إمش نحو الجنوب..
كن أيها المرتحل هناك على قدر زخم الذاكرة التي ستلتقيها.
واعلم أن القرى المجاورة للطريق الصحراوي، حتى وإن كانت حديثة المظهر، فمخبرها عميق، كامتداد حضور الناس المقيمين في تلك الأمكنة.
إمش نحو الجنوب..
تجاوز حدود محافظة الكرك، وبعدها الطفيلة، وحدّق باتجاه اللافتة التي تشير إلى قرية الحسينية، تلك التي ستراها قبل قرية الهاشمية، ومثلث عنيزه..
هنا قف وتأمل، ثم ترجل، وتنقل بين البيوت، واجلس مع أهلها، واسمع سيرة القرية، وتاريخ الناس المقيمين فيها..أنت في الحسينية.
تثبيت الإسم
يتحدث كبار القرية عنها..
يقولون بأن الاسم القديم للمكان الذي استحدثت فيه ''كان اسمه صحراء الفجيج''، أما الاسم الحديث للقرية فله تداعيات يروونها، لارتباطها ببداية استقرارهم في هذه البقعة.
يقول محمد جدوع العودات(''أبو عيسى)، وهو شيخ وقاضي عشائري،: '' أول شي حفر كبارنا بير ارتوازي غرب البلد باثنين كيلو، ولما صارت المَيّه، وطلعت هانا، جا المغفور له رحمة الملك حسين لعند الشيخ فيصل الجازي، وعنده كان بقية شيوخ المنطقة، وهذول مدّوا الميه للمنطقة.
قال الملك: (هذي اسمها الحسينية، وهان نوطنكم علشان تعمروا البلد، وتحموها، وتزرعوها).
وكبارنا اختاروا هذه المنطقة علشان الميه، والبير، وكمان الأٍرض هان مستوية، وقريبه من الشارع العام.. وهذا التأسيس كان بآخر السبعة وستين(1967م) وأول الثمانية وستين(1968م)، وأول من بنى بالقرية هو المرحوم الشيخ فيصل الجازي، وبعديه المرحوم الشيخ جدوع العودات، ومن بعد ما بنوا هذول جا كل الناس اللي الهم قدرة وبنوا من حولهم..''.
كما أن اسم الحسينية، نلاحظ أنه يتكرر على مستوى الأردن في محافظتي الكرك والمفرق، حيث نعاين في دليل مواقع المدن والقرى في الأردن، وهو من إعداد الباحث يوسف عبيد، ونرى فيه إشارة إلى قرية الحسينية في الكرك، وهي تتبع إلى قضاء مؤاب، وكذلك في محافظة المفرق هناك قرية الحسينية التي تتبع إلى قضاء أم القطين.
القدوم من أذرح
إن سيرة الترحال الى الحسينية لها تداعيات سابقة، وتشير الى مناطق أخرى قدم منها أهل الحسينية، الذين هم في معظمهم من عشائر الجازي من الحويطات.
حول الموطن السابق لأهل الحسينية، والقرى التي كانوا يسكنونها، ومنها كان قدومهم، يتحدث الشيخ محمد العودات قائلا:'' قبل ما يجوا الجازي هان، للحسينية، كانوا سكان الشراه الجنوبية، وبالتحديد أذرح والجربا.. كان أذرح هو البلد الأساسي للجميع. وكانوا بدو رحل، ولما سكنوا الحسينية، استقر بيها ثلاث عشاير من الجازي، وهم العودات والذيابات والجازي.. أما في أذرح فالعشاير الموجوده فيها هم العودات والجازي وأهل الوضحا، والشراتحه، وفي الجربا موجود الجذوان الجازي، لكن أكثر عدد سكان من عشاير الجازي هم موجودين في الحسينية''.
ويضيف أبو عيسى حول تقسيم العشائر داخل الحسينية، وكيفية توزيعهم فيها، فيقول: ''في الحي الشمالي يسكن العودات، والحي الوسط فيه الجازي، أما في الحي الجنوبي فهناك الذيابات والصباحيين والكليبات، كمان في بقية أنحاء القرية فموزعه عشائر ثانية مثل الهدبان والمراعية والعزازمة والعمامرة وغيرهم''.
الحدود
لقرية الحسينية الحديثة حدود معروفة، لكنها تمتد في تفاصيلها الى أبعد من هذه الأماكن التي يتم تسميتها، لكونها مركز لواء، وتتداخل في امتدادها مع أماكن مجاورة لها، كما سنلاحظ ذلك، لكن أهل القرية عندما يحددونها يقولون أن حدها من الجنوب هو الهاشمية ومن الشمال وادي الجحيرة، ومن الشرق مشروع تل برما، ومن الغرب امتداد أراضي الفجيج.
والقرية تشتمل في تقسيمها، وتشكيلها، على عدة أحواض ومناطق منها حوض الحسينية، وحوض بير العودات، ويمر بها من الجنوب والغرب وادي حديرة، وهذا يوجد عليه قرية قديمة تقع الى الغرب من الحسينية بعشرة كيلو مترات، كما يوجد في الحسينية وادي تل برما، ووادي الجحيرة.
خربة الدعجانية
وتقع بمحاذاة الحسينية مجموعة من التلال الأثرية القريبة منها، كتل طوَيّل، وتل حلا الجحيرة، وتل حديرة، وبجوار وادي الدعجانية يلاحظ وجود خربة الدعجانية وهي خربة كبيرة، يقول أهل المنطقة أنها رومانية، وهي متسعة المساحة، مهدمة الجدران، وحجارتها متراكمة في مكانها الذي مازالت واضحة فيه معالمها التي تشي بذاكرة زاخرة، وبتجمع سكاني قديم كان في هذه الخربة، ويؤكد ذلك حجم البركة الرومانية القديمة التي تقع في الجهة المقابلة للخربة على وادي الدعجانية الذي تم تحويل مياهه الى البركة بعد ترميمها، وهي الآن ملأى بالماء.
وحول ذاكرة الكبار المرتبطة بهذه البركة يروي الشيخ محمد العودات ما سمعه من وصف لاتساع البركة فيقول: '' كان الأولين يشربوا منها، وكانت ميتها تجي من نجل من الشوبك، وكانوا أول ما تصل الميه للبركة يولعوا نار، فلما يشوفوها اللي بنجل يسكروا القناة من عندهم، ويوقفوا الميه، وكانت كل الميه اللي بالطريق من نجل لحد البركة تمليها..''.
مبادرة الملك
البوح الذي مررنا عليه حول بركة الدعجانية، يوجهنا الى تتبع تفاصيل مشاريع المياه والزراعة والإسكان في قرية الحسينية، لأن هذه الثلاثة مشاريع لها ارتباط جذري بتكوين القرية، وبتشكلها منذ البدايات الأولى لها، حيث أننا أشرنا إلى تلك الإرادة التي صدرت أيام الملك حسين بالنسبة لتثبيت الاسم، وللتوطين في هذه المنطقة.
كما أن الذي يزور القرية سيلاحظ الامتداد الذي طرأ عليها من البنيان الذي كان في جزء منه من تعمير أهل القرية، إضافة الى تلك الوحدات السكنية غرب القرية، والتي بنيت في عهد الملك عبد الله الثاني ضمن مبادرته لإسكان ذوي الدخل المحدود، والتي شملت الحسينية حيث أقيمت هناك 30 وحدة سكنية، تم توزيع 20 وحدة منها، بحسب ما يفيد أهل القرية، وبقيت منها 10 وحدات في طريقها إلى التوزيع على محتاجيها من أهل القرية.
تل برما
أما بالنسبة للمشاريع الزراعية، والمياه، فهناك مشروع ''تل برما'' الذي يقع على مسافة 4كم شرق البلد، وهو مشروع زراعي فيه بئرا ماء، ويوجد فيه 42 وحدة زراعية، تقدر كل وحدة منها ب 25 دونما، وقد تم توزيع هذه الوحدات على أهل الحسينية من قبل وزارة الزراعة، والمشروع مستغل استغلالا كاملا في زراعة الخضروات والبرسيم، والأشجار، وغيرها من المزروعات.
وهناك آبار خاصة عليها مشاريع لأهل القرية في منطقة غرب الحسينية، بعد المقبرة في ذلك الإتجاه، كما أنه يوجد في اتجاه الجنوب الغربي للقرية بئر ماء رئيسي للشرب، وبجانبه خزان الماء الرئيسي الذي توزع منه مياه الشرب للحسينية، وإضافة الى ذلك يوجد في القرية مصنع مياه غدير الذي أنشأه أبناء المنطقة، ويوزع المياه الصحية إلى كافة أرجاء الأردن، كما أنه يتم التصدير منه إلى الخارج.
المجلس القروي
بالمرور على ذاكرة التعليم في الحسينية، يمكن الإشارة الى أن أول مدرسة تأسست هي مدرسة عسكرية قامت بإنشائها القوات المسلحة عام 1968م، وتتبع الى الثقافة العسكرية، وهي الأبنية القديمة من مدرسة الحسينية الثانوية العسكرية للذكور، أما مدرسة بنات الحسينية فهي تتبع الى وزارة التربية والتعليم وقد تأسست في فترة لاحقة تعود الى عام 1972م.
كان إستقرار الناس أولا، وبعده أنشئت المدرسة، وهذان المؤشران رسخا بنيان وجود القرية لكي تبدأ تناميها، ومن ثم تكمل بجهود أبنائها بنيتها التحتية، والإدارية.
ولكن تشكيل المجلس القروي في الحسينية احتاج الى حوالي ثمانية سنوات قبل أن يتم تأسيسه في عام 1976م.
ويتذكر أهل القرية أن أول رئيس لهذا المجلس كان الشيخ محمد حمد الجازي، وكان أعضاؤه موزعين في تمثيلهم على أعضاء العائلات الموجودين في القرية، ثم في الثمانينات تأسست أول بلدية في الحسينية، وكأن أول رئيس لها هو قطّاخ الذيابات.
سيرة قرية الحسينية
تقع قرية الحسينية جنوب الأردن ضمن لواء الحسينية، في محافظة معان، وتتبع الى بلدية الحسينية الجديدة.. وإحداثيات موقعها على خط الطول 35 درجة و48 دقيقة شرقا، ودائرة العرض 30 درجة و36 دقيقة شمالا.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان الحسينية 5851 نسمة (3002 ذكورا و 2849 إناثا)، يشكلون 859 أسرة تقيم في 1107 مساكن، ومعظم سكان القرية من عشائر الجازي،الذين يعملون في الزراعة، وتربية المواشي، والوظائف الحكومية.
التربية والتعليم:
يوجد في القرية ست مدارس هي مدرسة الحسينية الثانوية للذكور، ومدرسة بنات الحسينية الثانوية الشاملة، ومدرسة حفصة بنت عمر الأساسية، ومدرسة روضة الأمير هاشم الأساسية، ومدرسة بنات الحسينية الأساسية، ومدرسة حليمة السعدية.
الصحة:
يوجد في الحسينية مركز صحي شامل، ومركز طبي طوارئ.
المجتمع المدني:
يوجد في القرية الجمعيات التالية: جمعية سيدات البادية الجنوبية التعاونية، وجمعية تل برما التعاونية، وجمعية خالد بن الوليد التعاونية، وجمعية المتقاعدين العسكريين، وجمعية البادية الجنوبية التعاونية، وجمعية علي بن أبي طالب التعاونية، وجمعية الحسينية لرعاية وتأهيل المعاقين، وجمعية الراية الهاشمية الخيرية، إضافة إلى مركز للصندوق الأردني الهاشمي.
* ولكون الحسينية هي مركز لواء فإنه تتوفر فيها فروع لكل المؤسسات الرسمية من متصرفية، ومكتب بريد، ومحكمة صلح، ومحكمة شرعية، ومؤسسة استهلاكية عسكرية، وغيرها.
دعوة للمشاركة
هذه الصفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للإكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى هذا العنوان:
بوح القرى
ص. ب - 6710
عمان -11118
فاكس- 5600814
بريد الكتروني algora@jpf.com.jo
الحسينية.. استقرار بعد ترحال (1-2)
12:00 5-2-2008
آخر تعديل :
الثلاثاء