المناطق النائية أم أهلها؟

المناطق النائية أم أهلها؟

تقول «سيلين ديون» في احدى أغانيها:- «سأعطيك الشجاعة في عالم صعب سأعطيك إن استطعت لتتخطى سنين الجوع وأعرف انني لن أشعرك بالامل». النأي في اللغة هو البعد، وقد اكثر الشعراء العرب من استخدام هذه اللفظة على المستوى المعنوي في وصف لوعتهم من بُعد الاحبة ورحيلهم، اما ديارهم فلم يعوقهم شيء عن الوصول اليها، والوقوف عليها، ولم تحمل كلمة النأي معنى التهميش الا حين وصفت بها المناطق التي لم تحظ بمشاريع تحقق لها التنمية المستدامة على امتداد حقب طويلة. ان هذه اللفظة الشاعرية «المناطق النائية» تفتح لي حين اسمعها نافذة تطل على غابات الأمازون، والعوالم السحرية الغامضة والبعيدة، وليس على الطفيلة والكرك ومعان والجفر والرمثا وحتى الصفاوي، وليس مرد ذلك لاني املك خيال طفلة حالمة، بل لاني بالفعل اجد هذه المدن قريبة وقد تحول العالم بفضل تنوع وسائل الاتصال الى قرية صغيرة، ويصل بي الامر أحيانا ان ارى الكرك احدى ضواحي العاصمة عمان، فسفر ساعة ونصف لا يعد سفرا في حساب الشباب، وهناك مدن يستغرق التنقل بين ضواحيها اكثر من هذا الوقت، ولهذا اعجب من حجم التباين بين هذه المدينة والمدن الكبرى في المملكة. ويشتد عجبي حين يتحدث الكثيرون عن هذه المناطق الموصوفة بأسى وشفقة كما لو كانت وراء الشمس، وكأننا قد استنفدنا فيها جميع برامج الاصلاح والتقريب الثقافي، ولكنها ظلت بعيدة، بعيدة! لقد نقل التعليم الاردن نقلة نوعية نحو مجتمع البناء والانجاز، والغى الفوارق المعرفية بين ابنائه على المستويين الفكري والابداعي اذ لم يعد التمييز يقترن بمراكز المدن الكبرى. ولان لغة الخطاب مهمة في هذا العصر، فاني اشتاق لمرحلة يؤمن فيها الاردنيون جميعا اينما كانت اماكن سكناهم ان بامكانهم المشاركة في صنع القرار، والحصول على الفرصة التي يستحقونها في الحياة، دون ان يضطروا لحزم حقائبهم والرحيل الى عمان بحثا عنها! واعتمادا على موروثنا الثقافي والفكري ، فقد كان الرجل في ظل حضارتنا العظيمة (القديمة) ينتقل من الاندلس الى بغداد فيتولى المنصب الذي يستحقه بناء على كفاءته، بوصف هذا جزءا من حقوق المواطنة التي تقوم اصلا على المشاركة. لقد كان لكثير من الاردنيين خيارات صعبة في مرحلة من مراحل حياتهم، وكان العمل بعيدا عن مراكز المدن الكبرى هو جزء من هذه الخيارات، لهذا من اجل كل اولئك الذين صبروا وتحملوا، ارجو ان تكون الاولوية لمن يتولى منصبا في الدولة ان يكون قد امضى عددا من سني عمره في خدمة ابناء الوطن في الاطراف، حيث التحديات اصعب،والشروط الانسانية اقل. ما دمنا نتحدث عن برامج اصلاحية، واعمال ميدانية، لان معايشة مشكلات الناس، ليست مثل دراستها (وان كنت لا اقلل من اهمية الدراسة) او على الاقل ان يحظى الناس بالمشاركة الفعلية بعد ان اعتدنا على دعوة الناس من المحافظات عند عقد المؤتمرات الوطنية مثلا من اجل اكمال العدد، ورفع العتب، وليس المشاركة الفعلية، فأين هو المؤتمر الذي شكلت له لجان (عاملة) في المحافظات شاركت في صياغته والاعداد له قبل الاعلان عنه في وسائل الاعلام؟ وهل لدى المهتمين بالتنمية قوائم تحوي اسماء الشخصيات القيادية في المحافظات غير من تكرر اسماؤهم عادة على انهم لا بدائل لهم؟ واغلبهم لا يربطه بمحافظته سوى مكان الميلاد! واين دور القيادات الشابة، وهل سيكون للنساء في المناطق المذكورة حظ اكبر حسب معيار الكفاءة في الوصول الى مصادر القوة النادرة؟! المناطق النائية عبارة تشكل غطاء لمضامين بائسة، ولهذا نحن متألمون، وما دمنا نشد العزم نحو الاصلاح الاداري فان الشجاعة تقتضي مواجهة الحقائق، والتوقف عن الترداد غير الواعي للمصطلحات والمفاهيم، ليصبح لكل شيء معنى كي يتسنى لنا التعامل معه ببصيرة ووعي. اننا في هذه المناطق نعيش على الحلم بوطن قوي، وهو ما يجعلنا نستمر ولكننا نحتاج اليوم الى شجاعة اكبر من تلك التي وعدت بها سيلين ديون ابنها، لنحتمل ما تبقى من رحلة العمر في هذا العالم الصعب، كما نحتاج الى كثير من الثقة بالكلمات لنصدق ان الرؤيا باتت واضحة والفجر قادم لا محالة ويراودنا الامل ان يشعر بآلامنا اولئك الذين يروق لهم الحديث عنا غالباً!.