الأمن سياسة في جانبه الآخر

الأمن سياسة في جانبه الآخر

الأفكار الجريئة عندما تطرح يصاحبها عادة اشتباك من اصحاب الرؤى الاخرى ذات المنحى السياسي المختلف، مما يحدث نوعا من التجاذب بين الافكار الجريئة ونقيضها وبين الاجندات والاهداف السياسية المتباينة. وفي قضايا الوطن وأهله وقضية أمان الوطن وسلامته يمكن للأفكار التي تملك القدرة على المواجهة والمعارضة ان تتحول الى شيء يشبه السير في حقل من الألغام التي قد يفجرها سوء الفهم او سوء الظن او النوايا المضادة التي تسعى لصياغة الوطن ضمن رؤية فكرية او سياسية احادية النظرة او ضمن مسار يخدم اهدافا لا تخفى مدلولاتها السياسية واخطارها المستقبلية على البلاد. وعندها تخضع الكلمات والمعاني الى تفسيرات تنبع من توجهات مخالفة وتتحول الى ذخيرة حية لردع اصحاب الافكار واجبارهم على التراجع، فكثيرة هي الحقائق التي يعبر الناس عن معناها بصمت ويتداولون المخاوف حولها في مجالسهم بحذر وهم يدركون انها استحقاق لا بد من مواجهته في يوم من الايام وانها هم لم يأت اوان البوح او البحث فيه بعد. وزارة الداخلية وهي وزارة شؤون الأمن الداخلي اوضحت في الفترة الاخيرة البعد السياسي لدورها الأمني فهي تدير عملها فوق سكة طرفها الأمن المادي من جانب وطرفها الآخر المحاذير السياسية التي قد تخل بمعادلة الأمن والسلم الداخلي تتصدى للبعد الاول بعصا الأمن وتواجه الآخر باراء سياسية ومقاربات فكرية تحد من سطوة الشطط او تبصر بخطورته او تذكر بالجوانب المنسية من واقعنا الوطني وتركيبتنا الداخلية دون تعصب او تقليل من أهمية تداول الاراء ودون تنازل او تفريط في حق الوطن على كل من استظل بسمائه وسماحته وعاش في ارضه بأن يحترم خصوصية ومكونات وضعه الاجتماعي واهدافه البعيدة والثابتة في ان يجعل من التنوع على ارضه مدعاة للتقدم والقوة والالتحام الوطني وليس مادة للتنازع والفرقة او التغريب نحو تيارات سياسية خارجية. فوزارة الداخلية اخذت دورا واضحا في الدفاع السياسي عن جملة من الهموم والمعاني الوطنية يذكرنا بالدور الذي اطلعت به وزارة الاعلام في الفترة ما بين الستينات وحتى الثمانينات عندما كانت معاني البلاد وسمعتها ودورها تتعرض للتشويه والخطر. ولا شك ان هذا الدور الأمني ينبع من تصور واضح للحكومة حول مجمل التفاعلات السياسية الداخلية والخارجية لكن التعبير عنه بجرأة، يضع خطا أحمر حول جملة من المعاني والقضايا التي يشكل تجاوزها او تسييسها باتجاه خاطئ تهاونا في حق البلاد وتطاولا على سعة صدر نظامها وتجاهل تضحيات الاردن تجاه قضايا عربية عزيزة علينا من واقع الالتزام وليس الضعف، ومن واقع الأمل بغد اكثر امانا واكثر سلاما وانصافا، للحقوق العربية واقع تسعى من أجله قيادتنا وتكرس له جهودنا السياسية في كل منحنى دولي واقليمي من دون تفريط او تهاون او تدخل الا بمشورة اخوية او مساندة او دعم سياسي او التقاء على موقف موحد لامتنا لنصرة قضاياها او درء الشر عنها. وفي زمن الاحتلالات والحصار والتهديدات الخارجية يكبر الاحباط في النفوس ويصبح الاحباط واليأس محركا للعديد من الحركات السياسية تتغذى عليه وتحركه في النفوس وتسعى الى تسييسه وتحويله الى سلاح تقوى به لتوسيع مساحة نفوذها وامتدادها في الشارع لتدين الآخرين ولتدرأ المسؤولية عن نفسها، وهي بذلك تقود معركة التغيير باتجاه اهدافها السياسية لتجعل من نقاط الضعف في هذه المرحلة عوامل قوة لصالحها وتقويضا لغيرها. ولهذا يستوجب الامر الجرأة في تسمية الاشياء بأسمائها والوقوف بحزم عند السياسات والاجراءات الضرورية لسلامة البلاد دون مواربة مهما كانت وجاهة المعاني التي يتدارى بها اصحاب تلك الطروحات السياسية فالاساس في قياس اي سياسة داخلية او اجراء هو ما تتركه من أثر على سلامة الوطن وتوازن معادلاته الداخلية. القاعدة الاولى في الأمن الحفاظ على التوازن الداخلي والسلم الاهلي ووضوح الاسس التي تصون الأمن المادي السياسي دون ان يطغى ذلك على حرية الناس وحقوقهم والقبول بالحوار الذي يحترم الاختلاف في الرأي لكنه لا يكرس الفرقة والخلاف ويحترم الحق في المشاركة دون ان يجعلها جسرا لتبني تيارات خارج النسق االوطني او يجعلها مدخلا للأفكار والايديولوجيات التي تثير النعرات والتطرف والتوتر الداخلي. هناك فرق بين الإلتزام بكل ما في الوطن من تنوع وتعدد سياسي والحرص على ان يكون الوطن مظلة آمنة لكل فئاته مهما تعددت مشاربها السياسية وبين السعي لجر الوطن باتجاه فكري وسياسي ضيق واحادي النظرة. في بلد مثل الاردن يعيش وسط صراعات ساخنة تنذر بالخطر يستوجب الامر الوضوح والحزم في وجه اي شطط يمس امننا الداخلي، وقرع ناقوس الخطر في وجه اي تصرف او توجه يخل بمعادلاتنا الداخلية وعلى اي مستوى كان. الحرص على توحد الناس في بلدنا في مواجهة الخطر وفي معركة بناء المستقبل كان اهم مظاهر قوتنا وقدرتنا على مواجهة الاخطار الدائرة من حولنا في سنوات الشدة التي مرت على أمتنا، فالاحساس الوطني بأننا في الاردن عرب متحدون على ارض عربية واحدة ضمن اسس تضمن سلامة الوطن ومعناه كان اهم ما ميز مسيرتنا وروحنا الوطنية، واي عبث بهذه القاعدة تحت اي مسمى سياسي يشكل خطرا على أمننا الاجتماعي والسياسي على حد سواء يستوجب الاستنفار والمواجهة. المداخلات السياسية والامنية الاخيرة لوزارة الداخلية في الفترة الاخيرة اوضحت ان هناك استحقاقات كثيرة مؤجلة ومعلقة على الحلول المرتقبة لقضايا المنطقة وان هناك معادلات داخلية اقمناها واخترناها لإقامة التوافق بيننا، وقد لا تكون هذه المعادلات هي الافضل ولكنها الأسلم في هذا الزمن القلق المفعم بالاحتمالات، وهي بالتأكيد ليست ثوابت الا أنها استحقاقات تنتظر الظروف الملائمة والمناسبة للتغيير. مرة اخرى نقول ان الافكار الجريئة كالمواقف الجريئة قد تجر المتاعب على اصحابها ولكنها تستحق الاحترام ما دامت تنطلق من الحرص على ثوابت ومعاني الوطن، وما دامت تتصدى لمحاولات جر البلاد في مسالك وعرة وطروحات سياسية وفكرية ضيقة مشحونة بالمخاطر. وأخيرا نؤكد ان الادوار لا تصنع المواقف لكن المواقف الجريئة تصنع الادوار وهي ايضا تصنع الفارق في الخيارات التي تحدد مسار الوطن واولوياته في الظروف الصعبة.