نسرين الضمور - ما زال الطب الشعبي حتى في القرن الحادي والعشرين يزاحم الطب الحديث. فالاطباء الشعبيون لهم شهرة علم كما الاطباء العاديين ممن لمعت اسماؤهم الا ان الاختلاف يكمن في ان الفئة الاولى عيادتها بيوتها ولا أجرة او كشفية مقدما ولا سكرتيرة اوهواتف واضاءة ودفاتر ومواعيد مراجعة.
والاطباء الشعبيون لهم قاموس خاص بتسمية الامراض فالزحار الحاد اسمه (أبو مزراق ) ومرض التهاب الزائدة الدودية (ابو الحقي) والشلل النصفي في الوجه (أبو الوجوه) والتيفوئيد (النخارة) وداء الحمرة (الحميرة) اما التهاب الطحال فيسمونه(ابوطحيل) إلى غير ذلك من الأسماء، كما يقول الباحث نجيب القسوس في رصده للتراث الشعبي في منطقة الكرك.
ويشير القسوس إلى ان الناس كانوا لا يذهبون إلى الطبيب الا في الحالات الاضطرارية القصوى اوعندما يعجز الطبيب الشعبي عن ايجاد الوسائل الكفيلة للمعالجة.
ويعتمد ''الأطباء الشعبيون'' على الطبيعة ويستمدون وسائلهم منها، كالأعشاب التي تغلى على النار ويوصف شرابها، أوتجفف في الشمس ثم تستعمل ذرواً فوق الجروح، أو على شكل سفوف بالفم، إضافة للكثير من الوسائل المحلية الأخرى مثل الكي بالنار والحجامة و تجبير الكسور وإصابات العظام والمفاصل.
ويدافع الاطباء الشعبيون عن مهنتهم قائلين ان ''معظم العقاقير الطبية المتداولة في الطب الحديث هي في مجموعها مواد نباتية او معدنية او كيماوية وان هذه الاعشاب تحوي عصارات نافعة وبعض الزيوت الطيارة مما يدخل في تركيب معظم الأدوية والعقاقير''.
ووفقا للعديد من المواطنين في محافظة الكرك فإن هناك أشخاصا تخصصوا في الطب البديل ويمارسونه بمهارة وإتقان.
ومن اكثر الامراض التي يلجأ فيها الناس للطب الشعبي تجبير الكسور اذ لا تكاد تخلو مناطق الكرك من وجود المجبر.
علي إبراهيم يقول ''ان التجبير يتم باستخدام ادوات ووسائل غاية في البساطة''، وقد لجأ الى هذه الطريقة ذات مرة حيث يبدأ المجبر بتدليك موقع الكسر باستخدام الماء الفاتر والصابون والملح لإرجاع العضو المصاب الى موضعه الأصلي ثم يقوم بتحضير الجبيرة والتي يستعمل فيها مبروش الصابون العادي مع بياض البيض وبعد مزجه جيدا يمده فوق خرقة ناعمة يضعها فوق الكسر وبعد ذلك يأتي بجبائر يصنعها من الخشب حسب القياسات والأطوال المطلوبة فيضعها حول الكسر ومن ثم يثبتها بالضمادات والربط.
ويوضح ان مزيج البيض والصابون عندما يجف يصبح قاسيا كالجبس الطبي تماما ويمنع العضو المكسور من الحركة حتى يجبر.
ويشيع استعمال التداوي بالنار ويتم ذلك كما وصفها احد الاشخاص بطريقة الكي في مواضع مختلفة من الجسم تبعا لمكان الالم فالمصاب بالتهاب اللوزتين والصداع النصفي يتم كيه في مؤخرة رأسه فوق العنق وفي منتصفه ويتم ذلك باستخدام مسمار طويل يوضع في النار من طرفه غير المدبب حتى يحمر ثم يلصق في مكان الالم، وفي هذا السياق يأتي علاج العصب الوركي الملتهب (عرق النسا) بنفس الطريقة مع اختلاف بسيط فالمداواة بهذه الطريقة تكون بكي المفصل الواقع تحت الساق وعلى مفصل الفخذ بجانب عظام الحوض.
ما الكي في حالات الام البطن الشديد فتتم بوضع سيخ من الحديد في النار حتى يحمر ويوخز به مكان المغص على شكل نقاط متباعدة اما بالنسبة لكي المفاصل (الصبره) وتستعمل فيها القدحة وهي زهرة تؤخذ من شجرة برية تسمى (القريعا) تنبت في فصل الربيع وهي قابلة للاشتعال فتؤخذ قصعة منها وتلف بحجم كرة صغيرة وتوضع فوق المفصل المصاب وتضرم فيها النار وتبقى مشتعلة فوق الجلد الى ان تنطفىء من تلقائها وفي هذا الصدد يقول احد الاشخاص ممن تداوى بهذه الطريقة انها شفته تماما لكنه تحمل الاما كبيرة تفوق الم المرض ذاته.
اما الحجامة او كاسات الهواء فهي الاكثر شيوعا وخصوصا في علاج الرشوحات والنزلات الصدرية والتهاب الشعب الهوائية ولهذه الطريقة نوعان كاسات الهواء وكاسات الدم وطريقتها تتم بالاتيان بعدد من كؤوس شرب الشاي وقد يكون هناك انواع خاصة لهذه العملية ثم يكشف عن ظهر المريض وتشعل قطعة من الورق وتلصق فوهة الكأس على ظهر المريض حتى تسقط وهم يعتقدون بذلك انها امتصت الالم من الجسم لذا يكررها عدة مرات والحالة الثانية تتم بشرط ظهر المريض باداة حادة ثم يلصق الكاسات بذات الطريقة السابقة حتى يمتص الدم الفاسد على حد زعمهم وتستمر هذه الطريقة في الرشوحات والنزلات الحادة جدا.
ويرجع الباحث في التراث نايف النوايسة ان الانسان عرفها منذ فجر الحضارة ''وكان للعرب حظهم الاوفر في هذا التطور ابتداء من ثابت بن مرة ومرورا بابن سينا وابن الهيثم وسواهم حتى هذا العصر''
اما الدكتور إدريس الازايدة اختصاص طب باطني فيقول ان المعتقدات الشعبية لا تزال مسيطرة على المجتمعات الريفية. خصوصا في مجال معالجة بعض الامراض وهذا الأمر كما قال يتسبب بحدوث مشاكل صحية وأخطاء طبية المريض في غنى عنها ،وأضاف الدكتور الازايدة ان بعض الحالات التي تراجعه تكون قد تعاطت العلاج بالطب الشعبي في أمراض ليس من السهل علاجها بالطرق التقليدية كأمراض عرق النسا والعصب السابع مبينا ان من الحالات المرضية التي راجعته كانت بادية عليهم أثار الحروق والجروح نتيجة استخدامهم كاسات الهواء والكي بالنار الامر الذي تطلب معالجة تلك الحروق والآثار الجانبية الأخرى التي تركتها قبل البدء بمعالجة الحالة المرضية ذاتها.
ويؤكد الدكتور الازايدة ان الامراض تتطلب تشخيصا دقيقا وفحوصات مخبرية للتأكد منها وهذه الأمور ليس من السهل على الشخص الذي يزعم مقدرته على علاج الأمراض من التمكن منها دون دراسة وتأهيل.
فيما أكدت مديرية صحة الكرك ان ''قوانين وزارة الصحة تمنع تحت طائلة المسؤولية ممارسة المهن الطبية دون ترخيص مشيرة الى ان نظام وزارة الصحة لا يوجد فيه ما يشير الى ما يسمى بالطب الشعبي ومؤكدة خلو محافظة الكرك من وجود مراكز للطب الشعبي.
آخر العلاج .. الكي والأعشاب
12:00 6-2-2008
آخر تعديل :
الأربعاء