رانيا تادرس - الخوف والخجل والهروب من مواجهة الاعتراف بحقيقة المرض النفسي وراء رفض الكثيرين ممن يعانون امراضا النفسية او ذويهم مراجعة عيادات الطب النفسي رغم سرية العلاج لكنها ثقافة المجتمع ما تزال ترفض فكرة العلاج النفسي ، والاقرار بواقع المرض .
وتروي رغدة ( مريضة ) أنها بعدما تزوجت وتعرضت لمشاكل مع عائلة زوجه وفقدان طفلها الأول بدأ الإكتئاب يغزو حياتي بحكم عبء المسؤولية وكما انني فقدت طفلي، كنت مصدومة ارفض تقبل واقعي إلى جانب ظروف وأوضاع معيشية صعبة
وتستدرك أن فصل المعاناة تفاقم عندما رفضت عائلتي وكذلك زوجي فكرة مراجعة طبيب نفسي بعد مراجعتي لطبيب عام وتاكيده أنني لا أعاني مرضا من جسدي ، وكانت حجتهم الخوف من المجتمع ومسألة العيب الاجتماعي مما دفع بهم التوجه لحل مشكلتي ، بطريقة مغايرة حيث قرروا أن حالتي حسد وعين .
وصمتت قليلا لتقول مرت الأيام وبدأ زوجي يجلب لي المهدئات ، ولم تعد لي أي علاقات مع الجيران ولم يرسلني لأي طبيب نفسي بحكم الخوف من الفضحية ونظرة المجتمع وها أنا على الأدوية فقط لا اعلم إلى متى .
هناك عزوف من قبل المجتمع للعلاج النفسي قال مدير المركز الوطني للطب النفسي الدكتور محمد عصفور مرجعا أسباب العزوف إلى الخجل والنظر إلى المرض النفسي انه عيب اجتماعي حيث ان الناس لا يفرقون بين المريض النفسي وبين من يعاني مرض التخلف العقلي .
ويوضح الفرق فالمريض النفسي الذي يعالج يعود إلى حياته الطبيعية ويصبح انسانا منتجا في المجتمع ، اما من يعاني من تخلف عقلي فيحتاج إلى رعاية طبية مستمرة ودائمة حيث انه لا يعالج .
وحول أسباب العزوف يعتقد الدكتور عصفور أن رفض المريض النفسي لفكرة انه يعاني من خلل نفسي إضافة إلى غياب الوعي والثقافة في المجتمع والتوعية بان النفس تمرض على غرار أجزاء الجسم الاخرى .
اما استشاري الطب النفسي الدكتور وليد سرحان فيقول . هناك خجل و خوف و تردد في مراجعة الأطباء النفسيين وذلك بسبب الأفكار الخاطئة المنتشرة عن الإضطرابات النفسية . وحول الأمراض النفسية الأكثر شيوعا في الأردن يشير كل من الدكتور عصفور وسرحان إلى انها إضطرابات القلق و الإكتئاب النفسي ، وكذلك الأمراض العصابية ( الوسواس القهري ، ومتلازمة بعد الصدمة ،وكذلك الفصام العقلي .
فقيود المجتمع ونظرته السائدة عن الأمراض النفسية جعلت المريض يهرب من فكرة العلاج رغم الدرجة العلمية الحاصل عليها كما في قصة حقيقة لفتاة ريم اسمها غير الحقيقي تسرد تفاصيل معاناتها أنها كانت تحب وانفصلا وتتابع لم أكن قادرة على تحمل الفراق فتوجهت نحو التدخين وشرب الكحول لأنني اشعر بخوف وقلق واضطراب في النوم ورغم نصائح صديقاتي مراجعة طبيب نفسي فانا ارفض الفكرة والاعتراف بذلك خوفا من أطلاق لقب مجنونة خصوصا أن المجتمع لازال يفهم المرض النفسي على انه جنون وفي سياق متصل ، يقول الدكتور سرحان ان الإضطرابات النفسية لا تخضع لعمر معين قد تظهر بالعشرينات و الثلاثينيات أي فترة الشباب و العطاء ، إضافة ظهورها عند الأطفال و المسنين .
وفي خط مواز ، يقول اختصاصي الطب النفسي محمد حباشنة ان تقبل المجتمع الأردني لمراجعة طبيب نفسي أو الاعتراف بمرض نفسي ما يزال مرفوضا ، وفي حال التوجه نحو العلاج يكون بسرية تامة . ويرجع حباشنة سبب رفض العلاج النفسي إلى ضعف الإرادة لدى المريض وذويه بحكم نظرة المجتمع خصوصا أن الاعتقاد السائد عن المرض النفسي أنه ضعف ايمان داخلي وكذلك مس لذا يتم علاجه بالشعوذة .
ويرى الدكتور سرحان حباشنة أن لا إحصاءات حول أعداد مراجعي عيادات الطب النفسي في القطاع الخاص . لكن الدكتور عصفور يبين أن عدد مراجعي عيادات الطب النفسي في القطاع العام تبلغ حوالي 45 ألف حالة من مراجعات ، ودخول مرضي . مبينا أن نسبة الادخالات وصلت حوالي 1563 ألفا بينما مجموع من غادر منهم حوالي 1472 . لكن الدكتور حباشنة يقدر حالات المرض النفسي في الأردن بحوالي 40% من نسبة السكان لاسيما في ظل زيادة نسبة الفقر والظروف الاقتصادية الصعبة ، وكذلك تدني المستوى الثقافي لبعض فئات المجتمع التي تعاني من مرض نفسي يرفض تقبله .
في السياق ذاته ، ينصح استشاري الطب النفسي الدكتور نائل العدوان وعضو في جمعية أطباء النفس الأردنية المجتمع بكل شرائحه تقبل فكرة المرض النفسي بنفس والتعامل معه على أساس مرض يمكن معالجته عبر أدوية والعودة إلى الحياة الطبيعية دون مشاكل . لكن حالات إهمال المريض النفسي وتفاقم حالته قد يدفع به نحو الانتحار
ويدعو العدوان لتقبل المرض والإقبال نحو العيادات للعلاج يؤكد كل من الدكتور عصفور سرحان ، والعدوان ، ، حباشنة انه لابد من خلق وعي مجتمعي عبر برامج توعية نفسية بوسائل الإعلام المختلفة بكل التفاصيل المتعلقة بالأمراض وحقيقتها وكيفية علاجها .
والسؤال الذي يطرح نفسه الى متى سيبقى الخجل من العلاج النفسي.. الايمكن اعتباره مرضا كالامراض العضوية على غرار القلب ،أو الضغط أو السكري يمكن علاجة .!