تأثير الموسيقا العربية في الموسيقا الأوروبية.. السماءُ تغنّي.. والأرضُ أيضاً

تأثير الموسيقا العربية في الموسيقا الأوروبية.. السماءُ تغنّي.. والأرضُ أيضاً

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 18-1-2008
No Image
تأثير الموسيقا العربية في الموسيقا الأوروبية.. السماءُ تغنّي.. والأرضُ أيضاً

عز الدين المناصرة -  عندما كان الخلفاء العباسيّون يغدقون الأموال على الطبقة الموسيقية، كان القسُّ الإنجليزي لنجلاند في ذلك الزمان، يصبّ لعناته على الموسيقا، حين رأى أشراف الإنجليز يغدقون الهبات على طبقة الموسيقيين! فالموقف الديني في أوروبا من طبقة المغنين والموسيقيين، كان سلبياً، عموماً، وفي المقابل، نجد الموقف الديني الإسلامي، يتراوح بين الإباحة والمنع، إذ تمَّ المنع من قبل بعض الفقهاء في حالات خاصة محصورة، بل إن الرسول محمد (ص)، لم يأخذ موقفاً حاسماً من الموسيقا والغناء، سواءٌ لجهة الإباحة التامة، أو لجهة المنع التام.
ويمكن قراءة الموقف الإسلامي قراءة صحيحة من خلال قراءة موقف أبي حامد الغزالي (إحياء علوم الدين) من الغناء والموسيقا على سبيل المثال، فنكتشف وسطية الموقف الإسلامي. ويبدو لي أن المنع الذي قال به بعض الفقهاء المتعصّبين ، لم يكن هو القاعدة، بل كان الاستثناء، غير أن الباحث الإيرلندي فارمر ، يساوي للأسف بين الموقف الإسلامي والموقف الأوروبي من الموسيقا والغناء من الزاوية الدينية، وهذا غير صحيح. صحيحٌ أنه يمكن الاستشهاد بحوادث حول بعض المتعصبين من المسلمين، لكن التعصب الديني الأوروبي في العصور الوسطى، تجاه الموقف من الغناء والموسيقا، يفوق درجة التعصّب الآخر، بدرجات كثيرة.
أمّا المسألة الثانية التي يُفترض الإشارة إليها عند فارمر ، فهي أنه يدرس الموسيقا العربية اليهودية في الأندلس في فصول مستقلة عن الموسيقا العربية الأندلسية، مع أن هذه الموسيقا التي سمّاها الموسيقا اليهودية ، ليس لها أية صفات موسيقية انعزالية مستقلة عن الموسيقا العربية الأندلسية، بل هي نتاج المدرسة الموسيقية العربية، ليس بتأثرها التام بها، فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من الموسيقا الأندلسية العربية. ومعنى هذا أنه، لا يمكن دراستها منفصلة، ولا يمكن عدّها ملحقاً : إنّ منح صفة دينية (اليهودية)، لموسيقا دنيوية، أمر غير مقبول، لأنّ هذا التأويل المتأخر، جاء تحت تأثير محاولات الحركة الصهيونية، فصل اليهود العرب ، والأصحّ: العرب الذين دينهم: يهودي ، عن الإطار القومي العربي، الذي تقبّل دائماً، وعلى مرّ العصور، التعددية الدينية والعرقية . هذا الفصل، جاء لصالح نظرية تهويد المعرفة الصهيونية، التي أسسها الاستشراق الأورو-أميركي.
أما المسألة الثالثة، فتتعلّق بمسألة موقف الاستشراق والاستعراب الأوروبي-الأميركي من مسألة التأثير والتأثر ، حول مدى تأثير الثقافة العربية في أوروبا. هنا نجد أن الاستشراق قد انقسم على نفسه إلى فئات: فئةٌ اعترفت بالتأثير العربي، وفئةٌ أنكرت هذا التأثير بأساليب متعصبة ومتناقضة، وفئة ثالثة، وسطية مترددة وخائفة، ترفع شعار من أجل العلم والحقيقة فقط ، لكنّ تحليلاتها، التي تبدو موضوعية ظاهرياً، لم تكن جريئة في قول الحقيقة. هنا يفترض التمييز بين الاستشراق الألماني، والروسي (مثلاً)، وبين الاستشراق الفرنسي-البريطاني (مثلاً). أما هذا الإيرلندي الرائع فارمر ، فهو شخصية مختلفة، ويبدو لي أنه من الباحثين عن الحقيقة، لهذا كان أحد الباحثين الكبار في تاريخ الموسيقا العربية، وهو أيضاً، عاشق مُحبّ لهذه الموسيقا، توافرت فيه صفتا المعرفة والمحبّة، وهما من خصائص الباحث الناجح، ويجب أن نعترف أنّ كتبه عن الموسيقا العربية هي المرجع الأساس لمعظم الباحثين. وأهم صفاته الرائعة، هي أنه إذا أخطأ، يتراجع عن الأخطاء، ويعلن ذلك صراحة. وهو يناقش تيار العداء للثقافة العربية في أوروبا مناقشة جريئة، بأسلوب علمي هادئ.
ويكفي أنْ يتذكر الباحثون الأوروبيون في تاريخ الثقافة العربية، حادثتين عالميتين شهيرتين، عندما يكتبون أبحاثهم:
- حادثة سقوط بغداد على يد الاحتلال المغولي، سنة 1258 م من حيث أُحرقت ملايين المخطوطات العربية، ورُميت في الأنهار، حتى قيل: إن لون النهر أصبح رمادياً.
- حادثة إحراق مليون مخطوطة عربية في الأندلس، بعد سقوطها، بأمر من الكاردينال الإسباني زيمينس ، في يوم واحد، حسب ما دوّنه كاتب سيرة الكاردينال، إذ يضيف الباحث رينولد نيكليسون : توهماً من الكاردينال أنه بإمكانه إبادة ثمانية قرون من الحضارة الإسلامية في الأندلس في يوم واحد! . وهكذا، اعتقد الباحثون المعادون للثقافة العربية في إسبانيا، أنهم يستطيعون ترميم الثغرة التي نشأت عن إحراق المخطوطات العربية، بأكاذيب ومعلومات مفتعلة، لكنّ التيار العروبي في الاستشراق الإسباني، تصدّى لهذه الأكاذيب وفنّدها. ويكفي الثقافة الأندلسية فخراً، أن يُجاهر شاعر إسبانيا الأول في العصر الحديث لوركا ، بأن في عروقه دماً عربياً، وأن تكون صورة العرب في شعره صورة مشرقة، يعدّها جزءاً من موروثه الأندلسي-العربي. أما ما تبقّى من مخطوطات عربية في بغداد والأندلس، فقد سرقها الأوروبيون لاحقاً، بالتدريج، إذ هناك ما يقرب من أربعة ملايين مخطوط عربي، موجودة حالياً في المكتبات الأوروبية. أمّا في العصر الحديث، فيكفي للباحثين الأوروبيين عندما يكتبون أبحاثهم، أن يتذكروا:
أولاً: إسرائيل، دولة استعمارية، غير شرعية، أسسها الغرب ، لتكون كلبَ حراسة، ورأس جسر للاستعمار الأورو-أميركي في فلسطين، ملتقى القارات الثلاث (آسيا، إفريقيا، أوروبا)، من أجل سرقة نفط العرب، إذ لعب الفكر الاستشراقي أيضاً، دوراً مهماً في التأسيس لهذه الدولة الاحتلالية العنصرية من خلال عملية تزوير تدريجي لتاريخ فلسطين، جاء مُتّسقاً مع تطور فكر الحركة الصهيونية، التي مارست الاغتيال والقتل والإرهاب والتهجير، ضدّ الشعب الفلسطيني، منذ مطلع القرن العشرين. والمفارقة أنّ من قام بتهجير يهود أوروبا وروسيا وأميركا -وهم جميعاً ليسوا من أصول شرق أوسطية، بل هم يهود إمبراطوية الخزر - هم الأوروبيون أنفسهم، مستغلّين حادثة الهولوكست التي صنعوها بأنفسهم، ليمارس هؤلاء (الإسرائيليون)، الاضطهاد ضدّ الشعب الفلسطيني، بارتكاب مذابح لا تحصى. ولم تكن فلسطين قبل سنة 1948، وطناً بلا شعب، بل كانت عروس البحر الأبيض بثقافتها وحضارتها الكنعانية الفلسطينية العريقة. لقد سرق الإسرائيليون المحتلون، الثقافةَ الكنعانية الفلسطينية، وسرقوا آثار فلسطين، ومكتبات فلسطين، قديماً وحديثاً. لقد كان أول وجود يهودي في فلسطين في القرن الأول ق.م على شكل طائفة يهودية، محدودة العدد، عُدَّتْ طائفة فلسطينية ، رغم مجيئها من العراق. أما حكاية ممالك داود وسليمان وشاؤول وعمري، فهي إحدى أكاذيب التاريخ، إذْ لم تكن هذه الممالك الوهمية في فلسطين، إطلاقاً. إنها ممالك من صناعة خيال الكهنة اليهود في بابل وعسير وجنوب الحجاز.
ثانياً: الحادثة الثانية الكبرى في العصر الحديث، هي حادثة الاحتلال الأميركي-البريطاني، سنة 2003 للعراق، حيث سرق الأميركيون والأوروبيون، متحفَ بغداد، واغتالوا أكثر من أربعمائة عالم عراقي، ومارسوا ديمقراطيتهم!! في سجن أبو غريب ، وسجن غوانتنامو ، وسرقوا بترول العراق... إلى آخر الحكاية الحقيقية التاريخية التي يشاهدها العالم يومياً.
ثالثاَ: الاستعمار الحديث، الذي مارسه:البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون والإسبان للبلدان العربية، إذ نهبوا خيراتها ومواردها، وسرقوا ثقافتها وقاموا بتزويرها، ورغم أنّهم خرجوا عسكرياً من الباب، إلا أنهم دخلوا البيت بربطة عنق من الشباك، بل احتلوا الأسرّة في البيوت، والعقول في الجامعات، حتى أصبحنا منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن، مجرد تابعين مستهلكين لثقافتهم.
***
نعتمد في هذه المقالة، كليّاً، على كتاب هنري جورج فارمر ، الموسيقي، والباحث الإيرلندي: دراسات في الموسيقا الشرقية ، الذي جمعه وحرّره إيكهارد نويباور، ونشر بالألمانية. وُلد فارمر في إيرلندا سنة 1882، وتوفي سنة 1965. أنشأ في لندن سنة 1911 الأوركسترا الإيرلندية ، وأنشأ في غلاسكو سنة 1918 أوركسترا غلاسكو السيمفونية ، وظلّ مديراً لها حتى سنة 1944. بدأ بدراسة الموسيقا العربية منذ سنة 1915، وأصدر كتاباً سنة 1929، بعنوان تاريخ الموسيقا العربية . وقد ترجمت أماني المنياوي، كتاب دراسات في الموسيقا الشرقية في مصر سنة 2005، وراجعته: إيزيس فتح الله.
أولاً: لقد جمع المحرر الألماني نويباور، مقالات فارمر ودراساته، وهو جهد كبير، لكنّ المحرّر ، لم ينتبه إلى تكرار المعلومات في هذه المقالات والدراسات التي كُتبت ونشرت في أزمنة متباعدة، ممّا أدّى إلى التكرار، وكان يفترض بالمحرّر الألماني تحرير الكتاب بصورة دقيقة، لكنه على ما يبدو، توقف عند جهد الجمع.
ثانياً: بذلت المُترجمة جهداً كبيراً في ترجمة كتاب، عدد صفحاته يصل إلى 800 صفحة، وقد اضطرت المترجمة من الإنجليزية للرجوع إلى لغات أخرى غير الإنجليزية، وهي: العربية، اللاتينية، الإسبانية والعبرية.
ثالثاً: من المؤسف أنّ بعض الصياغات في الترجمة، ضعيفة، والأكثر خطراً أن هذا الكتاب المهم، مليء بالأخطاء اللغوية، ولا أبالغ، إذا قلت إن هذه الأخطاء تتجاوز المائة، وكان الأجدى أن يُراجع الكتاب، محررٌ لغوي في مؤسسة محترمة، مثل: المجلس الأعلى للثقافة بمصر.
رابعاً: لم تبذل المُراجعة جهداً في شرح المصطلحات الموسيقية، واكتفت بملاحظات سريعة، ويبدو أنها ركّزت على ترجمة المتن أكثر من تركيزها على شرح المصطلحات الصعبة، ولو كنت مكانها، لاستعنت بشروح غطّاس عبد الملك خشبة، لكتاب الفارابي: تاريخ الموسيقا الكبير ، وهو منشور في مصر.

 فارمر ..
هذا الصوت الإيرلندي الرائع
يجيءُ هذا الصوت الرائع، خارج السرب، أعني: صوت فارمر الإيرلندي، ليقرّر ويجزم بوضوح: لقد أثّرت الموسيقا العربية بوضوح في الموسيقا الأوروبية، رغم محاولات الإنكار من قبل بعض الهامشيين المتعصبين الأوروبيين . وفيما يلي نختصر الوقائع، التي عدّدها فارمر ، وناقشها في كتابه الضخم:
أولاً: أخذت أوروبا التراث العربي بطريقين:
1- الاحتكاك السياسي الذي أوصل تراث الفن العملي باليد واللسان.
2- التماس الأدبي والثقافي، الذي توصل إلى نقل تراث الفن النظري، بالترجمة، وبتعاليم الباحثين من علماء الغرب الدارسين في المعاهد العربية الإسلامية في اسبانيا وغيرها (ص 165).
وحسب فارمر ، فإنّ أوّل من قام بحركة إحياء التراث العربي الموسيقي، ونقله إلى الغرب، بطريق التماس الأدبي والترجمة، هو قسطنطين الإفريقي (ت. 1087 م)، الذي كان أحد المترجمين الأوائل من العربية إلى اللاتينية، وأحد الذين نادوا بتأثير النجوم العلاجي، وقوة الموسيقا الشفائية. وهذان المبدآن، مستمدّان من ابن سينا. وهناك جنديسالينوس ، الذي عاش في الفترة (1130-1150 م)، وله فصل عن الموسيقا في كتابه تقسيم الفلسفة ، وهو صورة مسلوخة من كتب الفارابي. ولدينا كذلك كتاب فنسنت بو؟ي ، المعروف بعنوان مرآة المبادئ ، إذ اقتبس من الفارابي. ويصدق مثل هذا القول أيضاً على كل من: روبرت كيلوردبي ، ريموند لول (ت. 1315 م)، سيمون تونستيد (1300-1369 م)، آدم دي فولدا (ت. 1490 م). واقتبس روجر بيكون كثيراً من آراء الفارابي. كذلك اقتبس من الفارابي، كل من: والتر أندكتن في كتابه نظرية الموسيقا ، و أنكلبرت في كتابه عن الموسيقا، وخصّص جيروم المورا؟ي ، فصلاً عن الفارابي في كتابه عن الموسيقا، واستشهد ببعض آرائه في أحد فصول كتابه. وكان الطلبة الأوروبيون، يتوافدون إلى قرطبة لتلقي العلم. وكانت الموسيقا، وهي من جملة الرابوع ، من ضمن مناهج الدراسة الأوروبية، بل لم يكن الطلبة بحاجة إلى توسط التراجم اللاتينية، فقد كان المستعربة الإسبان الذين عاشوا في العصر الاندلسي، يتقنون العربية. وقد توافرت لنا -الكلام ل فارمر دائما- معلومات بأن روجر بيكون (أستاذ الطب في جامعة أكسفورد)، كان موضع سخرية التلاميذ الإسبان ، واستخفافهم برجوعه إلى مترجمات لاتينية مغلوطة!!، لأنهم كانوا على معرفة بأصولها العربية (ص 168).

الأوزان والإيقاعات الموسيقية
ثانياً: يرى فارمر أن أهم تراث موسيقي خلّفه العرب لأوروبا هو الأوزان الموسيقية : فقد كان الغناء الموزون، قبل مجيء فرانكو كولوني (1190 م) غير معروف في أوروبا، بينما كان الإيقاع ، هو الجزء الاصلي من الموسيقا العربية، منذ القرن السابع الميلادي، وقد جاء وصفه في أحد أعمال الكندي. ولم تكن أوزان النغم وحدها، هي التي استمدها فرانكو كولوني ومدرسته من العرب أصلاً، بل استُمدت كذلك الألحان الإيقاعية . ونجد في الرسالة اللاتينية المسمّاة: الأبعاد والفواصل ، المكتوبة في الفترة (1273-1280 م)، أنواعاً خاصة من الألحان الموسيقية، عربية الأصل، كما تدلّ عليها أسماؤها، كما نجد -كما يضيف فارمر - أنّ دوهانس دي مورس (القرن 14 م)، ينوّه ببدعة موسيقية اسمها: الانتراد ، أي: الانطراد ، وهي ذات أصل عربي؛ وأنّ الهوكيت الذي شاع في القرون الوسطى، وقال عنه روبرت دي هاندلو (ت. 1326 م)، هو عبارة عن تركيب من النغمات والسكتات، إنما هي، الإيقاعات العربية بعينها (ص 169).
ثالثاً: روى ثيونوت آربو ، الذي عاش حوالي 1589 م، بأنّ الموريسكيين (الراقصين المراكشيين)، يصبغون وجوههم، ويلبسون الثياب الزاهية المزركشة، حيث يكون شعرهم مسترسلاً، وقد نقل المغنّون الأوروبيون هذه العادات. وكان الموريسكيون يستخدمون حصان الأعياد الأعرج وعلى رأسه جلاجل، ويسمونه زامل الزين ، ونجد الباسكيين يسمون رأس الحمار (Zamazain)، وهي اللفظة العربية نفسها. كذلك نجد الكلمة الإسبانية (Mascara)، كذلك الإنجليزية: (Masaker)، وتعني: المهرّج المسرحي، إنما هي اللفظة العربية (مَسْخَرَة=كوميدي). وهناك عشرات الألفاظ ذات الصبغة الموسيقية، درج استعمالها في شبه جزيرة إيبيريا، وهي عربية الأصل، مثل: (Mourisca, Huda, Zarabanda, Zambra) أي: المورو، الحداء، الزمرة. كذلك كلمات: (العود- lute)، (الرباب - rebec)، (القيثار-guitar)، و(النقّارة-naker)، وقد أخذها الأوروبيون عن العرب. كذلك، فإن اسم شعراء التروبادور في مقاطعة بروفنسال، أُخذ من كلمتي: طرب-دور . فأول ما ورد إلى أوروبا عبر الهجرة، أُسرة الآلات الوترية من العود والطنبور، ومجموعة القيثار. ثمّ أعقبتها الآلات ذات القوس. فالمغنون الأوروبيون -والكلام دائما ل فارمر - لم يكونوا قبل احتكاكهم بالعرب، يعرفون من الآلات الوترية، إلاّ الكنارة، والقيثار. والكنارة هي آلة موسيقية فلسطينية، ترجع إلى ما قبل الميلاد. ولم يكن الموسيقيون يعرفون ضابط الإيقاع ، حتى جاء العرب بأعوادهم وطنابيرهم وقيثاراتهم، وفيها دساتين عربية، تحدد المقياس الصوتي، ويضيف فارمر بأنه: ربّما كانت دساتين العود العربي، هي التي أدّت إلى استعمال السلّم الموسيقي الأوروبي الكبير- Major (ص 170-171). وسبق أن أكّد لي الصديق الباحث الفلسطيني محمود صبح (المقيم في مدريد)، أن كلمة فلامنكو ، أي الرقص الإسباني الشهير، هي كلمة عربية محرّفة عن تعبير: فلاّح مِنكو . (انظر: كتابي علم الشعريّات ، دار مجدلاوي، عمّان، ص 436-437).
ويعتقد فارمر أيضاً، أنّ شكل الزخرفة ، المُسمّى تركيب عند العرب، وهو: ضرب النغمة أو الدرجة مع رابعتها وخامستها أو قرارها (الأوكتاف)، هو الذي أسرع بخطى أوروبا إلى الموسيقا التوافقية الهارمونية ( فارمر ، ص 172).
رابعاً: يؤكد فارمر أنه لا يوجد عمل نظري واحد في الموسيقا البيزنطية، منذ القرن الرابع، وحتى سنة 1050 م، سوى مؤلفات المؤلفين العرب. والشيء الدالّ على فقر أوروبا الموسيقي، هو عدم ظهور أي عمل موسيقي في أوروبا منذ نهاية القرن السادس وحتى منتصف القرن التاسع. ويضيف فارمر أنه على علم بأن ترجمة مخطوطات مورسطس اليونانية إلى العربية، كانت السبب في إحياء الهيدروليات في بيزنطة وغرب أوروبا، وأنّ الحملات الصليبية الأوروبية على فلسطين والشرق، جعلت أوروبا تتأثر بالموسيقا العسكرية الشرقية، وجعلتها جزءاً من تكنيكها العسكري. ويؤكد فارمر أن ما كتبه الفارابي، وإخوان الصفا عن السمعيات في القرن العاشر، كان متقدماً على الإغريق . ومن المحتمل -يضيف فارمر - أن تكون أوروبا قد أخذت التدوين الأبجدي من آلة العود الإسلامية، كما يتضح من كتاب العالم هوكباد: قانون الآرمونيكا ، وقد أقرّ أحد المؤلفات اللاتينية، وهو بعنوان فن عزف اللامبيوتم، وآلات أخرى مشابهة ، الذي يرجع تاريخه إلى الفترة (1497-1496 م)، أن مغربياً من مملكة غرناطة، هو الذي اخترع التدوين الجدولي (التابولاتور). وعلى الرغم أن الكونت دي مور؟ي ، ذكر أن هناك احتمالاً أن يكون التدوين على آلة العود الإسباني، هو وحده من أصل شرقي، إلا أنّ مساعده الأكثر إطلاعاً جيفارت -يقول فارمر - ساوره الشكّ في أن كل أهالي قشتالة وأراغون قد طوّروا تدوينهم على غرار التدوين العربي (ص 238). وتعدّ الزائدة أو المدّ في الغناء، من الملامح الجوهرية في الموسيقا العربية، التي أثّرت في إسبانيا وما حولها من دول ( فارمر ، ص 238-239).

الموسيقا التوافقية الهارمونية
خامساً: ويكشف فارمر عن وجود إشارة إلى قيم زمنية جديدة في رسالة لاتينية، (من دون عنوان، الجزء الرابع، أواخر القرن 13 م)، إشارة إلى نغمات تحمل أسماء عربية، مثل: المهمّ و المعرفة . وقد أكد جوليان ريبيرا ، المتحمّس للأثر العربي في الموسيقا الإسبانية، أن المسلمين العرب استخدموا الهارموني بالمعنى الذي يفهمه الأوروبيون، لكنّ فارمر يعارض هذا الرأي بالقول: الصحيح، أن العرب أباحوا استخدام نغمات متعددة، وأطلقوا عليها: تركيب ، أي: الأداء المتزامن للأبعاد الرابعة والخامسة، أو الأوكتاف مع نغمات أخرى، ولكنّ هذا كان أمراً تزيينياً (زوائد)، غير دائم اللحن ( فارمر ، ص 242)، وأنّ المسلمين عرفوا أساسيات الهارموني بالمفهوم الإغريقي، أفضل من معرفة الأوروبيين، لكن المسلمين درسوا قوانين الهارموني أفقياً، بينما درس الأوروبيون الهارموني الرأسي، منذ القرن العاشر. وقد حقق المسلمون تقدماً في الهارموني الأفقي، بينما نجدهم، أي المسلمين، قد سبقوا الأوروبيين في الإيقاعات الكثيرة اللانهائية، التي أطلق عليها اسم: نبضات الآلة (ص 243). ويضيف فارمر : على الرغم من أنّ فالا ، يعترف بالوجود الشرقي في الموسيقا الشعبية الإسبانية، إلاّ أنه ينسبُ بعضاً منه إلى الغجر ، لكنّ ترند يرى أنّ السمات في أغاني الفلامنكو التي تنسب خطأً إلى الغجر، هي التي تتحدد، بناءً على شخصية الإخراج، وتظهر في أسلوب الأداء، لذلك يقول فارمر إن حتمية الأصل في براعة الفلامنكو، ترجع إلى سيطرة المغاربة العرب على شبه جزيرة إيبيريا ، كما يؤكّد ذلك راؤول لابارّا ( فارمر ، ص 245). ويعود فارمر لمناقشة فالا ، إذ يصف رأيه بالضعف، لأن: أول ظهور للغجر في إسبانيا، كان في العام 1444 م، بينما فتح العرب، إسبانيا، في العام 715 م، أي قبل وصول الغجر بسبعمائة عام، فمن الواضح من التاريخ، أنّ النتيجة هي لصالح العرب (ص 404). ثمّ يلقي فارمر بقنبلته المعرفية، رداً على مانويل دي فالا ، عندما يقول: فالا، الذي يجري الشرق في دمائه، لكنه ينكر ذلك بشدّة، مع أنه أندلسي، فإنه يتهم المغاربة الأندلسيين في كل مكان، بتلك الشكوك البغيضة، مثل الكاردينال (سيمنس)، وتتضح شرقية فالا كشمس الظهيرة في المقطوعات الموسيقية (الحب الملتهب)، إضافة لمقطوعته: (الجزيرة العربية) . ثمّ يعود فارمر إلى مناقشة مسألة الهارموني عند العرب ، إذ يذكر أن الهارموني بالمفهوم الأوروبي، لم يُعرف لدى أوروبا، قبل القرن العاشر الميلادي، وأنّ هناك إشارة في ذلك الوقت لشكل موسيقي، يُسمّى (organizing)، ينحصر في أداء التأليف، كأصوات متزامنة، الذي عرف بتعدد التصويت: أورجانوم أو: الديافونية . ويعدّ الكندي -والكلام ل فارمر - أول الكتّاب العرب في الموسيقا التي وصلت أعمالهم إلى الأوروبيين (توفي سنة 874 م)، لكننا نجد أن ابن سينا في كتاب الشفاء ، تناول كلاَّ من مصطلحي: (Magadizing) و(organizing)، تحت اسمي: التضعيف ، و التركيب . وفي الوقت نفسه، علينا أن نتذكر -والكلام ل فارمر - أن (organizing)، قريبٌ من الموسيقا العربية الخالصة (ص 330). ويضيف: أخبرنا المؤرخ الإسباني (فيرجيليوس كوردوبتسس)، أنّ فن (organizing) كان يُدرّس في مدارس الموسيقا العربية في الأندلس، وقال حرفياً: في ذلك الوقت، كان هناك معلّمان في قرطبة، يُحاضران في الموسيقا، ويحاضران في ذلك الفن المسمّى: أورجانوم، أي تعدد التصويت في الألحان (ص 331).
سادساَ: يقول فارمر ، إنه بينما تعتقد إيزابيل بوب أن ألحان موسيقا تسبيحة السيدة العذراء (كانتيغاس)، توضح التأثير المشترك للكنيسة، والأغنية الشعبية الشرقية والأوروبية، يتبنّى (H. Angles) وجهة نظر معارضة، فيقول: إنه لم يجد أي تأثير عربي في ألحان موسيقا الكانتيغاس، البالغ عددها 423 لحناً، لكنّ (Jeanroy) يعترف سنة 1934، أنه لم يعد ممكناً رفض فرضية التأثير العربي، رفضاً تاماً . لقد ازداد معدّل القبول لموضوع التأثير العربي ، بعد ظهور كتاب (R. Menendez)، الشعر العربي والشعر الأوروبي ، سنة 1938. ثم تبعت ذلك أبحاث كل من (Nyki)، وهنري بيرس عن التروبادور، بينما ألقت الضوء، إسهامات ستيرن، والونسو، وسبتزر، على الأغنية الموزارابية العربية. كما اكتشف ليفي بروفنسال أن الأغنية الخامسة في كتاب (Jeanroy): أغاني غيوم ، لم تدوّن خطأ فقط، وإنما تضمنت في خاتمتها أربعة سطور، ذات ملامح عربية واضحة ( فارمر ، ص 246). وقرّر فيرِنس بعد سماعه للموسيقا التونسية، التي يؤدي فيها ممثل وصبي، أشعاراً على لسان الحيوان، إلى عدم اختلافه عن أسلوب الأداء في أوكسان ونيكول ، وانتهى إلى مطابقة السلّم الموسيقي المستخدم في القرن الثالث عشر الميلادي، مع مقام الجهاركاه الجزائري (ص 247). ويذكر سلفادور دانيل (1863 م)، أنّ مقام الجهاركاه الجزائري، يماثل المقام الأيولي . والأهم من هذا - كما يقول فارمر - هو اكتشاف لويس ماسينيون) سنة 1949، لمجموعة مدونة من الموسيقا العربية، وتوجد في مخطوطين للشاعر والموسيقي أبي الحسن الششتري (ت 1269 م): أحدهما بحلب، والآخر بالقاهرة، لكنّ فارمر ، يشكّ في بعض المعلومات فيهما.

الآلات الموسقية
سابعاً: من المعترف به -يقول فارمر - أننا ندين للعرب بآلات العود، القيثارة، الرباب، والنقّارة، التي تدل أسماؤها وتكوينها على أصلها العربي، ولا شك أننا ندين لهم أيضاً بإدخال آلات أخرى:
1- (آلة الصنوج)، التي عرفتها أوروبا باسم .(Sonajas)
2آلات التمبورين، والدف الرُبع، والبُندير المستدير، والتي عُرفت بأسمائها: .(adufe, pandere)
3 آلة القصعة، التي عرفتها فرنسا في القرن السادس عشر باسم (quesse)، وحديثاً باسم .(caisse)
4 آلة الطبل، نقله الأوروبيون، وعرفت بأسماء متعددة: .table, taber, tabor
5 آلة البوق أو النفير، وقد عُرفت عندهم تحت اسم: (anafil)، ومن المحتمل أن يكون مصطلح: (fanfare)، ويعني التبويق، هو زخرفة للكلمة العربية: (أنفار)، جمع نفير.
6- ولا شك -يقول فارمر - أن آلة المزمار العربية المعروفة باسم آلة الزمر (السرناي)، هي الأصل لآلات: (dulcayna- shaiem) أما آلة القانون ، فقد عُرفت في أوروبا باسم .(Canon)
7 - ويضيف فارمر : إن استعادة الاهتمام في أوروبا بعلم السوائل المتحركة أو الهيدروليز ، يرجع إلى العرب، حيث اختفى هذا العلم من أوروبا منذ القرن السادس، وحتى القرن التاسع، وعاد الاهتمام به منذ القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر الميلادي، حين اخترع العرب الأرغن الهوائي ، و الأرغن الهيدروليكي .
8- أما أهم تأثير للعرب في الموسيقا الأوروبية، فهو زخرفة اللحن ، أو ما يعرف بالزائدة (Za ide)، وهو ما يُعرف عند الموسيقيين الأوروبيين، باللحن المُساير: الدسكانت ( فارمر ، ص 328-329). أما الابتكار الموسيقي البارز الذي حدث في القرن الثاني عشر، وهو الموسيقا الموزونة ، فأنا -والكلام دائماً ل فارمر - أصدّق أنه من أصل عربي (ص 337).

كلية قرطبة الموسيقية
ثامناً: تعدّ كلية الموسيقا بقرطبة، وهي من أشهر كليّات العالم في ذلك الوقت، الكليّة-الأم، للعديد من مشاهير الموسيقيين الأوروبيين، أمثال: الياس اليهودي، وبيدرو كافيسوتور المسيحي، حيث تدفّق الطلاّب الأوروبيون على جامعات الأندلس، ودرسوا فيها، وترجموا أعمال الخوارزمي في علم الرياضيات، وابن الهيثم في علم الهندسة، والقبّاني في علم الفلك، والفارابي وابن سينا في علم الموسيقا. وجميعهم معروفون في أوروبا بأسمائهم اللاتينية (الجوريزم، الهازن، الباتجينوس، الفارابيوس، افنسينا). وتعود أقدم ترجمة لاتينية لأعمال الفارابي، حين ترجم يوحنا الأشبيلي كتاب إحصاء العلوم . وقد عرف العرب القوانين المنظمة للقيم الزمنية في فن الإيقاع، ففي الوقت الذي استخدمت أوروبا قيمتين نغميتين فقط، هما: اللونجا ، و البريفسي ، استخدم العرب ست قيم نغمية، واستخدم فرانكو كولوني ، أربعاً من هذه القيم. أما ألفرد الإنجليزي ، الذي اشتهر في الفترة (1227-1246 م)، وهو يُعدّ أحد الدارسين للعربية، وأحد المترجمين لها، فقد نسب له فيتس كتاب الموسيقا ، الذي يعدّ دليلاً مهماً في موضوع التأثير العربي. كذلك استخدم الإنجليز ، بُعد الثالثة الصغيرة والكبيرة في تعدد الأصوات: الأورجانوم ، أو الديافونية، وحظروا استعمالها في موضع آخر، إنما هو دليل جديد على التأثير العربي.
ومع اضمحلال قوّة العرب السياسية في الأندلس، بعد القرن الخامس عشر، بدأ الانحدار الثقافي للعرب، لكن الشهرة الكبيرة للباحثين العرب، استمرت حتى القرن السادس عشر. وقد استمر العرب في تطوير نظرية الموسيقا العربية، حيث ظهر صفي الدين عبد المؤمن، الذي أسّس المدرسة النظامية، وقد عدّ سير هربرت باري ، سلّم المدرسة النظامية الموسيقي، أفضل سُلّم اخترع على الإطلاق ، وقد اُعترف بتأثيره في أوروبا: حيث استخدموا في أوروبا بُعد السابعة الكبيرة من السُلّم كنغمة موصلة إلى نغمة القرار الاولى، وهو مفهوم جديد، استعمل لإحداث تغيرات أخرى في نغمات السُلّم، حتى مع سيطرة الموسيقا الهارموفونية الخالصة (ص 345). ثمّ يلخص فارمر التأثيرات العربية على النحو التالي:
1- أصبح الأوروبيون على دراية باللحن المساير (الموسيقا المقسّمة)، وتعدد التصويت، والتدوين الآلي، وربّما الصولفيج ، وذلك من خلال اتصالهم بالعرب.
2- اقتبست أوروبا فكرتها عن التدوين الصوتي المحدّد من خلال اتصالها بالعرب هيرمان كونتاكت . كما نقلت بكل تأكيد جزءاً من موسيقاها الموزونة، إن لم يكن كلها عن العرب، وربما نقلت عنهم التدوين القياسي . كذلك، فإن أوروبا، مدينة للعرب، برجوعها إلى قوانين التناغم الصوتي ، كذلك نقلت أوروبا معظم آلاتها الموسيقية عن العرب ( فارمر ، ص 345). وقد نشر جوليان ريبيرا كتابه الضخم: (Cantigas de Santa Maria)، سنة 1922، اعترف فيه بإسهاب بتأثير العرب في الموسيقا الإسبانية، والأوروبية.
3. يبحث فارمر في التأثير العربي في الآلات الموسيقية: فالرباب العربي، له ثلاثة أسماء أوروبية (Rebeck, rubible, rabeba). طبعاً، هناك حذف في الترجمات الأوروبية للمقطع الأخير في الكلمة العربية، على سبيل المثال: أمير الماء أو قائد الأسطول في العربية، يصبح في اللاتينية أميرال ، أو أدميرال الفرنسية. كذلك جبل طارق في العربية، يصبح في اللغات الأوروبية: جيبر التر ، فالاسم (rebeck) للرباب، هو نوع من أنواع الرباب، تحوّل من (rabe morisco) مع الترخيم إلى (rebeck). كما يشير فارمر إلى أن العرب من أمثال الفارابي وإخوان الصفا، قد درسوا الخصائص الفيزيائية للصوت، وبالتالي، فهم قد سبقوا الأوروبيين. كما قدّم الفارابي وصفاً غير مسبوق للآلات، كما سخر الفارابي من بعض أفكار الإغريق بشأن موسيقا الأجرام السماوية، ففي ذلك الوقت (القرن العاشر)، شرح إخوان الصفا، نظرية الانتشار الكوني للأصوات ، بينما قال تلامذة أرسطو المتأخرين إن الأصوات تسير في خط مستقيم!! ويؤكد فارمر أن اكتشافه لمصطلحي المعرفة و المهم في المخطوطات العربية، هو ما يعادل النوتة في القرن الحادي عشر، فالظهور المبكر للكلمتين ( المهم و المعرفة )، يوضح وجودهما كرموز، قبل استخدام الأوروبيين لها في القرن الثالث عشر الميلادي. كما أن كلمة (Ole ) الإسبانية، ما هي إلاّ كلمة الله العربية، حين كان الإسبان يصيحون من شدّة تأثرهم بالموسيقا: .(ole , ole , ole )

التأثير العربي في الموسيقا السمفونية
تاسعاً: ظهر الطابع الشرقي الإسلامي في الموسيقا الأوروبية، كما يقول فارمر في ثلاثة اتجاهات واضحة، هي: 1.النماذج الإيقاعية. 2.الصيغ اللحنية. 3.النماذج الأتانولية في الموسيقا: فالموسيقا العسكرية التركية، انتشرت في بولندا، وبلغاريا، والنمسا، وألمانيا، وقد أُدخلت آلات الطبل الكبير، والطبل الجانبي، والكاسات، وكؤوس النقر، والصنوج، والدفّ، والجلاجل، وسرعان ما انتشرت بدعة الموسيقا التركية بين الجيوش الأوروبية. ويعلّق فارمر بأن فاغنر ، استخدم هذه الآلات في موسيقاه، لكنه أخطأ حين مزجها بإيقاعات زنجية!! وقد غزت الموسيقا التركية، الموسيقا الأوروبية الكلاسيكية، وكان موتسارت من أوائل من أدخلوا هذه الموسيقا العصرية في أوبرا الساراي ، وكان موضوعها شرقيا. كذلك وجد عمل مشابه للموسيقار بيتهوفن ، حيث كتب مارشاً لفرقة عسكرية في أوبرا أطلال أثينا . كذلك: فإن كيروبيني (Cherubini)، استخدم ألحاناً شرقية إسلامية في أوبرا ابن سُريج ، وأوبرا علي بابا . كذلك استخدم بولديو ألحاناً شرقية في أوبرا خليفة بغداد ، وقدّم فيبر موسيقا شرقية في أوبرا أبو حسن وأوبيرون . وقدّم الملحن الفرنسي سان سان مع مجموعته الجزائرية للأوركسترا، حركتين، هما: الرابسودي المغربية ، و أحلام المساء ، وكانت لهذه المجموعة، شعبية كبيرة في أوروبا. ولدينا أيضاً مجموعة الروسي تشايكوفسكي الشرقية، مثل: كسّارة البُندق ، التي تضمنت إيقاعات الرقص العربي الفاتن. كذلك الروسي كورساكوف ، أكثر الروس استخداماً للإيقاعات الشرقية، كما في رائعته: شهرزاد . كذلك ظهرت متواليات ديبوسي الشرقية. كذلك، سترافينسكي ، الذي نقل تركيباته الإيقاعية المُعقّدة من موسيقا الشرق الإسلامي.

خلاصة
لقد ظل تأثير الفارابي في أوروبا -يضيف فارمر - حتى مطلع القرن السادس عشر، كما أن أوروبا اطلعت على المؤلفات العربية الموسيقية: مؤلفات: الفارابي، الكندي، ابن سينا، ثابت بن قُرّة، وغيرهم ( فارمر ، ص 583).
هكذا شهد شاهدٌ من أهل أوروبا، هو فارمر ، هذا العاشق للموسيقا العربية، الذي أشار إلى تأثر العرب بنظريات فيثاغورس وبطليموس الموسيقية، لكنّ مشاعره الأوروبية لم تمنعه من قول الحقيقة التي تؤكد الأثر العربي الموسيقي الواضح في الموسيقا الأوروبية، منذ ما قبل الفلامنكو الإسباني، وحتى: بيتهوفن، وموتسارت، وفاغنر، وتشايكوفسكي، وغيرهم. وهو يشير بوضوح إلى أن الفارابي انتقد النظريات الإغريقية، وصحّح أخطاءها، بل يشير إلى الأساس الهارموني العربي ، المسمّى أورجانوم ، الذي تمّ تدريسه في جامعة قرطبة، ليكون لاحقاً، أساس السُلّم الموسيقي الأوروبي. وأخيراً نقول مع فيلوجديوس تلميذ فيثاغورس المتأخر، إن السماء تُغنّي ، لكنّ أجدادنا في بلاد ما بين النهرين، وفي فلسطين، وسوريا، قالوا بفكرة الانسجام (حتى إن الكنعانيين قسّموا آلهتهم وفق انسجام كوني: الأرض، والبحر، والسماء).. لقد قالوا جميعاً بفكرة انسجام الكون قبل فيثاغورس، قالوا إن فكرة انسجام الأجرام السماوية تعني وجود موسيقا كونية متآلفة مع حركة الأجرام المساوية. لقد قالت الفلاسفة إن النغم هو: فضلٌ بقي من المنطق، لم يقدر اللسان على استخراجه، واستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع، لا على التقطيع، فلما ظهر، عشقته النفس، وحنّت إليه الروح : نعم: السماءُ تُغنّي، والأرض أيضاً.
* شاعر وناقد ثقافي وأكاديمي

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }