جميل حمد - من منا لا يعرف غطرسة وازدواجية سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ او ''ثرثرة فوق النيل'' او ''اللص والكلاب'' ،و''قشتمر''تلك الرواية الصغيرة التي تضج بالحب الجارف بالحياة. وهكذا كان محفوظ عاشقا للحياة والحكمة ،يتجلى ذلك في وصف الاديب جمال الغيطاني الذي جالسه ردحا طويلا من الزمان''لم اعرف الحكمة مجسدة الا من خلال نجيب محفوظ''
ويجمع الأديب الصحفى جمال الغيطانى في ''المجالس المحفوظية'' حوارات لم تنشر ولم تنقل من قبل على لسان نجيب محفوظ ، فهى فى الأصل حوارات كانت تجرى بينهم خلال مجالسهم الأدبية فى مقاهيهم المعهوده على ضفاف النيل او في مقاهي مصر الفاطمية وأحيائها العريقة.
الغيطاني فـي حضرة محفوظ
ولم يرد الغيطاني ان يستأثر بهذه الحوارات لنفسه او يدفنها فى أدراج مكتبه ،فينساها الزمان، بل آثر ان يشارك القراء بها ويضعها بين أيدينا كنزا ثمينا من خلاص الحوارات الأدبية الراقية الغنية فى المجالس المحفوظيه.
يروي الغيطاني في مجالسه -التي حضرها ايضا يوسف القعيد ومحمد السلماوي-عن أول لقاء جمعه بمحفوظ عام 1959 ولم يتجاوز عمره الخمسة عشرة عاما حين تقدم إلى محفوظ وعرفه بنفسه، فرحب به ودعاه إلى جلسة في المقهى ثم توطدت علاقتهما حتى صار من أقرب الناس إليه وظل كذلك وشاء القدر أن يكون آخر من قام بزيارته واللقاء به وكان ذلك، في المستشفى إذ وجده في غرفة العناية المركزة.
المجالس رحله جميلة في عالم محفوظ الذي أحب وعاش وتكلم عنه، عالم المقاهي والحواري والأزقه وشخصيات رواياته التي عاشت فيه بطريقة او بأخرى وأثرت به ، وتأثر بها.
وينقل الغيطاني عن محفوظ في ''المجالس'' مؤرخا لسيرته وحواراته ''
''يمكن تلخيص جوهر محفوظ في كلمتين (الارادة المحفوظية)، فلم اعرف ارادة قوية مثله، يتحدى الالم والمرض والعجز وضعف الحواس، هذا التحدي هو استمرار الكتابة التي تعني له استمرار الحياة ذاتها''..من مقدمة المجالس للغيطاني
شيخ الرواية كان عاشقا للحياة. يجيب على تساؤلات الغيطاني بقوله ''انت تعرفني، انني رحب الصدر، لا احمل ضغينة، اولئك الذين احببتهم ما زالوا معي اما الذين لم اتقبلهم فلا اتذكرهم''
لكن رحابة صدر محفوظ لم تشفع له، واولئك الذين لم يتذكرهم كانوا له بالمرصاد، فكان بانتظاره من يحمل الضغينة والسكين ويلوي عنق ''اولاد حارتنا '' لاسكات الكهل الذي لم يتوقف رغم اصابته التي حدت من قدرته على استخدام يده في الكتابة، وتدهور بصره وقدرته على السمع، فابدع ''اصداء السيرة الذاتية'' و''احلام فترة النقاهة'' فكانتا لحنا جنائزيا حزينا واخيرا ودع بهما محفوظ الحارات التي عشقها.
البدايات والوظيفة
محفوظ الذي ولد في عالم الحارات عام1911م بحيّ الجمالية في منطقة الحسين بمدينة القاهرة الفاطمية، كانت اسرته تقطن مدينة رشيد الواقعة على ساحل المتوسط قبل ان ينتقل الى القاهرة وينهل من أمه الامية التي لم تعرف القراءة والكتابة، لكنها عرفت حارات مصر وجالت به بين كنائسها ومتاحفها.
ويصف نجيب والدته للغيطاني بأنها كانت ''مخزنا للثقافة الشعبية.. وكانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار(...)وكانت دائمة التردد على المتحف المصري، وتحب قضاء أغلب الوقت في حجرة المومياوات (و) كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطية خاصة دير ''مار جرجس''.. وكنت عندما أسألها عن حبها للحسين و''مار جرجس'' في نفس الوقت تقول ''كلهم بركة'' وتعتبرهم سلسلة واحدة''
من أمه -اذن- استمد شيخ الرواية تسامحه الجميل فلم يعرف التعصب، وفهم روح الإسلام الحقيقية.
وسبر التسامح مرة حين درس الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) ليتخرج منها عام 1934ويتدرج في عدد من الوظائف الحكومية.
يسأله الغيطاني ''لو رجع الزمان بك ومعك اموال نوبل هل ستختار الوظيفة ايضا؟''.
''طبعا لا..مستحيل ان اسلك طريق الوظيفة''.
اولاد حارتنا..والجدل
وصعد نجم محفوظ بعد كتابة روايته الشهيرة ''أولاد حارتنا'' التي نشرت عام 1959 م والتي منعت وأهدر دمه بسبب جدل رمزية الرواية التي فسرها البعض بأنها تعبر عن موقف رافض للإيمان، وهو ما رفضه محفوظ.
وكان محفوظ أديبا ليبراليا، ومناصرا لحقوق المرأة، واثارت مواقفه السياسية من قضية السلام جدلا واسعا بين المفكرين والادباء في ذلك الوقت.
ويقول للغيطاني ''لا مهرب من الحياة العامة، الاديب ليس منعزلا..انه مواطن'' .
الاستحقاق
والزمن وحده كفيل بالكشف عن كنوز رحلة محفوظ ، فقد كان مدافعا عن قضايا الانسان، وعولم الحارة المصرية بمكوناتها وتفاصيلها في آن، ودفع استحقاق الادب وارتباطه بالسياسة مرات عدة ، كما يشير في حواراته مع الغيطاني حيث يروي محفوظ قصته مع المشير عبد الحكيم عامر،الذي قال ''الجدع ده زودها قوي ولازم يتربى'' بعد الضجة التي اثارتها ثرثرته ''فوق النيل'' .
يقول الغيطاني ..
لم أعرف الحكمة مجسدة الا من خلال نجيب محفوظ، خلال السنوات الاخيرة في عمره، كان يهل علينا في موعده، السادسة تماما، يتبعه حارسه الخاص، هو الذي أمضى عمره كله ساعيا في الشوارع والأسواق، والمقاهي، غير ان الأمر تبدل منذ عام اربعة وتسعين من القرن الماضي، بعد حادث الاعتداء البشع، غير ان هذا الحادث كشف لنا عن نجيب محفوظ. كنا رغم الرفقة نستشعر وجوده وندرك معناه، لكننا رأيناه منذ ذلك الحين مجسدا، يمكن تلخيص جوهره في كلمتين: ''الارادة المحفوظية''. لم أعرف ارادة قوية مثله، تتحدى الألم والمرض والعجز وضعف الحواس، هذا التحدي هدفه استمرار الكتابة التي تعني بالنسبة له الحياة ذاتها.
مع دنوه من بداية العام الثالث والتسعين كنت راغبا في محاورته، رغم اننا في حوار دائم، ولكنني أعني طرح أسئلة محددة لأطلع القراء على ما يفكر فيه، على رؤاه للعالم من هذا الموقع الزمني والمكاني، خلال السنوات الأخيرة أحرص على خصوصية العلاقة، ان أنأى بها بعيدا عن أي مظهر إعلامي خاصة.
عندما يتمكن من الاصغاء الى السؤال فانه يجيب بوسيلتين، اما بسرعة خاطفة او ينتظر قليلا، مدة قد تطول او تقصر، وأحيانا نتصور انه لا يريد الاجابة، غير انه يفاجئنا بعد مدة، وفي كلتا الحالتين ينطق بالحكمة، وأحيانا نتصور انه قال كل ما عنده، غير انه بعد فترة يعود الى ما سألناه عنه، فنعرف على الفور ان ذهنه كان مشغولا بما سألناه عنه.
محفوظ ..الانسان المعزول
في البداية استفسرت منه عن جملة قالها تعليقا على بعض الأحداث المنطلقة من الرؤية السياسية على الأدب وليس من خلال رؤية أدبية، ثم قال: ربما يكون رأيي هذا غير مطلق، ولكنني أفكر في رفض صنع الله لجائزة الرواية، لقد كان موقفا سياسيا، وكان انفعال الناس بالموقف من منطلق سياسي ايضا، لكن لم يتوقف أحد ليتناوله كأديب. اسأله عن رأيه في موقف صنع الله ابراهيم. يقول انه اعجب بالموقف في حد ذاته، ان يقدم أديب على رفض مائة الف جنيه انطلاقا من رؤيته فهذه قيمة تستحق التقدير وقدوة، اما البيان الذي ألقاه وبرر به أسباب الرفض فيمكن ان نتفق او نختلف معه كل حسب رؤيته، بالنسبة لي فانني أقدر الرفض من أجل موقف.
استفسر منه عن أحوال الحياة الأدبية بالنسبة لما يصله منها.
يقول : لا تنس انك تتحدث الى انسان معزول، لا استطيع متابعة ما يصدر.
أجادله : هل انت بمفردك المعزول.
يستفسر عما أقصده.
رحلة المداد لسبعة عقود
أقول ان اعمالا أدبية كثيرة، بعضها جيد، تصدر ويلفها صمت كثيف، ومنها ما يسقط في النسيان لعدم وجود حركة نقدية. كيف ترى الحركة الأدبية عبر سبعة عقود تمارس فيها الكتابة بدون انقطاع؟
يقول : لا شك ان التوازن بين الابداع الأدبي والنقد أثمر حركة نشطة وصحية شهدت أجيالا متتالية، لكنني أتفق معك في ان غياب النقد الأدبي لأسباب كثيرة كان له تأثير أدبي، أعتقد ان جيلنا كان اكثر حظا، وجيلكم أنتم محظوظ ايضا، لكن ما أفكر فيه هو الكتّاب الجدد الذين يعانون الاهمال النقدي والاعلامي.
سألته : كيف ترى رحلتك مع الأدب؟ قال : كانت شاقة جدا ومثمرة، وتلقيت جزائي..
سألته : أي نوع من الجزاء بالسلب أم بالايجاب؟ قال على الفور : بالايجاب طبعا.
سألت : هل تعتقد ان الوظيفة عطلتك أم أفادتك؟ قال : عطلتني وأفادتني.
الوظيفة اعانتني على مواجهة الحياة
سألت : كيف؟ قال : طبعا أخذت الكثير من وقتي، وقت كان ممكنا ان اخصصه للأدب، لكن من ناحية اخرى أتاحت لي فرصة التعرف على مواقف ونماذج بشرية عديدة كان لها أثر فيما كتبت كما انها أعانتني على مواجهة الحياة.
قلت : أذكر عند بلوغك سن المعاش في بداية السبعينات انك كنت مبتهجا وسعيدا، وأنك قلت لي انه بامكانك المشي كما تريد بدون التقيد بمواعيد حضور وانصراف، وان لديك العديد من المشاريع سوف تتفرغ لكتابتها، الحرافيش كتبت بعد المعاش، لو افترضنا انك عدت مع الزمن، او عاد بك الزمن وأنت معك ظروف مادية ميسورة توفرت بعد جائزة نوبل، بمعنى لو رجع الزمن ومعك اموال نوبل، هل ستختار الوظيفة ايضا؟ قال : طبعا لا ..
مستحيل ان أسلك طريق الوظيفة، ما كنتش أستمر كموظف.
سألت : هل الوظيفة عملت عندك نوعا من الازدواجية؟ يعني أنت كنت موظفا ملتزما جدا، ولعل سجل خدمتك أنظف سجل لموظف مصري، في نفس الوقت كنت تكتب ''فضيحة في القاهرة'' و''ثرثرة فوق النيل'' وتواجه الواقع في كتاباتك بشجاعة. قال : هذا طبيعي، الوظيفة وظيفة، والكتابة كتابة.
شيوخ الشيخ ..
سألت : الآن، هل تفكر في بعض الأدباء الكبار الذين عاصرتهم على المستوى الشخصي وكان بينك وبينهم علاقات؟ يجيب : لم تكن بيني وبين الأدباء الكبار في جيلي علاقات خاصة.
قلت : ماذا عن سلامة موسى؟ قال : كانت علاقة احترام وتلمذة من جانبي، لكن لم تكن هناك علاقة شخصية؟
قلت: وماذا عن طه حسين؟ قال: علاقة تلميذ بأستاذه.
قلت: اذن من يحضر في ذاكرتك الآن أكثر.
قال: الباقون في الذاكرة أنت تعرفهم، طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى. سألت: لكنني لاحظت انك تعتز بتوفيق الحكيم أكثر، وعندما أهداك قلما في عيد ميلادك احتفظت به الى جانب الأوسمة والنياشين. قال: لأنه فنان.
قلت: والآخرون؟.
قال: منهم المفكر والفنان، ومنهم الفنان المفكر أو المفكر الخالص.
لم أسع لعلاقة مع العقاد
قلت: رغم احترامك العميق للعقاد فانك لم تسع الى اقامة علاقة به، وعندما رأيته في مكتبة الانجلو لم تستجب لرغبة مديرها في أن يعرفك به.
قال: العقاد كان شخصية عظيمة، مفكرا، جريئا، قوي الارادة، لكنني لم أعرف الطريق الى ندوته الاسبوعية ولم أشعر برغبة في اقامة صلة شخصية.
يكفي العلاقة الروحية.
سألته: وماذا عن الذين لم تتقبلهم؟.
هنا صمت قليلا. قلت مداعبا: الموظف اشتغل.
قال: لا.. أبداً، انت تعرف انني رحب الصدر، ولا احمل ضغينة، أولئك الذين أحببتهم ما زالوا معي حتى الآن، المنفلوطي بالنسبة لي الآن هو المنفلوطي الذي أحببته وأنا صغير السن، أما أولئك الذين لم أتقبلهم فلا أتذكرهم.
قلت: بعد تجربتك الطويلة في الأدب والمواقف العامة، هل ترى انه من الأفضل للأديب ان يعلن عن مواقفه في القضايا العامة مهما كلفه ذلك، أم يعبر عن هذه المواقف في أدبه؟. قال: لا مهرب من الحياة العامة، الاديب ليس منعزلا، انه مواطن، يعني لو ان له موقفا سياسيا سيعلن عنه، لو كان عضوا في حزب او ينتمي الى جماعة.
الابداع لا يقبل الوقوف في منتصف المسافة
قلت: اذن لنفترض شيئا آخر، لو ان اديبا رأى الفساد والخلل، هل يتصدى له بكتابة المقالات والنشاط العام، أم يدخر موقفه للكتابة الابداعية؟.
قال: لو ظروفه تسمح باعلان موقفه من خلال المقال واتخاذ الموقف فعليه ألا يتأخر، وان يقول ما يتفق مع ضميره، يعني لو انه يعمل صحفيا مثلك فعليه ان يرفع الصوت بقدر الامكان. اذا لم يكن صحفيا وليس لديه منبر، فالادب الابداعي مجاله، على الاديب ان يتبع ضميره مهما كان الثمن، الابداع لا يقبل الوقوف في منتصف المسافة. بالنسبة لي انا تكلمت وكتبت.. قلت: بعد ان ظهرت رواية (فضيحة في القاهرة) أو ''القاهرة الجديدة'' كما أسماها الناشر، حُقق معك في وزارة الأوقاف عن مضمون الرواية، لكن من حسن الحظ ان المحقق كان شقيق الدكتور طه حسين، فترفق بك وطلب منك الكتابة في الحب، والابتعاد عن نقد المجتمع والموضوعات التي تجلب وجع الدماغ، ما تأثير ذلك عليك وقتئذ؟. قال ضاحكا: ما رأيك أنت؟.
قلت: رأيي ان ذلك لم يؤثر فيك، وأنك في ابداعك لم تتهاون. هنا مال قليلا الى الامام وقال: بعد ان كتبت ''ثرثرة فوق النيل'' ونشرت في الاهرام مسلسلة وكان ذلك بفضل محمد حسنين هيكل، الحقيقة ان هيكل هو الذي اتاح الابداع الادبي الناقد للاوضاع في الستينات، هل تذكر بنك القلق والسلطان الحائر للحكيم؟.
المشير تستفزهoثرثرة'a الشيخ
قلت: نعم، واذكر ''اولاد حارتنا'' و''اللص والكلاب'' و''ميرامار'' و''الشحاذ'' وقصصك القصيرة التي كنا ننتظرها ونفسرها من خلال ما لا نستطيع ان نعلنه، اذكر قصة رائعة كتبتها بعد عودتك من اليمن، كنت تعارض فيها ارسال الجيش المصري الى اليمن.. قال: المشير عبدالحكيم عامر فيما نما الى علمي، بعد ان ابلغوه بمحتوى ''ثرثرة فوق النيل'' او ربما قرأها، قال: ''الجدع ده زودها قوي ولازم يتربى'' لقد أخذني احد معارف الدكتور حسن صبري الخولي الذي كان مقربا من جمال عبدالناصر..
قلت: كان يشغل منصب ''الممثل الشخصي للرئيس جمال عبدالناصر..''.
قال:نعم، نعم، أخبرني صديق مشترك من شلة العباسية ان قراراً كان قد صدر باعتقالي، وان تدخلاً جرى من الدكتور ثروت عكاشة عند عبدالناصر شخصياً، وتدخل عبدالناصر ليوقف الاجراء، كانت وجهة نظر ثروت عكاشة انه لا يليق البطش بروائي بسبب رواية ومن قبل من؟ من قبل عبدالناصر.. قلت: لكنك منعت من الكتابة في زمن انور السادات.. قال: نعم، عندما وقعنا على بيان عام اثنين وسبعين نؤيد فيه مظاهرات الطلبة وندعو الى حسم حالة اللاحرب واللاسلم، لقد فصل الرئيس الراحل اكثر من مائة كاتب وصحفي، انت كنت بينهم.
استيقظت لاجد نفسي منحرفا
قلت ضاحكاً:نعم.. لقد اطلقت عليها حادثة اربعة فبراير، لان القرار نشر في الصحف صباح الرابع من فبراير عام ثلاثة وسبعين، استيقظت من النور لأجد نفسي منحرفاً، كانت العناوين تقول ''اجراءات حاسمة ضد المنحرفين'' وانه تقرر فصلنا من عضوية الاتحاد الاشتراكي وبالتالي فصلنا من الدور الصحفية، الطريف انني لم اكن عضواً في الاتحاد الاشتراكي، ولا في أي حزب حكومي حتى الآن.. قال'' ولا أنا... قلت: لقد فصلوك مع توفيق الحكيم سراً، لم ينشر اسماكما في القائمة... قال: كانت نصيحة الدكتور كمال ابو المجد الذي كان يشغل منصب وزير الاعلام وقتئذ، وهو رجل زكي.
قلت: جميع رواياتك وقصصك نشرت في الاهرام تحت رئاسة تحرير الاستاذ هيكل، لكن بعد مغادرته الاهرام، نشر لك روايتان خارج الاهرام:''الحب تحت المطر'' و''المرايا''، هل كان ذلك موقفاً من المرحوم يوسف السباعي ضدك.
قال: لا.. كان ذلك رأي الدكتور لويس عوض باعتباره المستشار الثقافي للاهرام، اعترض على نشر ''المرايا'' فقام الاستاذ رجاء النقاش بنشرها في مجلة الاذاعة والتلفزيون، نشرها باحتفاء كبير، ورسم الشخصيات الفنان سيف وائلي. اعترض ايضاً على ''الحب تحت المطر'' وكانت مجلة الشباب حديثة الصدور وقتئذ ويرأس تحريرها المرحوم صلاح جلال، هكذا.. قلت: يبدو ان الدكتور لويس عوض لم يكن رأيه ايجابياً في ادبك.. هنا صمت نجيب محفوظ، وهذا صمت اعرفه جيداً عندما يفضل الا يفصح. بعد قليل قال ''الله يرحمه'' كنت قد نسيت ، فتساءلت ''من؟''، قال: الدكتور لويس عوض..'' عدت لأسأل: اذن انت رأيك ان الاديب يجب ان يقول رأيه في ظل انعدام قوى سياسية فاعلة.
أقول فـي oوجهة نظرa كل ما يشغلني
قال بحسم: طبعاً يجب ان يتكلم، ان يقول رأيه. بعد صمت قال: اعتقد ان ما اكتبه يوم الخميس من كل اسبوع في ''وجهة نظر'' اتاح لي ان اقول رأيي في كل ما يشغلني ويشغل الناس.. قلت: هذا صحيح، ولكنك في السبعينات عندما كنت تكتب صفحة كاملة بعنوان المفكرة اغضبت الحكومة.. لم تعجبهم اراؤك..
او مأ لكنه لم يتكلم، هنا سألته: ''لماذا بدأت كتابة المقال بعد خروج الاستاذ هيكل من الاهرام عام اربعة وسبعين؟'' قال: شوف، الاستاذ هيكل لم يطلب مني ولا من توفيق الحكيم أي شيء، بالنسبة لي كنت انشر الرواية والقصة، لكن بعد ان جاء يوسف السباعي اجتمع بنا وقال انه ليس من المعقول ان نوجد في الاهرام والا نكتب مقالات، طلب منا ان نكتب، وخصص لكل منا يوماً تحت عنوان المفكرة. قلت:''شوف الروائي يعمل ايه في زمايله؟''. مرة اخرى يعلق قائلاً''آه'' ولم افهم ، هل الاه مقصود بها الموافقة ام يريد ان يخبرني انه سمع، ولأنني اعرف نغمات صوته، فأقول بالاحتمال الثاني. قلت: طبعاً كتابة مقال بهذا الحجم كان امراً مجهداً جداً.. قال:''طبعاً''. هنا آثرت الانتقال الى موضوع اخر.
كنا كموظفين في نعيم
قلت: استاذ نجيب، لقد عشت ثورة 1919 وانت صبي، وعشت الازمة العالمية الاقتصادية سنة 1929، وعشت توقيع المعاهدة عام 1936 والغاءها عام 1951، والحرب العالمية الثانية، وحرب 1948 وثورة 1952، وعدوان 1956، وحرب 1967، الان وانت تمعن النظر في كل ما مر من احداث بمصر، كيف ترى مصر الآن؟ بعد لحيظة صمت، قال بتأن بليغ: مصر الان في ازمة يا جمال، في ازمة شديدة، لا يمكن الحكم على المستقبل من خلال الحالة التي نمر بها الان. سكت لحظة ثم قال: ''الواحد بيحب يكون متفائلاً دائماً::'' سألته: هل مرت ظروف اصعب من تلك التي نمر بها الان؟ بعد لحظات قال: ''لا..
الازمة الاقتصادية في بداية الثلاثينات كانت عنيفة، لكن لم نشعر بها نحن الموظفين، ولا سائر ابناء الشعب من الطبقة المتوسطة او الفقراء، التجار الكبار خاصة تجار القطن هم الذين تأثروا بها، اما نحن الموظفين فلم نشعر بها، المرتب اول الشهر كان ضمانة، وكان يكفي تماماً، كنا كموظفين في نعيم ، تخش في شيكوريل او شملا يستقبلوك بالاحضان، مع انك كموظف بتشتري بملاليم، بس اهه بتشتري، ما هو فيه مرتب ثابت. الان..
الموظفون حالهم زي ما انت عارف، وكما الطبقة المتوسطة..''. قلت: عندما بلغت الخمسين في عام واحد وستين، اقام لك الاهرام حفلاً كبيراً، ودعا الاستاذ هيكل كبار شخصيات مصر ورموزها للاحتفال بك كنت في صدارة المشهد الثقافي ولاقيت التكريم على اعلى مستوى وانت دون الخمسين اذا قارنت وضعك ووضع ابناء جيلك بجيلنا الا ترى اننا تعرضنا لعملية تهميش.
تساءل بدهشة وربما بمسحة سخرية: أنت متهمش؟
قلت : حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي كان الوصف الذي يطلق علينا ''الادباء الشباب'' هذا وصف اطلق في منتصف الستينات ولم يتغير لمدة عشرين عاما. قال : انتم الآن الذين تمسكون بمقاليد الامور ومفاتيح الحياة الثقافية انت رئيس تحرير جريدة أدبية كبرى.
قلت: هنا وضع دقيق بالنسبة لي انا رئيس تحرير كمهني وقد تعلمت منك ومن يحيى حقي الا استخدم المنبر الذي اشرف عليه للدعاية لشخصي كان هذا موقفك عندما توليت الرقابة على السينما ومؤسسة السينما وهكذا كان موقف يحيى حقي خلال رئاسة تحرير المجلة خلال عشر سنوات لم انشر الا عددا محدودا جدا من النصوص القصصية تعد على اصابع اليد الواحدة مستحيل نشر مقال عني او حتى خبر ان علاقتي بالمؤسسة التي اعمل بها تختلف عن علاقتك أنت الكتاب بالأهرام انا صحفي محترف ولست كاتبا متفرغا. قال: ولكن جيلكم يمسك الاجهزة الثقافية الآن.
الدولة تمارس دورها فـي الثقافة من بعيد
قلت: هذا حقيقي اذا اعتبرنا المجايلة هي السن ولكن المناخ الذي نعيشه مختلف، المؤسسة الثقافية بأجهزتها الآن يديرها ابناء الجيل.
ولكنها ثقيلة الوطأة وفي مجتمع المفترض انه يأخذ بالاقتصاد الحر والحرية السياسية نجد المؤسسة الثقافية تتخذ مواقف من الادباء طبقا لولاءاتهم الولاء لوكيل وزارة وليس للنظام. قال: يبدو ان الثقافة الان اكثر حكومية ما تصفه الان تأثير الروح الوظيفية.
قلت: لنأخذ الأمر بصورة اخرى. في النصف الاول من القرن الماضي ازدهرت الثقافة المصرية من خلال دور نشر خاصة، وجمعيات اهلية، وكان تدخل الدولة محدوداً جداً، على سبيل المثال كانت الادارة الثقافية في وزارة المعارف العمومية تشتري بعض النسخ من المجلات الثقافية كنوع من الدعم، وكانت العملية التعليمية جزءاً اساسياً من الحركة الثقافية. هل تفضل قيام واستمرار الثقافة من خلال مثل هذه الجهود أم الوضع القائم الان الذي تتدخل فيه الأجهزة الثقافية في ادق تفاصيل الواقع الثقافي، حيث تنفق الملايين على انشطة مظهرية لا تؤدي الى انتاج ثقافي حقيقي. قال: بالتأكيد أفضل الوضع الاول لان هذا يؤدي الى حياة ثقافية طبيعية تؤدي الى خلق مناخ حقيقي والى فرز الغث من السمين من الافضل ان تمارس الدولة دورها في الثقافة من بعيد.
قلت: اضف الى ذلك تأثير الاعلام، الالحاح على نشر الاخبار عن بعض الادباء او الموظفين أهم من النتاج الثقافي او النشاط الثقافي. قال: يمكن للاعلام ان يكون مساندا للثقافة اذا ادير بسلامة نية ونزاهة، انه من العناصر الهامة في خلق المناخ السليم.
بعد لحظات صمت سألته عن احوال الكتابة الآن.
قال : الكتابة الان محصورة في الاحلام افكر في الحلم احفظه جيدا ثم اكتبه عمياني يعني من الذاكرة كتبت سبعة وتسعين حلما هكذا لكن الاحلام الثلاثة الاخيرة امليتها على الحاج صبري لأن يدي لم تعد تساعدني .
قلت: انها المرة الاولى التي تملي فيها نصا على شخص اخر.
قال: نعم.
شعرت بأسى في صوته حاولت تغيير الموضوع، قلت: هل الاحلام مستمدة من احلامك فعلا ام متخيلة؟ قال: لا أحلام حقيقية، الحلم حل مكان الواقع.
قلت: ولكن مادة الحلم هشة والانسان ينساها بسرعة.
قال: أنا اكتب ما اتذكره تركيزي الآن على الاحلام استمد مادتي منها يظهر انا ''فوّلت'' على نفسي عندما كتبت ''رأيت فيما يرى النائم'' وجلجلت الضحكة المحفوظية الشهيرة عدت لأسأله: لكن عندك افكار كثيرة لم تكتب.
قال: معظم المادة من الاحلام هذا ما اقدر عليه الان لا اقدر على اكثر من ذلك.
قلت: لكن الأحلام القديمة في ''رأيت فيما يرى النائم'' ليست حقيقية.
قال: بالضبط، انها تأليف.
نجيب محفوظ عشق رائحة الكنانة ونيلها فلم يغادرها (1-2)
12:00 6-2-2008
آخر تعديل :
الأربعاء