ليس من العسير إدراك الأثر البالغ الذي يخلفه غياب عرفات .فقد ظل هذا الرجل جزءا من معادلة الشرق الوسط الكبير لأربعين عاما، وقد نجح في ذلك بفضل شخصيته المركبة التي جمعت بين الفدائي والسياسي وزعيم الدولة والأب .
ولا يتعلق الأمر فقط بشخص عرفات، فقد كان من ثمرات كفاحه الطويل، أن قضية شعبه باتت معلومة للعالم كله، وان حقوق هذا الشعب تلقى الدعم والتأييد من مختلف أرجاء العالم بما في ذلك داخل المجتمع الإسرائيلي، باستثناء قوى اليمين المتطرفة وعلى رأسها عصابة الليكود التي يقودها ارييل شارون، ونفر من الليكوديين الأميركيين في واشنطن .
ويصعب على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، تقبل واقع غياب عرفات، فقد كان جدارا معنويا صلبا، أمام وحشية الاحتلال .. وبالتالي فإن غيابه هو اشبه بغياب رب أسرة كبيرة العدد، وفي ظروف شديدة الصعوبة .
غير ان ما تم إبداؤه حتى الان من مظاهر التماسك ورباطة الجأش لدى الناس، ثم الانتقال الهادئ والمنظم للسلطات والمسؤوليات، هو ما يعزز الأمل بأن يتم تجاوز هذا الوضع المؤلم بغير متاعب أو مشكلات، ومن أجل التركيز خلال ذلك وبعده، على تحديات الوجود والمصير، والعمل من اجل سحب الرخصة الإميركية الممنوحة لشارون باستباحة الأراضي المحتلة وتدمير الحياة الفلسطينية .
وإذ لم تخف عصابة الليكود الشماتة بالموت، فإنه من المهم ان يتحد الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، من اجل تحقيق الهدف الذي نذر عرفات حياته لأجله، وهو إحراز الحرية والاستقلال . وإقامة دولة ذات سيادة في الأراضي المحتلة عام 1967 .
ومن الواضح انه قد تم استخلاص الدروس من التجربة الطويلة التي اتسمت بالمراوحة والعثرات، كما تميزت بالنجاح والاختراق، وكما تدل على ذلك تجربة اتفاق اوسلو، التي سمحت بتبلور اول نظام سياسي فلسطيني على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة، بما وضع حدا لظاهرة الوجود السياسي في الخارج ..
ومن المقدر رغم هذه الظروف، ان تعمل حكومة الاحتلال كل ما تملك يمينها، لممارسة مزيد من الضغوط، بما في ذلك برنامج القتل اليومي، وان تسعى لإرباك القيادة الفلسطينية الجديدة المؤقتة وإشعارها بالعجز، بما يملي على هذه القيادة ان تستقوي بوحدة شعبها وتماسك المؤسسات، وفي تأمين دعم عربي ودولي، وخاصة مع ما ابدته سائر دول العالم، من مشاعر التضامن والتعاطف في هذه المحنة، تم التعهد باستئناف العمل من اجل تحقيق سلام عادل طال انتظاره .
وإذا كان شارون قد نجح في إلحاق اكبر قدر من الدمار والأضرار، ونجح في بناء جدار خرافي في عمق اراضي الآخرين، فإنه فشل رغم ذلك في إطفاء الاعتراف الدولي بحق الشعب الرازح تحت الاحتلال، في الحرية وضرورة العمل في هذا الاتجاه، كما فشل شارون في رؤية الضفة الغربية خالية من ابنائها، فقد ازداد ارتباط الناس وتعلقهم بوطنهم مع تزايد وحشية الاحتلال.
وقد كان لعرفات نزيل الإقامة الجبرية في مقر المقاطعة، فضل بث الروح المعنوية العالية ونشر امثولة الصمود، وبعد حياة حافلة بمواجهة التحديات الجسام، ولهذا تسود مشاعر الفقد المرير لغيابه الأليم في هذا اليوم الحزين من أيام العرب .