بعودة وزارة الثقافة الى الحياة يكون المشهد الثقافي قد عاد من جديد للوطن والثقافة الوطنية التي يجب ان لا تنحصر في حدود العاصمة عمان على حد رأي الوزيرة الجديدة، وهي العودة التي طالبنا فيها مرارا وتكرارا حين كانت الاصوات تتعالى وتنتقد الوزارة ودورها وتطالب بعدم عودتها، وها هي تلك الاصوات التي انتقدت تقف من جديد الى جانب عودة الوزارة، ونحن إذ نرحب بهذه الاصوات والعودة الميمونة لنتمنى من جميع المثقفين ان يدعموا جهود الوزيرة وطموحاتها الحقيقية لخلق حالة ثقافية جديدة تؤمن بالابداع والتميز والثقافة الوطنية، تلك الطموحات التي حدثتنا عنها قبل عدة أيام حين ذهبت أنا والدكتور صلاح جرار للمباركة بعودة الوزارة والثقة بالوزيرة لإدارة دفة الوزارة، وهي طموحات كبيرة تنبئ عن أفق شمولي ينمي ارجاء الدولة الاردنية ثقافيا بحيث يشارك الجميع في التنمية الثقافية من العقبة حتى الرمثا، من خلال مجالس ثقافية في كل محافظة بحيث تخطط تلك المجالس وتنفذ في مواقعها، وحينها نرى حراكا ثقافيا وتنويريا في ارجاء الوطن.
يضاف الى ذلك المجلس الثقافي الوطني الذي قالت الوزيرة أنه سيكون الى جانب الوزارة بعد حين، وسيضم نخبة متميزة من المثقفين والمبدعين يضع تصوراته وأفكاره البناءة لكي تقوم الوزارة بتنفيذها وتعميمها على ارجاء الوطن، فضلا عن قناعتها في اشراك القطاع الخاص في العملية الثقافية، وحين أشارت الى المجالس الثقافية المزمع تشكيلها في المحافظات كانت أكثر حماسة من كل الطروحات التي سمعناها في الماضي حول دور المحافظات في تبني الثقافة كرديف حقيقي للتنمية، وسيكون لتلك المجالس صلاحيات التخطيط والتنفيذ في البيئة المحلية للمحافظة.
وأشارت الى أنه سيتم انشاء المراكز الثقافية في كل محافظة على غرار تجربة المركز الثقافي الملكي ومركز الحسين الثقافي بحيث تكون المراكز جاهزة في كل المحافظات على مدار السنوات الخمس القادمة، وهو أمر يستحق الاهتمام والدعم من البلديات على وجه الخصوص والمؤسسات الأهلية التي يجب ان تبادر الى الدعم المالي لها. والمشهد الثقافي الفاعل في أية محافظة لا بد ان ينعكس على الهيكل الاجتماعي والديمغرافي والهجرة المعاكسة الى تلك المناطق التي ستحس أنها لا تختلف عن العاصمة في المشاركة الثقافية والحضور الوطني.
وتحدثت الوزيرة عن الخطط المستقبلية للوزارة وما ستؤول إليه بعد ثلاث سنوات، وأشارت الى أنها ستشكل مجالس متنوعة في الحقول الثقافية المتنوعة، الآداب والفنون والملتقيات وهيئات التحرير والندوات وغيرها بحيث يستفاد من الجميع لكي يكون المثقف مشاركا في صلب العملية الثقافية، كما سيتم إعادة مجلة «الفنون» الى الحياة كي تكون منبرا جادا للمبدعين والفنانين، ودعم مجلة «أفكار» المنبر المتميز الذي اثبت أنه الأكثر حيوية من غيره من المنابر في دعم المبدع ونشر نتاجه بأسلوب حضاري وتعامل واضح تستحق معه مجلة «أفكار» كل الدعم والمساندة ليس فقط من الوزيرة والوزارة، وإنما من المثقفين والمبدعين والقطاعات الأهلية التي تملك المال، اذ لا نجد اجمل من بث روح الحياة في الابداعات اذا رافقها دعم مالي للكاتب وخصوصا ان ظروف الكتاب واوضاعهم تستحق الدعم، كل هذه الافكار وغيرها تستحق من المثقفين ان يدعموها ويساندوها بوعيهم وافكارهم، وخصوصا اننا نرى الكثيرين منهم يضعون الانسان في أعلى مراتب وعيهم، ويدركون ان الوطن هو عنوانهم ومستقبل فكرهم وثقافتهم.
الثقافة للجميع كما الوطن، الوطن الذي يفتح قلبه ونهجه للأطياف كلها بأريحية وديمقراطية وحرية تجعلنا نقدم الشكر والتقدير للحكومة على توجهاتها الديمقراطية المتواصلة مع قطاعات المجتمع المدني، والتي كان أخرها إعادة وزارة الثقافة الى الحياة بعد حوارات مع نخب من المثقفين استمرت طيلة الفترة الماضية.
وعلى المثقفين الا يهتموا بالأنا وصغائر الأمور، عليهم ان يواصلوا طريقهم ينبهون الناس الى واقعهم ويبصرونهم بأحوالهم وشؤونهم، ويقفون في وجه الظلم والاعتداء على كرامة الانسان، اما المثقفون الكبار عليهم ان لا يراقبوا الناس من ابراجهم، لأن المثقف الكبير لا يقبل ان يضع رأسه على وسادته دون ان يشارك أقرانه همومهم واحلامهم وآمالهم، وغياب هذه النخبة عن المجتمع يهدد المجتمع الذي سيعتمد على الثقافة الجماهيرية التي يبثها الاجنبي عبر وسائله المتعددة وأساليبه المتنوعة، وبهذا يتعرض المجتمع للخطر، ومن الخطأ ان تختزل الثقافة في أروقة النخبة مع ان حيوية الثقافة وفاعليتها مرهونة بتوسعها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، ولهذا فإن الثقافة ينبغي الا تكون معزولة عن حركة المجتمع لأن تفاعل المجتمع معها سيغذيها بأسئلة وآفاق جديدة ولا شك أن تجديد الثقافة وعودة وزارة الثقافة مرهون بتفاعلها مع المجتمع والالتصاق به، لأننا لا يمكن ان نتصور مجتمعا بلا ثقافة، كما لا يمكن أن نحصل على ثقافة بدون المجتمع.
وعليه، فإن ما نرنو إليه ثقافة شمولية تصلح للمجتمع والناس جميعا لا تعرف العنصرية ولا تعتنق العصبية او الاقليمية الضيقة ولا الانغلاق او التقوقع، تنطلق في الارجاء، تلاقح الثقافات الأخرى، تأخذ النافع، وترفض الضار، نريد لثقافتنا آلا تكون على الهامش، وان تكون قضية كل واحد منا، وان يكون للجامعات مشاركاتها، وعلى المثقفين ان يبادروا في القضايا الوطنية والانسانية والبحث عن البنية الفكرية والتجربة الحضارية التي مرت بها أمتنا، وعليهم ان يعرضوا افكارهم بوضوح وجرأة دون ان يعرضوا منابرهم للهدم والسقوط، وأن تكون أفكارهم امتدادا بين كلماتهم وافعالهم، وان يكونوا دعاة أصالة والتزام وان يسعوا نحو ثقافة خلاقة مبدعة، وان لا يتركوا جيل الشباب واقفا على اولى درجات السلم، لا بد ان يأخذوا بأيديهم ويرفعوا من همتهم وقدراتهم حتى يكونوا معهم في الطليعة ويجب الا توهن المصاعب من همتنا او تعوق مسيرتنا، فالمعوقات والتحديات التي تواجهنا اليوم كثيرة، ولكن طموحاتنا وامكانياتنا كبيرة وكل ما علينا ان نبذل افضل ما عندنا من جهد حتى تكون لثقافتنا أثرها في حياتنا.
آن الأوان لانطلاقة ثقافية شمولية في ارجاء الوطن رأسمالها الوعي والانتماء والبناء وهدفها الانسان أنى وجد، وتطبيق شعار الاردن اولا قولا وفعلا في المجال الثقافي، لأن الثقافة الاردنية كانت ولا تزال من أفضل الثقافات في المنطقة، وعلينا ان نسجل للوزارة بكل اعتزاز وإكبار جهودها عبر تاريخها الحافل منذ تأسيسها حتى هذه اللحظة في خدمة الثقافة الاردنية ونشرها ورعاية المثقفين والمبدعين ودعمهم الموصول، بعيدا عن الهجوم غير المبرر على الوزارة حتى من المستفيدين منها على مدار السنوات الماضية.
وفي الختام على المثقفين داخل عمان وخارجها ان يشاركوا في صياغة المشروع الثقافي الاردني الذي تتبناه الوزارة والوزيرة الطموحة التي ترغب ان يحقق هذا المشروع طموحات جلالة الملك عبدالله، وان يتكاتفوا ويرتقوا بأفكارهم وافعالهم لصالح الوطن وصناعة النجم وخلق ثقافة اردنية حقيقية تمايز اعظم الثقافات. وهنا نطالب بدعم الوزارة دعما تستحقه كي تتمكن من تطوير المنتج الثقافي وتعميمه وتحويل الثقافة الى نظام حياة تؤثر وترتقي بالانسان وترفع من قيمته وسويته، والمطلوب أيضا ان ترفد الصحافة الثقافة من خلال التشويق الصحفي للثقافة، والصحافة صناعة تملك اوسع الامكانات في نشر ثقافة الانسان وتنمية وعيه، والأمل بالصحافة ان تقف الى جانب المنجز الثقافي كي تضيئه وتعممه وتنشره الى اكبر مساحة ممكنة، ولنبارك للمثقفين عودة وزارتهم، ونقول للوزارة نحن بانتظار تحقيق هذه الطموحات التي تعيد للمشهد الثقافي حياته وروحه.