المعجزة لمحمود طرشونة.. الحب قادر على إحداث المعجزات

المعجزة لمحمود طرشونة.. الحب قادر على إحداث المعجزات

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 15-2-2008
No Image
المعجزة لمحمود طرشونة.. الحب قادر على إحداث المعجزات

د.عالية صالح  - تتلخص رواية المعجزة لمحمود طرشونة، عند إعادتها إلى زمنها الخطي، في حكاية فتاة إيطالية تعيش في تونس مع أهلها، تحب ابن عمها، لكنه لا يعيرها اهتماما، مما يدفعها إلى البحث عن وسيلة لاستمالته؛ فتلجأ إلى دكان أحد العطارين في المدينة. وعندما تلتقي الرجل، ويطرح عليها بعض الأسئلة تتراجع عن مشروعها، وتقع في حب العطار. ثم يرتبطان بزواج يكون مرفوضا من الأهلين، أهله لم يتقبلوها إلا بعد فترة من الزمان، وأهلها يحاولون استرجاعها، عن طريق محاولة ابن العم اختطافها والعودة بها إلى إيطاليا، ولكنه يفشل، وخلال ذلك يفقد أحد أصدقائه الذين ساعدوه في العملية.
تعيش البطلة حياة هانئة مع زوجها، لا ينغصها سوى عدم قدرتهما على الإنجاب. ويظل الزوج يعد مخاليطه لها وله، ولكن محاولاته لا تنجح، وفي المرة التي يستطيع فيها أن يهتدي إلى الحل السحري، يأتي رجل غريب إلى دكانه ليلا، ويعتدي عليه، ويجرحه جرحا بليغا، ويختفي العطار على أثر الحادثة.
تبحث الزوجة عن زوجها في كل مكان ولا تجده، ثم يصلها خبر أن زوجها مات وأنه مدفون في مقبرة المدينة. تذهب إلى قبره وتستخرج عظامه، وتضعها في كيس، وتنقلها من المدينة إلى الجزيرة حيث يعيش، تحنو على العظام، وتظل تحادثها وتناجيها. تدب الحياة في العظام مرة أخرى، وتحمل المرأة من زوجها المختفي.
جاءت لغة السرد ضاجّة بالشاعرية والجمال، خصوصا في المقاطع الوصفية التي قدمت التاريخ والجغرافيا، ورسمت الجو، وساعدت على تكوين الحبكة. فلو وقفنا عند المقطع الأول لوجدناه يمتاز بجمال التصوير، وتقديم المعلومات الجغرافية، وتكوين الخيوط الأولى للحبكة الروائية: أحدثك عن زمن الشراع تنفخ فيه الريح، فيتقوس متنه، ويدفع المركب إلى الأمام يريد اليابسة، وينظر إلى الجزيرة تقترب منه وتتشكل في الأفق نقطة سوداء داكنة، فدائرة خضراء، فخطوطاً عريضة يعلوها النخيل متجمعا متقاربا ينتظر وصول المراكب منذ الأزل وليس له منها سوى نظرة حالمة، وشوق إلى المراسي في حماه، وليس لها منه سوى رقصة الأفنان الطويلة في زهو وانشراح، تختزن نشيد العواصف وترجع صداه، ويمتد بأنغامه وتحاور الموج القريب .
يعمل المقطع الوصفي على الإيهام بالواقع، من خلال تفاصيله الصغيرة، ويُدخل العالَمَ الواقعي إلى عالم الرواية التخييلي، ويساعد على التأويل مرتبطاً ارتباطا وثيقا بالرواية، وبرؤية الكاتب للعالم، وببنية النص السردي أيضاً، مما يساعد على تأويل الأحداث وتفسيرها.
تتميز لغة الرواية بخصوصية تستمدها من المدونات التراثية، مثل طوق الحمامة ، وكتب الصبابة والوجد، وكتب السحر، واللغة اليومية المتداولة بين الناس. وتنفتح اللغة على عالم الشعر من خلال التصوير، محققة تألقا وجاذبية من خلال ما يتفجر فيها من إمكانيات قرائية، تؤكد جدلية الممكن وغير الممكن. ويحمل التصوير دلالات كثيفة، وصورا متشابكة تثير حساسية مفرطة بكينونة الإنسان، هذه الحساسية المفرطة تؤثر في التواصل الإنساني؛ مما يحدث المعجزة.
تتكون الرواية من ثمانية عشر فصلا، تتعدد فيها الأصوات، ويتم تبادل المواقع فيها: الراوي يصبح مرويا له، والمروي له يصبح راويا. ويبرز فيها صوتان رئيسيان، صوت مريم التي تروي سبعة فصول، وصوت ساتر الذي يروي ستة فصول، أما البحار فيروي فصلين، والصياد وعامر يرويان فصلاً، والأم أيضاً تروي فصلاً هو عبارة عن رسالة مكتوبة، والحاج إدريس يروي، ويضمّن فصله بعض الكتابات القديمة. مريم وساتر صوتان يستأثران بالحظ الوافر من السرد، وتظهر الأصوات الأخرى لتعبر عن وجهة النظر المخالفة لهذين الصوتين، ولتظهر القصة نابتة في مجتمع؛ هناك من يقف معها في وجهة النظر، وهناك من يخالفها.
يحقق الاسمان للشخصيتين الرئيسيتين مقروئية عالية، مريم تؤشر وتتناص مع مريم العذراء، ولكن برؤية فنية جديدة ومحوّرة، واسم ساتر ينم عن دور الشخصية في الرواية. إنه ساتر لحقيقته، ومستور عن أعين الناس، ويتناسب مع مقولة مريم: سترونه يوم تحتد أبصاركم وتصقل عقولكم . الاسمان علامتان سيميائيتان تتحركان وفق عالم يقترب من عالم الواقع، ويفارقه إلى عالم التأويل. مصائر هاتين الشخصيتين، وتفاعلهما مع الحياة، أعطى لاسم كلٍّ منهما دلالته.
تبدأ الرواية من زمن عودة المرأة إلى الجزيرة بعد أن حصلت على عظام زوجها، بمعنى أن الروائي سعى إلى ابتداع أسلوب لينقل وهم المزامنة، رغم التعاقب في الواسطة، وأن يجد طريقة يعادل بها تأرجح العقل إلى الأمام والخلف في الزمن مع حركة اللغة إلى الأمام .
تخلو الرواية من المؤشرات الزمنية التي تمكّن من تحديد زمن السرد التاريخي تحديدا دقيقا، أي تحديد السنوات والأشهر والأيام، لكن فيها ما يؤشر على زمن خروج الإيطاليين من تونس (زمن انتهاء الاستعمار).
أما المكان، فهو الأصل في علاقة الإنسان بالعالم، تبدأ منه رحلة البحث والاستكشاف. وأمر مثل هذا لدى الشخوص هو تحصيل حاصل، لأنه متحقق فعليا منذ لحظة وجود الذات. المكان ليس مهما، المهم هو الوجود نفسه بصرف النظر عن المكان. ويستمد المكان أهميته لأنه حوى الذات، مهما تمسكت بالمكان الذي احتضن سعادتكما، المكان مجرد وعاء لا يقول شيئا، ولا قيمة له إلا بمن يحل فيه ويحييه وينشر فيه البهجة أو الحزن .
تؤشر الرواية إلى أماكن عامة غير محددة مثل: المدينة، البحر، الجزيرة، والمقبرة. ويرد ذكر أماكن محددة مثل: تونس، المغرب، فاس، مكناس، طنجة، تطوان، سبتة، مراكش، وكالياري (في إيطاليا). وتظهرت أماكن الإقامة غير محددة، أما الأماكن المحددة فهي أماكن الارتحال.
يلجأ الكاتب في روايته إلى تقنيات الاسترجاع والاستباق. والاسترجاع من أكثر التقنيات حضورا، ولكنه استرجاع مرتبط بالفصل، وليس بالمقطع، وكان استرجاعا استراتيجيا، فعن طريقه تم تقديم الشخصيات، وإعادة من اختفى، وإكمال مقاطع سردية سابقة، والعودة إلى طفولة الشخصيات الرئيسة، وإعطاء تفسير لمواقف الشخصيات.
ويلجأ طرشونة إلى تقنيات أخرى من مشاهد حوارية ووقفات وصفية. الوقفات الوصفية التي لا تكون الرواية من دونها كما يقول جيرار جنيت، مضيفاً: إنه لأسهل علينا أن نتصور وصفا خاليا من أي عنصر سردي من أن نتصور العكس، لأن كل إشارة إلى عناصر الحدث أو ظروفه يمكن أن تشكل بداية وصف له
تستهل الرواية بنص لابن عربي من ترجمان الأشواق :.
 رأى البرق شرقياً فحنَّ إلى الشرق
ولو لاح غربياً لحنَّ إلى الغرب
فإن غرامي بالبريق ولمحه
وليس غرامي بالأماكن والترب .
إنه تصدير يستثير القارىء ليبحث عن صلته بالرواية، ومدى ارتباطه بها، وبعد القراءة يكتشف أن النص يركز على مقولة سعت الرواية لتبئيرها، وكان النص منسجما مع رؤية الكاتب للرواية، ولعب دور التهيىء والإعداد، فما يقع عليه المتلقي بدءا هو المقدمات، على أن اختيارها ليس عملية سهلة هينة، وإنما يخضع لنوع من الإحكام... خصوصا أنها توجه القارىء لما سيأتي... ثم إنها تجلو سعة أفق الروائي المتمثلة في قراءاته المختلفة والمتنوعة . يمثل التصدير تشكلاً أولياً، يبحث المتلقي صلته بتشكل النص نفسه. فالنص نص صوفي فيه توجه للذات العليا، أينما ظهر إشراقها فإن المريد يتبعها، كما أن الرواية دعوة إلى توجه الذوات العاشقة إلى من تعشق، لأن العشق علاقة سامية تجعل الذوات تترفع عن كل الفواصل الاجتماعية والدينية والعرقية، بحيث يصبح العشق موجها للذوات.
ويتبع نصَّ ابن عربي نصٌّ آخر مقتطف من الرواية فيه تحذير: إني أرى ريح الفتنة قادمة فلا تذكوا النار التي أشعلتم.. ، فلأن الرواية تُرى من أكثر من زاوية جاء هذا التحذير، إذ إن لكل دعوة مهما كانت عظيمة معارضة تثير الفتنة في كل زمان ومكان، مهما كانت الدعوة شريفة.
ويتضمن العنوان تكثيفا للمعنى، ويصبح علامة ورمزا، وهو النواة المتحركة التي خيط عليها نسيج النص، وهذه النواة لا تكون مكتملة، بل تشكل إجابة مؤقتة للمتلقي، وتفتح له فضاء الإضافة والتأويل، وبذلك يغدو العنوان مفتاحا يساعد المتلقي على فك ألغاز النص واكتشاف دلالاته .
بالحب والتواصل الإنساني العميق تتحقق المعجزة، وتخصب الحياة. في كل زمان يحدث تواصل إنساني عميق صادق تحدث المعجزة.
تسير الرواية على منوال مختلف عن الرواية العربية، وهذا الاختلاف متحقق من أن بطلها الغربي يلوذ بالشرقي، وهذا خط سير مختلف عن الروايات العربية التي عادة يلجأ شخوصها المتأزمون إلى الغرب لحل أزماتهم، ف امرأة الفصول الخمسة لليلى الأطرش، حققت ذاتها وتحررها بلجوئها إلى الغرب، وبطل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح اتجه إلى الغرب، وبطل شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، التجأ إلى الغرب. وهناك الكثير من الروايات التي التجأ أبطالها إلى الغرب لشفاء نفوسهم أو لتحقيق ذواتهم.
* كاتبة أردنية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }