تحية وداع لحكيم العرب

تحية وداع لحكيم العرب

كانت أخبار الاعتلال الصحي للشيخ زايد آل نهيان، قد سرت منذ نحو شهر، حيث عُلم انه يخضع للعناية الفائقة من أمراض الشيخوخة . غير ان اللياقات كانت تمنع كل من علم بالوضع الصحي الحرج لـ أبي دولة الإمارات، من التصريح بهذه المعلومات . علاوة على الأمل، الذي ظل يخفق في النفوس بان تحرسه عناية المولى وأن يتمكن ب «معجزة» ما من استرداد عافيته . إلا ان امر الله قد نفذ مساء امس الأول الثلاثاء، وختم بذلك الشيخ زايد رحلته في هذه الدنيا. وما أن شاع النبأ الأليم، حتى عمت مشاعر الحزن والأسى العميق، في العالمين العربي والإسلامي، وبما يتعدى ملايين العرب والمسلمين،الذين رأوا في الشيخ زايد نموذجا متميزا فريدا للقائد الحكيم والشجاع، والذي يطوي بين جوانحه محبة غامرة وخالصة لأهله وشعبه وبلده، كما لأشقائه في العروبة والإسلام وللبشرية جمعاء . وهو ما جعل دولة الإمارات العربية المتحدة خلال ثلاثة وثلاثين عاما، من حكمه الرشيد، طرفا دائما في مساعي الإصلاح والوفاق،وحيث كان يجري على الدوام الاحتكام إلى الآراء السديدة المنزهة عن الغرض والهوى لقيادة دول الإمارات، إلا في حالات شاذة لا يعتد بها ولا يقاس عليها. وقد تبوأت بذلك هذه الدولة العربية الفتية، مكانة مرموقة ومنزلة رفيعة بين الدول والأمم، وبات نموذج البناء والتحديث الذي استنته قيادة هذه الدولة، نموذجا يحتذى به ليس فقط في حسن توظيف الموارد الطبيعية، بل كذلك في حسن استثمار الطاقات البشرية والأخذ بأفضل ما انجزته البشرية في مكافحة الصحراء، واستخدام وتطوير وسائل الاتصال، وفي مختلف اشكال الاستثمار المالي والبحري والتجاري والسياحي، مما جعل كثيراً من غير أبناء الإمارات، شركاء في تلك الورشة الهائلة. وعلاوة على ذلك، فإن قلة من الدارسين والمتابعين، هم من توقفوا عند اول تجربة اتحادية عربية، حققتها دولة الإمارات بقيادة الشيخ زايد آل نهيان، وذلك في إقامة اول اتحاد من نوعه بين سبع إمارات (كانت تسمى حتى أواخر الستينيات الإمارات العربية المتصالحة)، وبدل أن يتحول استقلال الدولة في العام 1971 إلى مناسبة لرفع الحواجز ونصب الحدود، إذ بهذه المناسبة الوطنية تؤذن بإعلان اتحاد الإمارات السبع، في نسق فيدرالي يتيح تعظيم قدرات الدولة المركزية، ويمنح الإمارات السبع فرصة النمو الذاتي، وتسيير الأمور المحلية، وفق قناعة أبناء وقيادة كل إمارة وهيئاتها التمثيلية . وإذا كانت هذه التجربة فريدة من نوعها نظرا لخصوصية مكونات هذه الدولة، إلا ان ما يستحق التنويه الإيجابي والاقتداء به هو إرادة التوحيد الطوعي الحر، التي جسدها الشيخ زايد والرهط الحكيم من حكام الإمارات، واختيار نظام سياسي مرن يصل الماضي بالحاضر، ويسمح باغتنائه وتطويره في المستقبل . ولفرادة هذه النموذج وتميزه، ولما أداه الشيخ زايد من دور مرموق وأياد بيضاء، في المؤازرة الحثيثة والمخلصة لدعم الاقتصاديات العربية، وخاصة في مكافحة مظاهر البؤس والتهميش الاجتماعي،إضافة إلى دعم مشاريع تنموية أخرى تعز على الحصر في غير بلد عربي وإسلامي، فإن مشاعر مريرة وعميقة بالخسارة سرعان ما سادت في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، فور تلقي نبأ الناعي . مع الثقة التامة بأن قادة دولة الإمارات من أبناء الاب الكبير، ورفاقه وإخوته سوف يواصلون المسيرة التي أرسى دعائمها الراحل الكبير، وعلى هدى من توجهاته السديدة، في إشاعة ثمرات الخير وبث روح العزم والأمل، في نفوس أبناء الإمارات وأشقائهم في ربوع ديارنا العربية والإسلامية، وأخوتهم من أبناء البشر جميعا .