرية.
إن السيرة، أي تناول الحدث التاريخي من خلال سيرة شخص، لم تغب في أي مرحلة من مراحل الكتابة في تاريخنا، فملحمة كلكامش هي سيرة كلكامش وصديقة انكيدو، وهذا ما كان أيضاً في الكتب السماوية، فإن سورة يوسف عليه السلام، بكل ما فيها من أحداث وشخصيات وأفكار وعبر، تتمركز حول سيرة يوسف عليه السلام، وعلى هذا الصعيد فإن الأمثلة كثيرة جداً، وليس أيام العرب، ببعديها الواقعي والجمالي، إلا مجموعة من سير شهود تلك الأيام وصانعي أحداثها.
* شاعر عراقي مقيم في عمّان

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }