الاستقلال يؤخذ ولا يعطي هنيئا للجزائر

الاستقلال يؤخذ ولا يعطي هنيئا للجزائر

بدعوة كريمة من رئيس دولة الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة، لمشاركة الشعب الجزائري المجاهد احتفالاته بالذكرى الخمسي لانطلاقة ثورة الجزائر المظفرة في تشرين ثان عام 1954، والتي كللت بالاستقلال الناجز عام 1962، في ثورة اعجاز دفع ثمنها مليون شهيد، حظيت مع إخوة وأخوات ممن اعتبروا، او اعتبر آباؤهم وذووهم ممن حملوا ثورة الجزائر وهمومها وشجونها وواجباتها المقدسة في قلوبهم وعقولهم من شعب الاردن الوفي، على امتداد عقد الخمسينات وحتى النصر في مطلع الستينات، بالمشاركة في احتفالات الجزائر المهيبة والتاريخية، وقد كنا ندرك عميق الادارة، بأن هذا التكريم لم يكن لأشخاص بعينهم بقدر ما كان تكريما لشعب بأكمله، هو الشعب الاردني والفلسطيني الموحد في ضفتيه، والذي كانت الجزائر وثورتها المجيدة هاجسه اليومي ونبضة ضميره ومحرك طاقاته، مجسدة في مظاهراته وتجمعاته وخطاباته وكتاباته ومساهماته وتبرعاته والتي كانت قيمتها في رمزيتها العميقة دون النظر الى كمها وحجمها. إنني اذكر تلك الايام والشهور والسنوات بكل زخمها وتطلعاتها، وآمالها وآلامها لما كان يصيب الاشقاء المجاهدين في الجناح الغربي لعالمنا العربي. أذكر مظاهرات عمان والقدس، ونابلس والسلط واربد والخليل، أذكر قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا والتي لم ترجع الا عندما قطع الجنرال دي جول الشك باليقين، واعلن قبوله باستقلال الجزائر وسحب المستوطنين الفرنسيين المليونين، الذين كانوا وكما قال لي وزير وزارة المجاهدين يشكلون حوالي 90% من سكان مدن الجزائر، ويملكون معظم اراضيها الزراعية الخصبة. أذكر طيب الذكر ضيف الله الحمود أمين عمان الذي كان يكرس من وقته وجهده في دعم الجزائر أكثر مما كان يبذل في عمله الرسمي، وكذلك رجل الأعمال المناضل جميل بركات وغيرهما وغيرهما من ابناء هذا الوطن الاوفياء، والذين لا يتسع المقام لذكرهم. الجزائر وطن عربي كبير مساحته مليونان واربعمائة وخمسون كليومترا مربعا ان مساحته اربعة اضعاف مساحة فرنسا وخمسة وعشرون ضعف مساحة وطننا الاردني العزيز. سواحله تمتد آلاف الكليومترات وصحراوة الكبرى اكبر صحراء في عالمنا العربي، بل في العالم، وتتجاوز مساحاتها المليون كيلومتر، وسهوله الخصبة وجباله ووهاده المكسوة بالخضرة على مدى العين في كل مكان، وعاصمته الجميلة الزاهرة الجزائر تذكرني وهي اشبه ما يكون بمدينة حيفا بسلسلة حبال الكرمل المطلة على المدينة وعلى خليج عكا بكامله. وسبحان خالق الاشباه الجزائر في الغرب وخليج حيفا في الشرق. عندما اندلعت ثورة الجزائر لم يكن شعب الجزائر يتجاوز تسعة ملايين مواطن، اما اليوم فيبلغ شعب الجزائر اثنين وثلاثين مليونا، زرتها في مؤتمر عام 1962 ولم تكن سوى قلة قليلة من أهلها تنطق باللغة العربية، وكم كانت سعادتي كبيرة اذ رأيت الناس جميعهم يتكلمون العربية وان تكن بدرجات متفاوتة من الفصاحة او اللهجات العامية هنيئا للجزائر تعريبها فقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا، وبالأخص اذا تذكرنا ان الاستعمار الاستيطاني الفرنسي استمر 132 عاما كان محرما خلالها تعليم العربية، ولولا القرآن الكريم والمدارس الدينية والكتاتيب لاندترت اللغة العربية من الجزائر لا سمح الله. «اننا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» صدق الله العظيم. تعاني الجزائر، كما نعاني نحن في الاردن، من وفرة وافرة من خريجي الجامعات الذين لا يجدون لهم عملا في تخصصاتهم، وقد أخذ المسؤولون الآن في اتخاذ الاجراءات لربط التعليم وسوق العمل للحد من البطالة المتعلمة، ولكن أهم من ذلك كله، هو ضمن استقرار الجزائر الذي عصفت به وبمنجزاته الحرب الأهلية المقيتة التي تلت الانتخابات العامة قبل عقد والتي حرم فيها الاسلاميون من التمتع بالفوز الذي أحرزوه. يمكنني القول في ضوء ما شاهدنا، سواء في مدينة الجزائر نفسها، او في مدن مجاورة تبعد حوالي مائة كيلو متر عنها كمدينة «تيبازا» ذات الآثار الرومانية العتيقة، في موقعها الأخاذ على شاطئ البحر المتوسط، بأن الأمن والاستقرار والطمأنينة قد عاد الى الجزائر، وأن أهلها يمارسون حياتهم اليومية كالمعتاد، وان كانت الانباء تحدث عن حادث مفجع هنا او هناك بين الفينة والفينة، مما لم نشعر به أو نرى أثرا له خلال مقامنا في الجزائر. فرقة كاركلا اللبنانية ابدعت ابداعا عظيما في الرائعة التي عرضتها على المسرح وحضرها الرئيس وجمع غفير من الحضور، وكانت بعنوان «نوفمبر ـ مسيرة الكرامة». وكانت قمة الاحتفالات التي نظمتها وزارة المجاهدين حفل الاستقبال الذي اقامه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لحوالي ألف وخمسمائة من رجالات الجزائر، وضيوفه من مختلف أقطار العالم. وقفنا في الصف أكثر من ساعة، ووقف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بضع ساعات وهو يصافح ويتلقى التهاني من ضيوف الحفل، لم تكن مصافحته على الماشي وانما كانت وقفة تبادل احاديث مع ذلك الكم الهائل من المهنئين الوطنيين والأجانب، وقد كانت وقفتي مع الرئيس تبادل ذكريات الأمم المتحدة التي كان بوتفليقة في أحد دوراتها رئيسا منتخبا للجمعية العامة. كما ذكرت سيادته بذلك اليوم التاريخي في أواخر شهر ايلول عندما احتفلت الأمم المتحدة بقبول الجزائر عضوا فيها، وكان يمثل الجزائر الرئيس احمد بن بلا ووزيرالخارجية عبدالعزيز بوتفليقة، وكنت أنا وزير خارجية الاردن الذي رئس الجمعية العامة في ذلك الحفل التاريخي، لأن الرئيس الباكستاني المنتخب العلامة ظفر الله خان، اراد ان يرئس المناسبة وزير خارجية عربي وكان الاردن احد نواب الرئيس السبعة وهكذا كان. هنيئا للجزائر استقلالها المجيد، والى الأمام في معارج التقدم والازدهار وشكرا على حسن الوفادة والاخوة العربية الصادقة.