ستكتسب خطة شارون زخما جديدا بعد اقرارها من قبل الكنيست الاسرائيلي، وبعد خطة المواكبة التي يقترحها الاتحاد الاوروبي، بالتفاهم مع مصر، وبعد انتهاء الانتخابات الاميركية ومواصلة الادارة الجديدة دعمها المؤكد لخطة شارون.
وسيضفي هذا الزخم، عبئا اكبر على الاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة للتعامل مع هذه التطورات، خاصة اذا ما كان محرك هذه الاستراتيجية هو العمل على مواجهة خطة شارون والخروج من فخ تثبيتها كمحور للعملية السياسية.
ويتمثل هذا العبء في كيفية التعامل مع المقولة التي باتت تحرك مختلف المبادرات الدولية والاقليمية والقائمة على السعي لربط خطة شارون بخارطة الطريق واعتبارها جزءا من هذه الخطة، بما فيها الدعوة المبتكرة التي اطلقها ابو علاء لاعتبار الانسحاب من غزة، بمثابة المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار.
وفي الحقيقة فإنه لا هذه الدعوة ولا تلك، ولا أية مسميات أخرى، ستغير من حقيقة ان ما نحن امامه ليس اوسلو، وليس خارطة الطريق، وليس مقدمة للعودة الى التعامل مع المشاريع الدولية المختلفة التي قدمت خلال الاعوام الاربعة الاخيرة، بل ان ما نحن امامه هو بالضبط خطة شارون احادية الجانب، مطوقة بالتراجعات حتى عن صيغتها الاصلية، بسبب ضغط اليمين الاكثر تطرفا داخل اسرائيل، وان الادوار المطلوبة من مختلف الاطراف وفقا لهذه الخطة، هي بهذا الشكل او ذاك، الادوار التي حددها شارون، بعد ان القت الادارة الاميركية بثقلها الاستراتيجي الداعم لهذه الخطة.
ولهذا السبب يجب عدم التعويل على محاولات الربط بين خطة شارون وخارطة الطريق، ومع ذلك وحتى لا يصبح معنى هذا الربط مصدرا للالتباسات مع الاتحاد الاوروبي او غيره او ان يضيع كما هو متوقع في إطار العموميات والمناورات الاسرائيلية، فإن المعنى الملموس والتفصيلي لهذا الربط من وجهة النظر الفلسطينية، يجب ان يكون محددا وصريحا اثناء اللقاءات المرتقبة مع الاتحاد الاوروبي لنقاش خطة المواكبة الاوروبية، او مع غيره من الاطراف التي تتحرك تحت ذات العنوان، وبما يمنع تكرار التجارب العديدة التي انتهت بتكثيف الضغوط على الطرف الفلسطيني بدلا من اسرائيل.
ان جدية الحديث عن الترابط تعني بالملموس وبصورة تفصيلية التوقف عن الاستيطان وبناء الجدار تمهيدا لازالته، والانسحاب الفعلي المتزامن الى ما قبل 28 ايلول تمهيدا للانسحاب الشامل واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وانه وفقا لهذا السياق فقط، يصبح الانسحاب الحقيقي من قطاع غزة جزءآ حيويا من عملية الانسحاب من كامل الاراضي المحتلة. وفي اطار المحافظة على وحدتها الجغرافية والسياسية باعتبارها اراضي الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو جوهر ما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية، بما فيها خطة خارطة الطريق ذاتها.
ان خطورة خطة شارون، اضافة الى كل ما قيل عنها تكمن في السعي لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وبالتالي تكريس الغاء وحدة الاراضي الفلسطينية، واستدراج مختلف الاطراف لصياغة الترتيبات والالتزامات والمشروعية لهذا الفصل، فلسطينيا واقليميا ودوليا الأمر الذي يطلق يد اسرائيل في صياغة اسلوب التعاطي مع قرار 242 والعودة الى تجزئته، وفقا للواقع الذي كان قائما قبل عام 1967، بالنسبة للقطاع والضفة الغربية، رغم الرفض المصري والاردني لذلك، وتمسكهما بمبدأ وحدة الاراضي الفلسطينية، الذي تحقق بفضل نضال حركة التحرر الفلسطينية، والدعم العربي والدولي لهذا النضال، واكتساب المشروعية الدولية لوحدة هذه الاراضي، ولحق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة عليها.
ويمكن الافتراض، ان هذا الفصل بين القطاع والضفة، غير المكلف لاسرائيل، سيعزز لدى اليمين الاسرائيلي ولدى شارون فكرة اقامة دولة فلسطينية ثانية في «قطاع غزة» الى جانب حلم اعتبار الاردن «دولة الفلسطينيين» وذلك بعد ان يستولي من خلال تهويد القدس والجدار والاستيطان على معظم اراضي الضفة الغربية، التي تمثل لأسباب جغرافية واستراتيجية قلب الدولة الفلسطينية المستقلة، وجوهر بنيتها الجغرافية والسياسية والمعنوية.
ولهذا يمكن فهم المخاوف الاردنية المشروعة من خطة شارون، كما ينبغي وقف أي اندفاع، بما في ذلك لدى الاتحاد الاوروبي، من اعتبار خطة شارون، «نواة» للدولة الفلسطينية المستقلة، رغم علو التقدير والاعجاب، بالبطولات والتصميم والمزايا الثورية والاصيلة التي تتمتبع بها جماهير شعبنا في قطاع غزة، وانه بدل ذلك يجب التمسك بوحدة الاراضي الفلسطينية، في الضفة والقطاع، وبرفض اي تحوير لشعار الدولة المستقلة بمعزل عن وحدة اراضيها وانهاء الاحتلال عن كافة ارجائها.
ان عملية التجزئة التي يقوم بها شارون، وفصل القطاع عن الضفة، وما سيرافقها من عملية اشمل لاستبدال مفهوم الدولة، لن توفر المعالجة لجوهر الصراع، كما قد يتوهم البعض، ولن تقود الى التقدم في العملية السياسية، كما لن يكون حال دغدغة عواطف الانفصال والاعمار ومشروعات البنك الدولي، بافضل من حال الرفاه الذي وعدت به جماهير القطاع والضفة الغربية بعد اوسلو، والذي تمخض عن اوهام واستئثار محدود بالسلطة وبتنمية المصالح الضيقة وتزايد الهوة الاجتماعية والفقر والبطالة والاستيطان والعدوان وتعبيرات الاحباط السياسي والاجتماعي والفكري التي رافقتها.
ان المكاشفة الفلسطينية يجب ان تكون صريحة في التحذير من منح المشروعية الاقليمية والدولية، لخطة شارون، ولتجزئة وحدة الاراضي الفلسطينية، وبالتنبيه من ان تصبح محاولة الربط بين خطة شارون وخارطة الطريق، مدخلا لطلب التنازلات الفلسطينية ولأحداث صورة مظهرية للتحرك السياسي قصير الأجل، على حساب الشعب الفلسطيني، كما ينبغي الطلب مقابل ذلك بالتمسك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومحكمة لاهاي، وحشد الجهد الدولي لتحقيق ذلك ولمساندة شعبنا في التوجه لاجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، من خلال توفير مناخ ملائم يضمن وقفا متبادلا للعنف، وسحب الجيش الاسرائيلي ورفع الحواجز وتوفير الظروف المشابهة لانتخابات عام 1996، بحيث تشمل مدينة القدس، وبما يمكن بعدها من استئناف المفاوضات.
بهذا يمكن اختبار مدى واقعية الحديث عن ربط خطة الفصل بخارطة الطريق، ويمكن تجنب تحويل خطة شارون الى سلاح فعال لاستمرار العدوان والعزلة والضغوط على الشعب الفلسطيني وقيادته.
منسق المكتب السياسي
لحزب الشعب الفلسطيني