يختلف الناس فيما بينهم حول مفهوم الثقافة وجدلية المثقف؟؟ البعض يفهمها على أنها تكدس معلومات، والبعض الآخر يفهمها على أنها حائط يزدحم بالشهادات والحقيقة ان الثقافة هي حاضر مشحون بالماضي ومسكون بالمستقبل...!! وهي بحد ذاتها سلوك حياة، وممارسات يومية يرتقي الفرد فيها بمجتمعه ليجعل منه مجتمعا مثقفا اولا ثم حضاريا.
والمثقف هو الذي استقى ثقافته من مجتمع الحارة، ومن عفوية الأمهات وصدقهن ومن حزم الآباء وتراث الجدات، وموعظة الأعمام .. ومحبة الخالات .. هذه كلها تشكل الخميرة الاولى لثقافة الفرد، وبعدها تأتي ثقافة الكتاب .. والمثقف الحقيقي هو الذي يستخدم العلم والمعرفة لأجل التغيير، وعليه ان لا يعيش لنفسه فقط انما يسخر معرفته في خدمة العامة.
اجدادنا لم يحملوا الشهادات العالية، ولم يسافروا الى الخارج لكنهم تفاعلوا مع مجتمعهم، وعركوا الحياة وعركتهم، وبنوا ثقافاتهم من تراكمات التجارب التي جادت بها خبرتهم فجمعوها في الأمثال الشعبية وتوارثوها ثم غاصوا في اعماق الكتب واستخلصوا منها العظة والصبر والحكمة .. هؤلاء يستحقون ان يطلق عليهم (المثقفين) كونهم اخذوا واعطوا.
المثقف الحقيقي تراه مشغولا دائما بقضايا وطنه وامته، هو الذي يمشي وسط الشارع يلتقط اشارات المرور، ينظم السير يقف عند الاشارات الحمراء وليس الذي يمشي على الرصيف ويراقب الناس من شرفة تطل على المتغيرات.
كلمة مثقف جاءت من الرمح المثقف اي المصقول والحاد وهذا لا يتم الا بالاحتكاك، ذلك ان الحضارة هي حالة من انتاج المثقف المادي والسلعي .. وعندما تلتحم الثقافة بالحضارة يحصل ما يسمى بـ «الابداع» فالثقافة الحضارية المجددة هي مكون اساسي من مكونات النهضة .. ومهما اسهبنا في تعريف الثقافة تظل حبرا على ورق اذا لم تدخلها في معترك الممارسة .. نحن في أمس الحاجة الى ثقافة حياتية تخرجنا من فوضى المفاهيم وتدخلنا في ثقافة الحياة ذاتها، وهذه تعتمد على جسر الهوة بين فئات المجتمع الواحد ليحصل التواصل والتضافر بين الافراد.
قد ينعزل المثقف في داخله ويعيش بين كتبه وافكاره وابحاثه محتكرا علمه لذاته فقط .. بينما الثقافي ينتشر الى خارج ذاته كوردة تنشر العطر ليعبق الكون بالشذا...!! فهل يكفي ان اكون قارئة او حاملة شهادات لأكون مثقفة؟ وانا غير قادرة ان ادير بيتا او مصنعا، واناقش فكرة، او اشارك في حديث؟؟
لكي أكون مثقفة علي ان اتعرف على مفاتيح الاشياء كي اتعامل مع الفرد ومع الكتاب ومع الآلة ومع اللوحة، ومع الحرف، ومع الآخر..!! وهل هناك من يهمه البحث في تلك الأمور ام ان اغلبنا يعيش هوامش الاحداث والاشياء وبالتالي يعيش على هامش الثقافة.
ما زالت مجتمعاتنا تفتقر الى ابجديات الثقافة لتلحق بركب الأمم المثقفة .. مرد ذلك يعود الجزء الاكبر منه الى غياب دور المرأة المثقَفَة والمثقِفَة التي يقع عليها عبء التثقيف .. فالشاعر العربي يقول:
كيف يسمو الى الحضارة شعب
ليس يأتي شعب حلائل
منه نصف عن نصفه مستور
ما لم تتقدم إناثه والذكور