د. محمد احمد جميعان
لسنا بصدد الحديث عن الخطاب الاسلامي بتفاصيله وفلسفته وغاياته وبنائه فهذا متروك للعلماء وأهل الاختصاص في مؤتمر الاسلام والمسلمين الذي انعقد في عمان يوم 27/11/2004، لا سيما ان الاهتمام منصب فيه نحو بناء خطاب اسلامي معاصر، انما الحديث هنا عن الحاجة الماسة الى خطاب اسلامي جديد يتصدى للدفاع عن آلام الأمة وهمومها وقضاياها سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي افرزت مواقف عدائية ضدنا جعلت الأمم تتداعى علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها في سابقة لم يسجلها التاريخ من قبل، وظهرت حملات دعائية منظمة تهدف الى التشكيك بل الطعن في سماحة الاسلام واعتداله والصاق تهمة العداء للغرب والديمقراطية به، مما ادى الى بروز ظاهرة الخوف من الاسلام والتي يطلق عليها في المجتمعات الغربية «الاسلاموفوبيا» ومما زاد الامر تعقيدا مسلسل قطع الرؤوس والسيارات المفخخة التي تستهدف الابرياء والمدنيين بعد احتلال العراق، مما أثر على مواقف العالم تجاه قضايانا، بل وعلى مدى تعاطف الآخرين معنا في المحن والملمات التي نتعرض لها والتي ظهرت جليا في اعقاب ما تعرضت له الفلوجة من فواجع مرة وعظائم تقشعر لها الأبدان قوبلت بردود فعل باهتة لا تتناسب مع حجم الفعل الذي حدث.
ان السماحة والاعتدال تمثل الخطاب الاسلامي بعينه، بل إن الاسلام هو السماحة كلها وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي اعتبرت الخلق كلهم عباد الله وأحبهم إليه أنفعهم لعباده «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة» (هود، 118) ولكن حكمته اقتضت تنوع البشر واختلاف مشاربهم واذواقهم وطرائق تفكيرهم ونمط طقوسهم واختيار عقيدتهم بقوله تعالى «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة، 256) في إطار من الرقة واللين لذلك خاطب الله عز وجل نبيه بقوله «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران، 159)، بل ان الخطاب الاسلامي في الجهاد جاء معتدلا واضحا لا لبس فيه بقوله تعالى «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين» (البقرة، 190) وحرم قتل النفس بغير حق واعتبر ذلك قتلا للبشرية كلها بقوله تعالى «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة، 32).
لقد بادر جلالة الملك عبدالله عميد آل البيت عند تسلمه دكتوراه فخرية من معهد العلاقات الدولية في موسكو في بداية أيلول من هذا العام الى حمل رسالة آل البيت وتبني الخطاب الاسلامي السمح حين ذكر «ان المتطرفين لن يسكتوا صوت الاسلام الحقيقي الذي يضع السماحة والسلام في أعلى المراتب، وان قيم وطني وديني تدفع بعملية الاصلاح الحقيقي الذي تلمس نتائجه في مختلف ارجاء الشرق الاوسط»، وقد أكد ابو الحسين على ذلك فعليا حين أوعز الى وزير الاوقاف الدكتور أحمد هليل بضرورة ايفاد عدد من العلماء والوعاظ والدعاة للدول الغربية والولايات المتحدة الاميركية لشرح الصورة الحقيقية للاسلام التي تتسم بالاعتدال والوسطية والتسامح، والمساهمة في ازالة الصورة النمطية المغلوطة عن الاسلام هناك لا سيما ان هناك اهتماماً متزايداً باضطراد في هذه المجتمعات من اجل التعرف على الاسلام وحقيقته، والذي أكد عليه الدكتور صفي الدين حامد استاذ التخطيط في جامعة تكساس الامريكية بقوله «ان هناك اهتماماً شديداً ومفاجئاً للتعرف على الدين الاسلامي وأحكامه، وزاد الطلب على عقد حوارات بين الدين الاسلامي وشتى طوائف الكنائس المسيحية في اميركا، فأصبحت العبادات والاركان والمفردات الاسلامية جزءا من الثقافة العامة للمواطن الاميركي الأمر الذي يفسح المجال لتصحيح صورة الاسلام بل لنشر سماحة الاسلام واعتداله».
ان الخطاب الاسلامي المعاصر الذي تعكف نخبة من علماء الأمة على بنائه وتبنيه في مؤتمر الاسلام والمسلمين في عمان يحتاج الى آلية لحمله وحاضنة ريادية مؤثرة وفاعلة ومسموعة تتبناه، والهاشميون أهل لذلك كله، كيف لا وهم آل البيت وحملة الرسالة ولهم مصداقية وحكمة واعتدال مشهودة في الغرب والعالم كله، وعميدهم أبو الحسين صاحب المبادرة الاولى الذي حمل هذه الرسالة الى موسكو وأوعز بحملها عمليا الى اميركا والغرب لذلك لا بد من النهوض بالخطاب الاسلامي هذا رسميا وشعبيا في أطر مؤسسية ثابتة ويكون جزءا اساسيا من الخطاب السياسي الاردني ليعطي قوة وزخما يصل الى العالم كله.