التطوير الاداري مطلب ملح
12:00 29-10-2004
آخر تعديل :
الجمعة
التطوير الاداري مطلب ملح
يقول أحد تعريفات الادارة بأنها الفن والعلم والاداري المطبق في مجالات الاعمال الحكومية وهي تسعى الى تنظيم وادارة الافراد والمواد لتحقيق الاهداف التي تضعها الدولة، وللادارة تعريف محدود يحصر الحقل الاداري بـ «بحوث العلماء والخبراء الذين يدرسون طرق اعداد وتنفيذ البرامج الحكومية سواء على المستوى المركزي او المحلي». «موفق حديد، الادارة العامة، المنظمة العربية للعلوم الادارية، عمان 2000، المقدمة» وتسعى الحكومات دائما الى تطوير الادارة واصلاح الخلل الذي يعتريها، ولم تكن جهد واللجنة الملكية للتطوير الاداري المشكلة في الثمانينات ذات أثر واضح في تطوير مؤسسات الدولة كما كان يتوقع، ولذلك ظلت الجهود مستمرة في هذا المجال بالرغم من الصعوبات البالغة التي كانت وما زالت تقف في طريق التطوير والاصلاح الاداريين نظرا لما مر به الاردن وما يمر من متغيرات عاصفة، ولما كان يعد بابا من ابواب الرزق المتمثل في الوظيفة العامة.
واستمرت جهود ديوان الخدمة المدنية وديوان المحاسبة وديوان الرقابة والتفتيش «سابقا» في تطوير الادارة واصلاح كثير من الاخطاء والتجاوزات ومراقبة اداء المؤسسات الحكومية، وظلت الدعوة الى دمج المؤسسات المستقلة في جسم المؤسسة العامة للدولة مستمرة كحل من الحلول الجزئية على طريق الاصلاح الاداري، الا أن الجهود المبذولة لم ترق الى مستوى الطموحات حتى انشئت دائرة مكافحة الفساد التي انصبت جهودها بداية على الفساد المالي حيث وضعت يدها على قضايا مالية مهمة، الى ان جاء أحد مديريها واعتبر الفساد الاداري صنو الفساد المالي وكان ذلك موشرا قويا على البدء بالاصلاح الاداري.
وقد كان لمعهد الادارة «سابقا» المعهد الوطني للتدريب «الآن» دوره في تخريج افواج من موظفي الدولة بعد تدريبهم في دورات الادارة المتوسطة والعليا اضافة الى الدورات التي يستمر في عقدها للموظفين الجدد، ولو أن بعض المتدربين يقف الروتين امام توليهم القيادة والاستفادة من خبراتهم المكتسبة بعد انتهاء قدرتهم لأسباب مختلفة يقررها الرؤساء.
وقد كانت المدارس الادارية القديمة تعد الإنسان احد ادوات الانتاج بينما تعده النظريات الحديثة في الادارة محور العملية الادارية كلها وهو مركز الدائرة في التطوير التنظيمي الذي يجب ان ينسجم مع ما يؤمن به العاملون في المؤسسات العامة من قيم وما يعتقدون به من أفكار وما يحسون به من مشاعر عن طريق المخاطبة الايجابية والتعامل الهادف والمخطط وهو ما يسمى عادة بالعلاقات الانسانية في العمل، وبما ان التطوير التنظيمي وهو تقنية ادارية للفكر الاداري المعاصر قد جاءنا من الغرب فإن نجاحه يعتمد على مقدرتنا في تطويعه وتوطينه ليواكب احتياجات بيئتنا في مجال التنمية الادارية «ميرغني عبدالعال حمور، التطوير التنظيمي والخصوصية العربية، المنظمة العربية للعلوم الادارية، عمان 1987، 9 - 017».
ولما كانت الحكومة الحالية جادة في عملية التطوير الاداري فإنها قد استخدمت وزارة لتطوير القطاع العام مع مراقبة ادائه بفعالية حتى لا تستمر عملية تدبيج الردود المفبركة على مساءلة ديوان المحاسبة وديوان الرقابة والتفتش «سابقا»، حيث كانت توكل الى أحد المقربين من المسؤول الاول او الثاني في الوزارات والدوائر ولا بد لعملية التطوير الاداري من قادة اكفاء مقتدرين فكرا وممارسة لتوظيف تقنية التطوير التنظيمي في زيادة قدرات وعطاء النظام الاداري ممثلا في مؤسساته حيث القيادة هي احدى وظائف المدير التي تميز المدير الفعال عن غيره لأن وظيفته هي صنع القرارات الفعالة التي يزيد من فعاليتها اشراك المرؤوسين في عملية صنعها. «عبدالمجيد نصير، القيادة في الادارة العربية».
واذا ما علمنا ان اكثر المديرين خبرة لا يستطيع ان يختار اكثر انماط القيادة ملاءمة للمواقف التي يواجهها لأنه يتعامل مع مشاكل يومية تتعلق بالمسؤولية والسلطة وتفويضها في صنع القرارات والرقابة وتقييم الانجاز والعمل الجماعي والتفاوض للحصول على صفقات، فإن القائد هو المورد الهام والمقدس لأي منظمة أعمال، ويعزى اليه الفشل الجزئي لكثير من الأعمال لعدم فعالية القيادة لديه، مثل عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسسب.
عبدالمجيد نصير، القيادة في الادارة العربية وموقعها من النظريات المعاصرة والتراث العربي الاسللامي، المنظمة العربية للعلوم الادارية، عمان، 1987، المقدمة.
ويشكل الوقت وادارته ضرورة ماسة لأي ادارة حيث يعد من المتغيرات البيئية الخارجية للمنظمة «المؤسسة» التي لا تستطيع التحكم فيها، فالوقت محدد للجميع بشكل متساو وهو يسير بشكل منتظم نحو الأمام فقط، وقد نظمه الانسان بما يعرف بالتقويم الذي ينم على أساسه احتساب الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين.
«سهيل مهند سلامة، ادارة الوقت، منهج متطور للنجاح، المنظمة العربية للعلوم الادارية، عمان، 1988، المقدمة».
ويختلف الموظفون وقادتهم في استغلال الوقت وتوظيفه جيدا لصالح المؤسسة التي يعملون فيها، فالانشغال الزائد لبعض الموظفين والمسؤولين لا يعني بالضرورة تفانيا في العمل واداء مميزا له، بل يدل على ان لديهم فائضا من الوقت لا يحسنون استغلاله، او ان مستوى ادائهم متدن. «سهيل سلامة، ادارة الوقت».
ولكي نصل الى مستوى جيد في الادارة فإن علينا تطويع التطوير التنظيمي لقيمنا النابعة من عقيدتنا حيث القدوة الحسنة من القائد للمرؤوسين والعدل والشورى وتحمل المسؤولية والطاعة في المعروف واسداء النصيحة للمرؤسين والوسطية ومبدأ التفويض والاهتمام باشباع الحاجات المادية والفكرية والروحية للمرؤوسين «عبدالمجيد نصير، القيادة في الادارة العربية».
ويقابل هذه الشفافية والمأسسة في المفاهيم الغربية الآن، ومن مستلزمات القائد الناجح المؤهل العلمي والثقافة، ولأن البعض كانوا وما زالوا يفتقدون ذلك اضافة الى العقلية العدائية وحب الذات والكيدية فإن احد المديرين لشؤون الموظفين «سابقا» لم يصدر براءة تشكيلات لعدد من رؤساء الاقسام الا بعد مضي اكثر من سنة ما يؤثر في أوضاعهم الوظيفية أمام مرؤوسيهم على أقل تقديره الامر الذي ينعكس سلبا على العمل ذاته لأن هؤلاء المديرين لم يدخلوا في دورات تدريبية ادارية وليس لديهم مؤهلات ادارية، بل تولوا الادارة اعتباطا.
ولا يمكن لجهاز الادارة الذي يعاني من الترهل باعتراف الجميع وعدم المساءلة الجادة والمحسوبية وغيرها الكثير من الادواء ان يصلح بين يوم وليلة بل لا بد من البداية الجادة والاستمرار فيها والتركيز على نوعية الموظفين العامين وثقافتهم وانتمائهم للعمل وأمانتهم.
ولا بد أيضا من تطبيق الانظمة والقوانين التي يضعها ديوان الخدمة المدنية على الجميع، لا أن نخرجها من الادراج حين نغضب من أحدهم، وننساها حين نريد خدمة من نحب، فالانظمة والقوانين جيدة الى حد كبير بالرغم من الثغرات التي تعتورها فهي تندرج في العقوبة مثلا ولا تعطي للمسؤول حرية التصرف بمفرده وعلى مزاجه حتى لا يظلم من يخطئ للمرة الاولى ولا يتساوى في العقوبة مع من تكثر اخطاؤه وتجاوزاته نظرا للدعم الذي يلقاه كعدم احترام الوقت في العمل الذي يمكن ان ينجز في وقت أقل من خمسة أيام في الاسبوع او في خمسة ايام دون زيادة عدد ساعات العمل لو كان لدينا ما يشبه الادمان الياباني على العمل حيث سبب لهم ذلك الادمان مرضا يدعى «الكاروشي» في التسعينات تمثل في الاعباء الشديد ونوبات الصراع والحمى الخفيفة والاضطرابات العصبية فقد نشرت المنظمة الاميركية للتنمية التعليمية الدولية تقريرا يظهر ان العمل الزائد يقتل حوالي عشرة الاف ياباني سنويا.
صحيفة الخليج العدد 4686 في 7/3/1992