شجرة الفهود لسميحة خريس.. سيرة حوران الأردن

شجرة الفهود لسميحة خريس.. سيرة حوران الأردن

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 8-2-2008
No Image
شجرة الفهود لسميحة خريس.. سيرة حوران الأردن

د.سلطان المعاني -  هي.. سفر ينسكب عطر الكلم بين دفتيه.. ويشعل قناديلها فيه فتيل الحرف.. ويترتل في أعاليها أَن اقرأ وربك الأكرم .. فإن كان في شجرة الفهود ثمة سيرة فهي المكانية بِنَفَسٍ شمولي ملحمي، ووعي على لحظات لا ينوء القلم تحت وطأة توثيقها.. فجرّاء كل هذا الوضوح المكاني والزماني في لملمة الحدث وتأطيره.. تبدو الروائية مُلَتَحَماً كلياً مع نصها الإبداعي في عالَمَي الواقع والرواية.. وهي بحتمية النشأة والمشرب وليدتهما، فلقد تنامى الحدث في الرواية تصاعديا باتساع بُعدي المسافة والوقت، ليوثق في جانب مهم من السردية فترة تاريخية أحوج ما نكون فيها إلى جَسر الهوة المعرفية عن التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي، وهي فترة القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين، وقد تأتى ذلك فرصة متاحة في عمل إبداعي كرس اللحظة حدثاً ومشاهدات وروايات شفاهية قبضت فيها سميحة خريس على المنطوق الشفاهي راصدة إياه بأمانة الناقل من جهة، وبرؤية المبدع الروائي في جهة أخرى.
إن الفلاحين جبلة الأرض، حياتهم مزج غريب بين عموميات التمني وتفاصيل الواجب، إذ يُلزم الفلاح نفسه اللهاث وراء تفاصيل الفكرة المرتبطة بالأرض وما تستلزمه من أدوات، وقد تعلم الصبر على انتظار تحققها أو تحقيقها، وكأنما يتواتر هذا العمل الموسمي المحتوم بطقسية الزراعة من مبتداها إلى حصادها وجناها، وقد علّمه أن الأرض تعمر وتثمر ولن ترحل، وأن عالمه الذي يصنع يستأثر جل حياته.. فليس أولى من ذرية كبيرة وزوجات يتشاركن معه في خدمة الأرض وجناها، ومآثر اجتماعية تتحقق كلما نما المحصول واتسعت الأرض وازدادت الذرية.
مبتدأ الموقف.. ابن فريدة .. كان تعبيرا قاسيا يتهكم به أبناء القرية عمن يريدون تحقيره وإطفاء جذوة الحماسة لديه، فقد غاب عن مجالس الرجال واستكان إلى دفء أحضان النساء! وهي سُبَّة لا يمحوها سوى الارتحال بعيداً عن المكان.. أو الالتصاق به تملكا وانتسابا، وهو ما اختار فهد، بعزم الفتى، وصبر المقهور المهمش على انتزاع الفرصة من بين أنياب أيام اليتم، وتحقير أبناء العمومة قبل غيرهم... ويكبر الطفل.. ويكبر الحلم، ويغدو الوعد هضبة تزهر نواراً وجنى وفيرا وبيوتا حماتها أشبال فهد، ينهضون فهودا من بعده. فهضبة الفهود، رحم الاحتبال والخصب، أنثى التكاثر والولادة، ومستودع الحلم القادم، وهي عزم الأنثى المكدود المؤطر بطوبيات المجتمع الريفي القروي بما يُضيِّق على المرأة المسافة حد الاختناق، ويمنحها إياها في تأطير آخر لتخلق أجواء الحميمية والنهوض والاستقواء على الواقع، فقد امتلأت الهضبة بالنساء، فيما عجَّت الرواية بعالم المرأة بكل بُناهُ وحضوره المجلي، الذي شكّل إيقاع الأنساق السردية في تجليات حضور الحدث، والوقت، والحيز المكاني، وهو ذاته الذي نسج حتمية التطور والتنامي في شجرة الفهود في امتدادها العمودي بذرية فهد من البنين والبنات، والأفقي في سلسلة النسب والتصاهر والعمومة والخؤولة.
رواية شجرة الفهود بوح الأرض، ومبعث الكدح، وإلحاح الواجب.. تتوق نفسا فهد وفريدة إلى الأعالي حيث الهضبة.. تتسابق نحوها مواكب التمني والحلم، ويخفق صدر الأم والولد نحو الأرض التي ما خبرت سوى الضرع ونبت البرية.. فتشمخ الهضبة وهي تعمر بأهلها، وأخضرها الذي يطغى على المكان من أشجار وحقول تنبض بالحياة، وَيُقْسِمُ المحبون فهد وفريدة وعشيرة الفهود أنهم يسترقون السمع كل مساء لوشوشات الدحنون والأقحوان، ولتسابيح السنابل... فالهضبة حضور بهيّ، واخضرار الشرايين من القلب إلى جنات الكروم، واكتمال البدر في أريافها.
وها هي الهضبة تتراءى جنة على مدى ناظرَي فهد، موطن غراس وبذرة حياة، وأصل الشجرة الثابت، يعلو فرعها فهودا يملؤونها، ذرية تتكاثر فوقها.. تتناثر عبر صفحات شجرة الفهود في تقاسيم الحياة في أربعماية وخمسين صفحة من الحجم المتوسط، وقد صدرت ضمن سلسلة إبداعات أردنية التي شكّلت باكورة مكتبة الأسرة التي تنهض بمشروعها وزارة الثقافة.
القرية الأردنية في الرواية تشاكل الواقع قرى فلاحة وفلاحين، وعليه تأسست الأنساق المختلفة فيها، والتي لا تحيا سوى بالتنفس من رئة الجماعة والتشاركية وتقسيم الأدوار أو فرضها. وقد كان الملاكون والعشيرة قطبي الرحى في بطريركية ذكورية حتمت على القرية إيقاع مجتمعها الداخلي.. وهم من يحملونها إلى خارجه سمعةً وكرمَ ضيافة وذوداً عن حمى وضبط علاقات.
لقد كانت الأراضي في بدايات القرن الفائت -كما هي في عهد الدولة العثمانية دوما- ميرية تتوزع مشاعا ومحاصصة.. وكان العمل في الزراعة شاقا مضنياً، وبوسائل أولية تحتاج إلى كدح وعرق وجهد بدني ومتابعة وتخييم وتضافر جهودٍ.. وعددٍ أوفر من البنين.. وأكثر من زوجة إذا ما تيسر الحال.. وهو ما انبرى له بطل الرواية من الاستعداد لامتلاك الأرض حتى لو كلفه الأمر السفر إلى استانبول، وهو الذي بدأ مشواره فيها مع والدته ثم زوجته.. ثم زوجاته وذريته وأنسبائه.
أما سمة سكان القرية فهي أواصر قرابية يرتبط فيها العموم بنسق العمومة أو الخؤولة أو النسب، ومكون جماعي يقوم على العشيرة الحمولة ، يربؤون بأنفسهم الانتساب لسواها في مغانمهم ومغارمهم.. فهنالك تقارب مجتمعي لصيق ينضح الواقع جرّاءه تناقضات العلاقات القرابية في قائمتي التلاقي والتنافس.. فقد رصدت الرواية عشائر بكل حضورها في عالم الواقع، وأفضت عليها من عالم الرواية ما يعمر البناء الروائي الذي لا يهمش رصد الواقع.
وقد عكست الأسماء في دلالتها وبناها فكرة مجتمع القرية تجاه الجنسين، وتطبعت بسمة الحياة الاجتماعية القائمة على التمايز العشائري والفئوي ومعايير المجتمع في تقسيم القرية بين أصيل ودخيل، و قرمية أو لحوقة . ففهد مظهر قوة وفحولة وتكاثر.. وسعاد وغزالة مدلولات أنوثة وحظ ومرح وانبساط.. بينما تعكس تمام وفريدة النضوج العاطفي والاقتراب من منزلة بين المنزلتين في الموقفية الأنثوية والموقفية التشاركية مع الرجل في تنفيذ اللازم في رتم الحياة اليومية، وربما أسهمن في صنع الحدث وإيقاعه أيضاً. ويتجلى الذاتي في العمل الروائي بالاحتماء بشخوص العمل في اتجاهين، واحد نحو الداخل نجتاز فيه الذاتي بمفهوم الأنا المدركة إلى قموص نركبه حصان طروادة ونعبر به نحو الخارج لنقتحم عالم الرواية والواقع.
يرى فهد هضبته قطر الندى، وشدو اللحن في الليالي المقمرات... وساح السبق وتنافس المتعاقبين، ويتساءل: أيهما أولى بالحضور والبهجة في حضرتها؛ قمر المساء أم خيوط الصباح لمرايا نباتها وبناتها؟ ففي إربد الهضبة سابغات المجد وحكايا نسائها، أساطير مواسمها وقدسية ينابيعها، فإربد السمار ومنابر النجوم والفضاءات الحميمة.. واخضرار الخافقين .. واشتعال الزهر.. وزهو الربى الممتد لجيناً وأقمار عاشقين سيجته أقاحين القصائد واشتعال قوافيها.
عالم فهد.. ميس الريم في ليالي سمره.. وَدَرْجُ الحمام في حقله.. وبيادر القمح.. ولقد حفظت لنا الأسفار دروس تعلُّق الناس بإربد، منذ قطنها البشر في العصور التي سبقت التاريخ، فلم يكن شمال الوطن غفلاً في رحلة التمدن والاستقرار، فقد بدأها الأردن قبل غيره، ويشهد تل إربد على زخم الحركية البشرية منذ أكثر من ألفيات سبع، فكان التل موطن الإنسان ومحله، انتمى له وتعلق به.
إربد بوحُ الفصولِ.. والحمائم، منها ترتحل إلى هديل القصائد، وإليها تؤوب وقد هدهدتها حكايا الندامى، وقد انتشى صبحها نديا.. يمخر المدى.. هي زهرة الشرق.. وأقحوانة الحب.. فحيثما يممنا بين الأردن واليرموك يمم الزهر وعنفوان الشباب.
في مواسم إربد تتراقص المشاعر جذلى، تنبعث طيبة النفس، أندلسية الدفق، موسيقى عازف مبدع، وتنبثق همم فلاحيها فعلاً مُجلياً، تتوق له الحقول والبيادر.. فكأنما تنشد الأرض تراتيل الفرح التي لا يملك المرء إلا أن يظل أسيرها حتى لحنها الأخير.
ما الذي تخبئه إربد خلف تلها، ما الذي تسكبه من كؤوس الفرح والحياة ..أليس غرامها جمرا.. وصباها طورا فطورا .. أليست من يزجي الحنين إلى الحنين؟ والغرام من دفتر العشق بنشوته المجنونة؟ ومدارات ظلها الشاخب من سدف الغيب، وسورة الأهلة إلى صدور الواهلين ومعاول البناء.. لكِ الألق.. وجميل الوعد وسوسنة الحلم.. وسلام عليك طال الزمان أم اختصرته الأقدار.. سلامٌ لأطفالها على بيادرها، وسلام على تلها الموسوم بالكبرياء والمتشح بالشموخ.
من على تلك الهضبة يرقب فهد.. وهج الموعد.. وبسمة الأفق.. يشتاق إليها، ويطوي المدى.. لمّة وردٍ.. بالحدقِ المتيم.. بالطائر الغريد، بِحنوِّ الحَدْبِ.. تبثه الوجد رقيقاً، ومزدحماً صاخباً.. بأمانيه العذاب.. برجعها الدفين.. حيث لا يتنكّب العمر، ولا يمضي الهوى مع مسمع لاهٍ، ولا ترن أوتارها وتشجو، إلا ما أوردت موارد النور من أرجائها.. وللمرء أن يجازف بالقول والفعل، بلا وجل.. هي الأرض وقد رقَّ نسيمها، فتسابق إليها الشعراء والرواة والعشاق.. هي الأرض.. وقد فاض هطلها.. وسحّ نداها على مفارش طيبها.. وسندسها الباهي.. وأخضرها بمراشفه الزاهية.. هي الأرض.. لم تكتم أنفاسها.. ولم يكن زنادها إلا مهد صفائها.. وبهائها.. ونمائها.. ووارف عطرها.. ولتقطع الدجى، بشفارها.. وضبح مسافاتها قبل خيولها.. إذ نشبَ الخطبُ ونادى المنادي.
ولقد تَغَيّا قاموس الرواية المحلي الغني توثيق مفردات البيئة المكانية والزمانية في حوران ومخاض انتهاء القرن التاسع عشر حتى خمسينيات القرن العشرين، فعكست تعابير ومفردات القاموس المحلي الأردني، وضمير المجتمع ومفاهيمه تجاه القضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية والإدارية، فنجد مفردات: كلب الأتراك، تربية نسوان، ابن فريدة، ربيب، تفك الزنار الذهبي من الليرات، قواشين، الكروة، المنسف، هذي مش ثوبك، خواشيق، البنت محجوزة، زوجين مباريم، طهارة الولد، قماط الطفل، ورّادات العين، الحمايل، قابرة جوزها، أقي لبن أقي زيت، أوضة، براوي، أول ع تالي ، وغير كثير.
ترصد المفردات الإربدية الشعبية التي تطفح بها الرواية ضميرا مجتمعيا بتجاربه، فتجيء على فطرتها ومستودع اشتقاقها وتلاوين مدلولاتها. ولا يخفى ما حمله سرد الموروث الشعبي اللغوي في شجرة الفهود من تفاصيل التجربة اليومية السلوكية والفكرية التي تحفظ للمكان والزمان مدلولاته السلفية بمفهوم التوارث والمولدة بمفهوم الاستمرار.. وأعتقد أن توظيفها في الرواية يؤسس بمهنية عالية أفاقاً أنثربولوجية نتلقف من خلالها ظواهر مجتمعية وحزمة من العادات والتقاليد التي تسللت متخيلا في مدلولات المفردة أو التعبير الذي ساقه البناء الروائي دونما إقحام أو مباشرة، فأفاد ذلك في تسجيل كينونة موقفية متكاملة وظفت في سياقاتها المفردات التي تعكس التثاقف مع الأتراك في كم المفردات الهائل التي توثق البيئة المنزلية أكثر من غيرها.
ولكم كان رونق الزركشة اللفظية في الرواية عاليا وهي تتنقل بين الفصيح والعامي الحوراني والعثماني واللهجة السلطية، وقد تمرحل هذا التنقل موقفيا عكس خطابا نهضويا شمخت فيه المفردات على تقلب متكآتها إلى جلال الحدث وجسامته، ولك أن ترتحل مع الصفحات التي توثق لمقتل الملك المؤسس في المسجد الأقصى.. ثم تلك الحوارية الساخنة بين الأم وكناتها.. انتقالا إلى حادثة السلط.. و فهد مسكون بحزن عميق يقلب ناظريه بين أبنائه والرجال، ويستشف أواصر جديدة تصنع من فكر وحي الوطن.. .
لم تكن سميحة خريس في شجرة الفهود حالة قص روائي راق وحسب، بيد أنها كانت عَالَمَ ملحمة حقيقية تمرحل فيها أبطال كثر تناوبوا بين الشخوص الأمكنة واللحظات والحدث.. وقد نسجت هذا بتقنية روائية عالية.. وقد التصقت بالرواية حد التشاركية التي ذهبت ببعض النقاد إلى عدها سيرة ذاتية في كثير من جوانبها، ولعله بالإمكان تفهُّم ذلك دون إقراره ضرورة.
ويستند هذا التفهم لطرح السيرة الذاتية إلى أن سميحة خريس قد برعت في نقل الواقع المعاش في جغرافيا الرواية والواقع والفترة الزمنية التي شهدت أفول القرن التاسع عشر وولوج الأردن القرن العشرين بكل ما احتبل به من أحدات كبرى قادت حركة التحولات والنهوض المجتمعي والفكري والسياسي وبذور الثورة وتأسيس الكيان الوطني بمقوماته واستحقاقاته كافة.
الرواية سيرة حوران الأردن بكل دقائقها الاجتماعية استحالت فيها خريس باحثة أنسنة تمتلك أدوات رصد الواقع بحس المعايشة والثقافة وعين الراصد الواعي كاسية الحالة لبوس الإبداع الفني الذي ينهض بالحالة اقتراباً لصيقا بين الواقع والفني درجة التماهي والمصداقية على إطلاقها، فالسرد الروائي يمضي متناميا بدقة وبراعة تنسج فيه الروائية خيوط العمل بأنساقه.. لا تخذلها فيه معرفة الواقع ومعايشته، ولا مفردات القاموس الحوراني الإربدي ، ولا أدوات الإبداع من سرد وشاعرية ووصف دقيق يتتبع لحوحاً تفاصيل الأشياء.. وقد نضحت سميحة خريس من معين معجمي ثر برشاقة وعفوية انسياب.
وفي المنحى الذوقي الذاتي فقد تماهيت مع هذا العمل الروائي بأبعاده الاجتماعية والفكرية والحياتية اليومية.. حتى لكأنني أعايش كل شخوص الرواية وكل لحظة في ذات الأمكنة، فهو ذات المنهل البيئي الذي أشارك الروائية الانتساب إليه في كثير من جوانب الحياة.. وهكذا فقد كان تحليق سميحة خريس وهي توثق المكان والزمان والحدث وتعيش خضميتها يمنح تألقها مداه دفقا حسيا ووجدانيا شفافا صادقا وبأدوات إبداع راق لا تعوز سيدة الرواية الأردنية.
تتلاقى في رواية الأسرار الخطيرة للروائية المبدعة وعالمة الأنثروبولوجيا اللامعة كاثي ريتشس تجليات العمل الفذ الواعي الذي يرتقي بالعمل من جانبية الواقعي والقصصي. والرواية وفق هذا المفهوم خادمة للإبداع الفني الروائي وراصدة للواقع بمكوناته في سجل وصفي رصدي توثيقي يمنحها فرصة التجلي النادر، وهو ما نلمس في رواية شجرة الفهود لسميحة خريس ابنة تلك البيئة المجتمعية التي تقزمت أمامها إشكاليات فهم الواقع وتفسيره، فجالت في المكان وحيثيات الفعل اليومي كما حلا لها ولم يكن أماها سوى لحظة الإبداع والتجلي السردي في البناء الروائي، والذي مخرت عبابه في عدد من الأعمال الإبداعية.
عالمة الأنثربولوجيا، إذن، لا تهمش الأشياء الصغيرة.. تتبناها كما القضايا الكبيرة، تتخذها متكآت تفسير وإيضاح كما الحركات فوق الحروف تسهم في استيعاب الاشتقاقات، ولذا فإنك حينما تقرأ شجرة الفهود تدرك أنك تعرف الشخوص وتجسدهم أمامك لحما ودما، وسواء عليك بحثت في الرواية عن السردية أو عن التاريخية فإنك تدهش من زخم التفاصيل المرصودة، والحائرة بين تشبثها بنسق ونسيج الرواية أو حنينها الطافح للتحرر من النص إلى حركية الواقع وديناميته.
الرواية إقرار بعمق التجذر بالمكان حاضرا وناستالوجيا، فالروائية مسكونة بالحنين الجارف لحوران وما تناهى إليها من قص يرصد الواقع في إربد وجوارها في بدايات القرن العشرين وما شهد من أحداث شكلت الجغرافيا بطلها المطلق.
ولا تخفي الروائية، على أية حال، جذلها بالمقدرة الهائلة على رصد البيئة الخضراء الخصبة المثمرة ليس في هضبة الفهود وحسب، وإنما في حوران على امتداد خضرتها حيث تتبعثر الأنداء فوق تربة أهراء القمح وسلة الخبز.. فتكتسي الأخضرَ على المدى.. وترتدي عباءة الخصب والندى تشرع أبوابها إكراما وقرى لعابر الدرب والسبيل.. تغفو عاشقة وتستفيق على أنس الدروب والقوافل، فحوران سيدة الخير العميم والجرار الملأى وكورة المحاصيل.. تمسك الرغيف وتبسطه.. تمنحه دونما انحناء.. وقّعت صكوك الحب والعطاء طواعية فأدركت روما، وقد انتابها العوز لأهراء حوران، تلك الشرقية الولود.. قمحا وزيتونا.. وأقماراً..
سطوة المكان.. على مساحات الهوى.. وسنين الصبا والشباب.. وحفر الذاكرة بالحارات والأزقة والشوارع.. هذا نحن مركب من الأرض.. وبيادر القمح.. وطابون الصباحات الربيعية.. فعطر الندى ينضح خبزا.. وقد انتثر على جنبات الدروب دحنون واقحوان حوراني يزركش المدى المدهام.. فيا لقمر حوران وهو يصنع ذاكرتنا من الوريد إلى الوريد.. ويتربع فوق عرش القلب.. واللحظات.. فيرتسم ربيع هوى.. وانتشاء روح.. وقد أغرقها عسل اللقاءات.. حوران حضور الدهشة في همس الفيافي وهي تفتح نوافد التاريخ مشرعة مضاءة يعدو المجد فوق حروفها ليعلن ميلاد الكتابة مسندية ونبطية وآرامية.. فلم تهم حيرى في ليالي الجهل.. وما تخلقت في سدم الصدفة والفجاءة.. بل نهوض أحلام وعزائم.. هاديها النجم يرسم الغد قنديلا يجلو ظلام اليباب في دول الاستلاب والصدفة بين روما وفارس.. ليعلن المدى براري تاقت لأنداء أكف أهليها.. أنباطاً ولخميين وغساسنة وجذاميين.. إن رواية شجرة الفهود تعايش الحياة اليومية للناس في إربد وجوارها وكل حوران، وترصد عاداتهم وتقاليدهم وتصفهم من حيث السلم الاجتماعي أو الوظيفي وكيف يتصرفون إزاءه أو وفقه.. وتعكس الرواية بساطة الحياة الريفية في الأردن في النصف الأول من القرن العشرين، وردود أفعال عامة الناس العفوية تجاه قضايا أساسية أحدثت منعطفات في التركيبة الديموغرافية والسياسية والبنية الاجتماعية آنذاك، ويبدو أن سبل الحياة اليومية التي تنهب كل اهتمام لتوفير قوت اليوم ومستلزمات الحياة على بساطتها جعلت الكثيرين يؤثرون السلامة على الانخراط في مواقف لا يدركون كنهها أو عواقبها، ومنها تردد الفلاحين في الانخراط بالثورة في بداياتها، أو التعايش مع العثمانيين على علات العلاقة وسلبياتها عند الكثيرين ممن يركنون إلى الذرية والزواج المتعدد للعمل في الأرض إصلاحا وزرعة.. وقد رصدت الرواية التحولات الموقفية التي شهدها المجتمع الأردني عقب ذاك تجاه الأتراك، والنزوع الذي تبدى في مواقف نخبة مجتمعية تجاه المقاومة والانطواء تحت راية الثورة، والتي سرعان ما اتسعت دائرة التأييد لها شعبيا، رغبة في التخلص من سنين التبعية التركية والظلم الذي طال العباد في حرياتهم وأرزاقهم.. وهما موقفان مرحليان رصدت سميحة خريس مخاضهما بتقنية وأمانة حقيقيتين.
ولعل هذه الفترة المهمة من حياة المجتمع الاردني عموما وفي منطقة حوران على وجه أخص حملت في رحمها بذور تحولات مجتمعية وقيمية مهمة، كالعناية بالتعليم، والنهوض بالهم السياسي والرغبة في الاستقلال وتأسيس الكيان، وربما ارتفاع الصوت العروبي عما سواه استجابةً لروح الثورة والتخلص من التبعية الذي عم أرجاء من العالم العربي عموما وبلاد الشام والحجاز على محمل اقرب. والرواية من هذه الزوايا وثيقة اجتماعية أنثروبولوجية وتاريخية يسجل لها صدقيتها واقترابها من تجسيد عالم أبطالها في واحد من الفنون الإبداعية الذي شمخت فيه سميحة خريس نشمية أردنية على قدر عال من الثقافة.. ترجمت رؤاها في فضاءات روائية تقاطرت نهوضاً في عالم الإبداع العربي، فقد غدت صاحبة تقاسيم الحياة في شجرة الفهود ، سيدة الحضور.. تناهز قريناتها شقيلة وماوية وعائشة الباعونية في الفعل المجلي الذي يجافيه الزبد ليمكث في الأرض.
* باحث أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }